الوجه والقناع، صورتان لرجل واحد: النقد المباح حق مارسته السينما على رجال الدين والسُلطة

حجم الخط
0

كمال القاضيالقاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: مثلما قدمت لسينما الصورة النموذجية لرجل الدين وأضفت عليه هالة من الوقار والهيبة قدمت كذلك النمط الكاريكاتيري وفضحت سوءات المتسترين وراء الشكل الخارجي المظهري لرجال المنابر وأصحاب الحناجر القوية والأصوات الجهورة.لقد لعب الكتاب والمخرجون على المفارقة بين الظاهر والباطن في الشخصية المثيرة للجدل فمنهم من راعى الجانب الاجتماعي ولم يفصح عن كل مكونات الشخصية وقصر هذه على اشياء بعينها من غير حرج أو خوف، والأمثلة على النموذجين كثيرة ولكننا سنورد بعض الملامح من باب التنوير وإلقاء الضوء على فطنة من كان لهم السبق في الكشف عن الأسرار والخبايا لدى من خلطوا الدين بالسياسة لخطب ود الجماهير والضحك عليهم بمعسول الكلام لتحقيق المآرب والغايات.في فيلم ‘الزوجة الثانية’ وجدنا شخصية رجل الدين الكاريكاتيري حسن البارودي الذي يمالأ العمدة صلاح منصور خشية البطش به فيفتي بطلاق فاطمة ‘سعاد حسني’ زوجة أبو العلا ‘شكري سرحان’ عنوة وغصب وشرعية زواجها من ‘عتمان’ العمدة المستبد ويأتي بحديث نبوي ضعيف، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم في محاولة للتأثير على الزوج المسكين وإقناعه بتطليق زوجته وأم أولاده والتنازل عنها للعمدة، ونرى في لحظة فارقة بالغة الدلالة كيف ينتصر الباطل المدعوم بالقوة على الحق الأعزل المغدور فتنقلب الآية ويصبح ابو العلا الفلاح البسيط هو المهدد بالضرب والسجن والإهانة بدلا من أن يكون كل هذا من نصيب العمدة، ذلك الظالم الفاجر المغتصب!ينجح الممثل القدير حسن البارودي في تجسيد الشخصية بكل براعة بعد إعطاء الإحساس الأقوى بتحللها من كل قيمة وتنصلها من كافة نوازع الدين والعقيدة، بل ونكرانها للأعراض والتقاليد التي يمليها المجتمع على الناس.لم يأبه الشيخ المسن بما يفضح شيبته وانحاز للضلال وهو أعلم العالمين به إتقاء شر السلطة المتمثلة في ‘حاكم’ القرية ورب نعمتها بحسب فهمه ووعيه اللذان قاداه الى الهاوية.المعنى نفسه وفي مضمار آخر من الرؤية السينمائية يؤكد الفنان زكي رستم في فيلم رصيف نمرة ‘5’ وهو التقي الورع الساعي بين الناس بالخير حين ينكشف أمره لعسكري البحرية الريس خميس ‘فريد شوقي’ فيضطر لمواجهته في بيت من بيوت الله وهو على سجادة الصلاة ماداً له يده بحبات السبحة التي انفرطت أثناء قيامه بقتل الخرساء وهي الشاهد الوحيد ودليل الإثبات على ارتكابه جريمة قتل زوجة الريس خميس، وبعيدا عن التفاصيل الدرامية للفيلم فإن احتماء القاتل وتاجر المخدرات بالمسجد كان هو عنوان الخديعة الكبرى التي يمارسها عادة المجرمون لإخفاء جرائمهم فاللعب على وتر الدين لا يقبل الشك عند العوام والملاذ به حصن حصين لا يجوز اختراقه، لذا نجد أن فريد شوقي لم تنطلي عليه الخدعة وقال كلمته المشهورة لزكي رستم حين هم بإقامة الصلاة كمحاولة أخيرة للهروب، ‘عملتها قبلك’ قاصداً بذلك فساد الحيلة وتكرارها.لم تكف إبداعات السينما حيال الظواهر الكاذبة من هذا النوع ففي فيلم ‘امرأة على الطريق’ نرى الفنان عبدالغني قمر، تاجر مرابي وشهواني وفاقد للذمة يراود هدى سلطان المرأة اللعوب مصدرا خطابه الديني الوقور في باديء الأمر، ولما تستعصي على التجاوب يغير من آليات خطابه ويجعل كلامه على المكشوف ويستخدم عبارات الغواية الصريحة والغزل الفج، وفي الحالتين يتمتم بالآيات والأحاديث والسبحة عالقة بيده لا يفرط فيها أبداً فهي أداته للإيهام والمراوغة والتغطية.كثير من هذه النوعية الدرامية تخصص فيها فنانين أساتذة مثل محمود المليجي وعباس فارس فقد قدما صورا شتى من التحايل والنصب واستخدما ذات اللغة الدينية لضمان مفعولها وعدم قدرة الضحايا على مواجهتها، ولكن الأديب الكبير نجيب محفوظ رصد التناقضات بحرفية وعبقرية في الثلاثية، إذ ابتعد على مستوى الشكل عن الملامح التقليدية لرجل الدين، وإنما تطرق الى مكنون النفس البشرية بشكل عام الذي يجمع بين عناصر الاحتشام والقوة والإكبار والاحترام وعظيم التأثير والهيبة التي تصل الى حد الرعب، وبين النقيض التام، الاستهتار والعربدة والانحلال، وذلك من خلال شخصية السيد أحمد عبدالجواد ‘يحيي شاهين’، ابن حي المغربلين المتربي على القيم والتقاليد، هنا تتجلى تباينات الرجل وتتضح صفاته وسماته كلها دون تغليب جانب على جانب آخر فيما يعني التأكيد على أن الله خلق النفس وسوها، وفي ذات الوقت ألهمها فجورها وتقواها وهو ما تدل عليه الآية الكريمة المعروفة من القــ رآن المنزل من السماء والذي لا ريب فيه.وبالإحالة مرة أخرى إلى ما أوردته السينما من نماذج يحضرنا النموذج المباشر في فيلم طيور الظلام الذي جسده الفنان القدير رياض الخولي الذي يمارس السياسة من منطلقات دينية نفعية لا تعرف إلا لغة المصالح والصفقات ونحن في هذا الفيلم نلاحظ ابتعاد كاتب السيناريو وحيد حامد عن محاكاة الهيئة التقليدية الاعتيادية لرجل الدين ونجده يقرب لنا الوجه السياسي باللحية والذبيبة مع الأخذ في الاعتبار ضرورة وجودهما كعاملان مؤثران ومحددان للشخصية وأداتان فارقتان في اكتساب ثقة الشارع في العملية الانتخابية لأن المناخ مهيأ للتعاطف، وفي الحقيقة أن هذه كانت نبوءة من الكاتب الكبير ثبتت واقعيتها.السؤال المطروح الآن بعد كل ما تقدم عن صورة رجل الدين في الأعمال السينمائية، هل سيتم تطويرها بما يناسب المتغيرات الحالية التي جعلت منها شخصية قابلة للنقد ونزعت عنها قداستها فصارت قابلة أيضا للسخرية حسب السياقات الواقعية التي أدت الى رد بعض خطباء المساجد ومنعهم من صعود المنابر كرد فعل لمواقفهم السلبية من مليونيات اكتمال الثورة وانحيازهم للسلطة على حساب الشعب؟! الإجابة مؤجلة بالقطع حتى إشعار آخر وإن كانت كل الاحتمالات بتغيير الصورة المثالية لرجل الدين واردة.qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية