الوجه الآخر للولايات المتحدة ـ نظام تعليمي يعزز فرص الإبداع في جو من الحرية

عندما يذكر اسم الولايات المتحدة لدى شعوبنا العربية فالصورة التي تملأ المخيال الجمعي صورة قبيحة فظة عنيفة، تذكرنا باحتلال العراق ظلما وقهرا من دون مبرر أخلاقي أو إنساني أو قانوني. نتذكر طائرات الأباشي الأمريكية تتصيد القيادات الفلسطينية وجرافات كارتربيلر المقدمة مجانا للقوات الإسرائيلية وهي تهدم مخيم جنين أو تفعص تحت أسنانها الشابة الأمريكية راتشيل كوري. نتذكر صورة الجنود الذين يلتقطون صورا تذكارية مع سجناء أبو غريب، وهم عراة، ونتذكر صورة الجندي الأمريكي ابن الـ38 عاما الذي تسلل من قاعدته يوم 11 آذار/مارس 2012 ودخل بيوت أناس نائمين في مقاطعة بانجواي في قندهار وقتل تسعة أطفال وثلاث نساء وأربعة رجال، ثم أشعل النار فيهم والتقط صورا تذكارية على هاتفه الخلوي. نتذكر طائرات الدرون وهي تتصيد الرجال في اليمن وباكستان. إنها إذن صورة الدولة القوية الظالمة المغرورة بقوتها الغاشمة، والمتعالية على بقية الدول بقوتها العسكرية غير المسبوقة في التاريخ، واقتصادها القوي الذي يحتل المرتبة الأولى في العالم. لكن لأمريكا صورة أخرى تختلف في الشكل والمضمون عن الصورة السابقة لا يراها إلا من يعيش فيها.
إنها صورة مراكز العلم والبحوث والجامعات العريقة التي تخرج ملايين الطلبة سنويا في كافة مجالات التخصص. إنها صورة العلماء الذين يعكفون على بحوثهم سنوات ويأتون بكل شيء جديد ومبدع وعملي، يدخل في حيواتنا اليومية فيسهل عملنا ويقرب البعيد ويجلو الغامض ويفسر الظواهر ويتنبأ بالآتي فيقي الناس من الكوارث الطبيعية، ويلاحق المرض حتى يقضي عليه أو يحصره في حدوده الدنيا ما أمكن، ويقدم كل يوم شيئا جديدا يتعلق بالصوت والصورة والإشارة والسواتل وما إلى ذلك.
أجمل ما في هذه الظاهرة موسم الاحتفال بتخرج الطلبة في منتصف شهر أيار/مايو من كل عام، حيث يشارك الطلبة في الاستعراض الجميل بأروابهم الزاهية وطواقيهم المزينة التي تفصح عن هوية الجامعة وعن هوية الكلية وأحيانا عن نوع التخصص. يصطف الخريجون بالألوف في الملاعب أو المسارح الكبرى أو الساحات العامة ليحصدوا نتائج ما زرعوا في سنوات الدراسة، أمام عيون الآباء والأصدقاء والأقارب الذين يأتون ليشهدوا لحظة من أجمل لحظات العمر، حيث يسمعون أسماء أبنائهم وبناتهم تطلق من مكبرات الصوت فيردون بإطلاق صراخ وتصفيق، وأحيانا تسمع أصوات فرح شرقية غير مألوفة للحضور، عندما تطلق أم مصرية أو فلسطينية أو مغربية زغرودة تلجلج جوانب المسرح. ترى الناس كلها بعد انتهاء حفل التخرج يتبادلون القبل والهدايا ويلتقطون الصور مع أبنائهم وبناتهم وهم ما زالوا في أروابهم الجميلة، ينتقلون بعدها للاحتفال مع العائلة والأصدقاء بهذه المناسبة السعيدة.

الطلاب يُفشلون دعوة
كوندوليزا رايس للحديث للخريجين

تتنافس الجامعات العريقة في موسم التخرج هذا على دعوة ‘المتحدث الرئيسي’ الذي سيخاطب الخريجين في هذا اليوم، تتويجا لما حققوه من إنجاز وتنبيها لما ينتظرهم من تحديات في قادم الأيام، فليس كل من تفوق في الدراسة يتفوق في معركة الحياة الأصعب والأكثر تعقيدا كما قال أمير الشعراء:
وكم منجبٍ في تلقي الدروسِ تلقى الحيـاة ولم ينجـبِ
وكلما علت مكانة المتحدث ارتفعت المكافأة المالية التي تقدمها الجامعة، وقد تصل إلى مئات الألوف لرؤساء سابقين أو وزراء معروفين أو علماء مميزين. وقد حصد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أكبر كمية من الأموال مقابل خطاباته، وصلت الى 89 مليون دولار بعد تركه المكتب البيضاوي ولغاية نهاية عام 2011 كان أعلاها محاضرة ألقاها في هونغ كونغ بقيمة 750000 دولار.
في موسم التخرج هذا العام فاجأ روبرت بارشي، رئيس جامعة رتغرز التي أدرّس فيها، الطلاب والأساتذة والموظفين بدعوة كوندوليزا رايس لتكون المتحدثة الرئيسية في الحفل، وقرر أيضا منحها الدكتوراه الفخرية على ما قدمت من خدمات للولايات المتحدة. ويبدو أن السيد بارشي الذي يحتل هذا المنصب لأقل من سنتين لا يعرف أن هذه جامعة ليبرالية وتعتبر واحدة من خمس جامعات في الولايات المتحدة الأكثر تعددية وتنوعا، عرقيا ودينيا وأيديولوجيا، وبها نحو 15% من الطلاب من العرب والمسلمين. لم يستشر بارشي حتى مجلس أمناء الجامعة، ويبدو أنه أراد بهذه الدعوة أن يرضي حاكم ولاية نيوجرزي كريس كريستي الجمهوري، حيث إن رايس معروفة بأنها من صقور الحزب. قامت بعدها الدنيا عليه ولم تقعد. نظم الطلاب المظاهرات والاعتصامات ووزعوا البيانات وجمعوا التواقيع لرفض هذه المتحدثة التي قالوا عنها ‘إن مكانها الطبيعي يجب أن يكون خلف القضبان وأن تحاكم كمجرمة حرب على ما اقترفته يداها في العراق’. وانضم إلى الحملة عدد من الأساتذة الذين كتبوا في نفس المضمون وجمعوا التواقيع. وقد أعد الطلاب خطة محكمة كي يمنعوها من الكلام حتى لو حضرت، وأن يقطعوا عليها كل جملة بالصراخ والصفير والاحتجاج حتى لا تستطيع أن تكمل جملة واحدة. لقد أعلن نحو 600 من الطلبة احتجاجا مفتوحا وطالبوا بمقابلة الرئيس. وفي النهاية انتصرت الإرادة الطلابية وألغيت دعوتها، فهلل الطلاب لهذا الانتصار وتضاعفت فرحتهم وهنأوا بعضهم بعضا على توجيه صفعة حامية على وجه من ارتكبت العديد من الجرائم ضد الشعب العراقي. في تلك اللحظة جاء أحد طلبتي العراقيين جذلا يكاد يطير فرحا وهو يزف لي خبر إلغاء دعوتها. أحسست عندها أن هناك وجها جميلا آخر للولايات المتحدة لا يعرفه الكثيرون، وله علاقة بالناس العاديين الطيبين وغير المشوهين بسموم المحافظين الجدد والعنصريين وفوكس نيوز. استبدلت رايس بمتحدث آخر لبق ومتفتح كثيرا هو توماس كين، حاكم ولاية نيوجرزي الأسبق الذي أعلن عن تبرعه بالمكافأة المالية وقيمتها 30000 دولار لصالح صندوق المنح والبعثات الطلابية للفقراء والمعوزين.
تعززت هذه الصورة عندما اعتلت المنصة فريحة حسين، وهي فتاة مسلمة من بنغلاديش لتتحدث نيابة عن 16300 خريج وتقدم مبلغ 18300 دولار جمعها طلاب السنة النهائية هدية للجامعة التي تخرجوا منها على أن يرصد هذا المبلغ لتقديمها كبعثات دراسية للطلبة المحتاجين.
أما كلمة الخريجين الأساسية فألقاها إيريك لوغراند، وهو شاب أسود وصل المنصة على كرسي متحرك، حيث أصيب إصابة بالغة أدت إلى شلل نصفي أثناء ممارسته لعبة كرة القدم الأمريكية. كان يمكن لأي شحص مثل إيريك أن يصاب باليأس والانعزال، لكن تشجيع الإدارة والزملاء والأساتذة له، بالإضافة إلى تهيئة كافة الظروف لتسهيل دراسته أدت إلى تخرجه، رغم الوضع المثير للحزن الذي يعيشه هذا الشاب الضخم الرياضي الذي كان يحلم بالنجومية الرياضية فحصل على النجومية الأكاديمية في يوم بهيج كهذا.
هذه هي الأجواء التي تدفع الطلاب للإبداع- جو الحرية وحق التعبير وحق التجمع وتهيئة كافة مستلزمات التعليم الراقي من تكنولوجيا حديثة وإمكانيات هائلة وأساتذة من خيرة العقول في العالم كلها توضع لخدمة الطلاب فتترجم كلها إلى إبداع فإنتاج فتقدم للفرد والمجتمع والدولة.
قارنوا هذه الصورةالمشرقة ببعض ما يصل إلينا من نتف عن القمع في الوطن العربي: فالمدون السعودي رائف بدوي يحكم بالسجن عشر سنوات وألف جلدة وغرامة مالية بقيمة مليون ريال، لأنه كتب على مدونته ما يختلف عن الطريقة التي تفكر بها الدولة. ومحكمة سودانية حكمت على مريم إبراهيم وهي فتاة مسلمة اختارت شريك حياتها من أبناء الدين المسيحي فتسجن وهي حامل في شهرها الثامن ويسجن ابنها معها وعمره عشرون شهرا ويطلب منها التوبة والعودة إلى الإسلام وتطليق زوجها، وإلا ستعدم بتهمة الردة والزنى. وفي مصر يسجن ثلاثة صحافيين من قناة الجزيرة منذ 29 كانون الأول/ديسمبر 2013 من دون توجيه تهم محددة ومن دون محاكمة ومن دون الإفراج عنهم بكفالة مالية، وعندما سألوا عن التهم الموجهة إليهم طالب المدعي العام بمبلغ 1.2 مليون جنيه مصري كي يعطيهم نسخة من التهم الموجهة إليهم.
وبعد ذلك نسأل هل يكون الإبداع في ظل القمع وتكميم الأفواه ومنع كافة مظاهر التعبير السلمي؟

أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية