يأخذ الخطاب الديني شكل نواة صلبة، حولها تتمحور أغلب المقومات، المحيلة على المدونات التراثية. وباعتباره المرجع الفعلي الذي تمتلك به الذات المؤمنة حصانتها في الدارين، فإن المقومات التراثية الدائرة في فلكه، ستكون هي أيضا جاهزة، لأن تأخذ صفة مصدر إضافي وتكميلي، من مصادر اكتساب مصداقية التأهيل الفردي والجماعي الكفيل بخوض غمار الكينونة.
إن الأمر هنا يتعلق بشرط القداسة التي يمتد تأثيرها من مجال العقيدة، كي ينسحب على باقي المكونات المحيلة عليها، وهو الإطار الطبيعي لتنامي حالة الالتباس المفهومي والدلالي، حيث يتم حشر الكثير من الممارسات والتوجهات المريبة، ضمن خانة القداسة، ما يؤدي إلى خلط الأوراق، وتعذر إمكانية تبين النيئ من المطبوخ.
والجدير بالذكر، أن الفطرة الخالية من عمق الاكتساب المعرفي، هي البوابة الرسمية التي تتسرب منها الاختلاقات والاختلالات التراثية كافة، خاصة منها تلك المتعلقة بالتواصل الروحي مع «ذات» المحتجب والمتخفي، بل يمكن القول، إن استمرارية أغلب المكونات التراثية، تتحقق عبر التشوهات والتحريفات المتعددة والمتنوعة، التي تطال بنيات المتعالي، ذلك أن البعد الأحادي للدلالة، يعتبر بمثابة قبر حقيقي لها يحول دون معالجتها بالتخصيب والتنويع، وبالتالي فإن استمرارية شرط القداسة، يكمن حتما في منطق الخلط ومنهاجيته العبثية، حيث يتمكن الأصل القداسي من الامتداد عبر غير قليل من مكوناته، التي تساهم – رغم هجنتها – في تكريس حضوره خلال لحظة تاريخية محددة من تاريخ صيرورته. فالموروث، وبوصفه «أصلا» – من وجهة النظر السلفية – لا يتنقل عبر الزمن كوحدة متلاحمة ومتكاملة البنيات، بل فقط من خلال الزوائد المتسللة إلى تفاصيله، التي تساهم في توسيع دائرة تلقيه زمانيا ومكانيا. ما يجعلنا نسلم عمليا بأن الزوائد، أو بالأحرى، العناصر الخرافية واللاعقلانية، المندسة فيه، هي أيضا من بين العوامل الأساسية الفاعلة في استمراريته. الشيء الذي لا يمكن أن يتحقق إلا في حالة تمرده على نقاء وصفاء هويته، التي قد يتعرض دونه إلى التجاهل والتناسي.
الشيء ذاته، يصدق على نسبة كبيرة من التفاعلات القائمة بين الذات ومجموع ما يتأسس عليه الأصل العقدي من قضايا، خاصة بالنسبة للفضاءات التي ينضب فيها معين المعرفة، وتهيمن فيها سلطة الفطرة بمقولاتها ومقوماتها. بمعنى أن الخوض في جوهر الإشكاليات العقدية، يقتضي بالضرورة توافر رصيد ثقافي، متميز بتعدد وتنوع اختصاصاته. باعتبار أن الأمر يستدعي من الفرد، كما من الجماعة، امتلاك الأسس الكفيلة بتدبير العلاقة العمودية القائمة بين الأرض والسماء، التي يتم على ضوئها تدبير العلاقة الأفقية القائمة بينه وبين الآخرين. ولعل السجالات التاريخية الدائرة رحاها بصورة دائمة بين علماء الكلام، وفقهاء الشريعة، حول القضايا المفصلية، المتصلة بالعقيدة، خير دليل على التعقيدات النظرية الملازمة لها، ما يحفز الجهات الوصية المتهيبة من خطر اصطدام العامة بعائق الجهل، على ترسيخ مقولة الفطرة، وتكريس واجب الأخذ بها، بوصفها الطاقة المرجعية والطبيعية لاشتغال الوعي البشري، أي الوعي المجبول «سلفا» على تبني المقومات العقدية، كصيغة مثلى للفوز بذلك التطابق المطلوب، بينها وبين نزوعات السريرة البشرية. ومع اعترافنا الضمني بإيجابية هذا الطرح، الذي يعلي مكانة الكفايات الوظيفية لدى الكائن، إلا أن ذلك لن يمنعنا من التأكيد على مثاليته، التي تضرب صفحا على ميكانيزمات الشر المتأصلة فيه، والمقترنة عادة بزمن ارتكابه للخطيئة الأولى. علما بأن الخطيئة «المقدسة» هي الأصل في الوجود البشري على الأرض، وفق ما هو وارد على لسان الخطاب الديني.
والملاحظ أن الخطاب الديني، وانطلاقا من مصادره المركزية، يشتغل عبر منهجين، أحدهما يحض على المعرفة، بما هي أداة علمية لبلوغ منزلة اليقين، فيما يثمن المنهج الآخر الاحتكام إلى الحد الفطري، المجسد في التقيد بمبدأ الطاعة، بما هو حد روحي، يفضي إلى بلوغ أرقى درجات الإيمان.
كما أن القول بالفطرة من شأنه التورط في خطأ تحجيب، وتبديد التعقيدات الفكرية والنظرية كافة، الملازمة للأسئلة الوجودية، حيث سيكون بوسع المؤمن، من هذا المنطلق تحديدا، أن يمارس شعائره على هواه، دون أن يكون مطالبا بامتلاك أي مستوى معرفي في موضوع هذا الهوى، ولا ريب في أن قانون الفطرة، يفتح الباب على مصراعيه، لتسريب خليط متنافر من المحكيات المغرقة في غرائبيتها وسحريتها.
ويحضرنا في هذا السياق الدعاء السائر، «اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز» المروي عن الخليفة عمر بن الخطاب، والفخر الرازي، الذي يمكن اعتباره بشكل أو بآخر، تحذيرا ضمنيا من مزالق التورط في نقاشات فكرية، من شأنها تفجير حالات التشكيك بالقيم، والأسس التي ينهض عليها جوهر الأصل، كما أنه يطمئن العامة على محدودية وتواضع معارفهم العقدية، كي لا يخالجهم أي إحراج من فراغهم الفكري، لاسيما أن الدعاء صادر عن رمزين مركزيين، من رموز ذاكرة القداسة المعترف بها.
وبالتالي، يمكن القول إن الشخصية «العجائزية» ضمن هذا المنطق، تصبح ذات حظوة مصرح بها من قبل السلطات التراثية. كما أن مصداقيتها مستمدة من التأويل الابتساري لأمية النبي، الذي يكتفي بظاهر القول دون باطنه، ما يؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه، لكل لغو سعيد بأميته، أو بالأحرى بجهله وتخلفه.
والملاحظ أن الخطاب الديني، وانطلاقا من مصادره المركزية، يشتغل عبر منهجين، أحدهما يحض على المعرفة، بما هي أداة علمية لبلوغ منزلة اليقين، فيما يثمن المنهج الآخر الاحتكام إلى الحد الفطري، المجسد في التقيد بمبدأ الطاعة، بما هو حد روحي، يفضي إلى بلوغ أرقى درجات الإيمان.
وبالنظر إلى استشراء الأمية في الأوساط الشعبية، فإن الغلبة والهيمنة تكون للمنهجية الثانية، التي توكل فيها معرفة الشريعة، إلى قانون الفطرة، وقانون إيمان العجائز، فيما يظل البعد المعرفي أسير دائرة جد مغلقة، على نخبة محدودة عديمة التأثير، والأدهى من ذلك، أن ضيق الهامش الذي توجد فيه النخب، غالبا ما يصمها بالشبهة، ويستهدفها من قبل السلطات الوصية التي لا تتورع في استعداء العامة عليها، كلما دعت الضرورة لذلك، وواضح أن محنة هذا التضييق، تؤثر سلبا في حرية البحث والتفكير، فتحد من جموحه، كما تكرهه على الاشتغال في حدوده الدنيا المسموح بها والمتاحة. ومن ثمة، فإن واقع الحال الذي لا يحتاج إلى الاستدلال والبرهنة، يفند مقولات بعض التنويريين الذين يتعاملون مع المنجز الفكري للنخب، بوصفه الترجمة الفعلية لمستوى السقف المعرفي الذي بلغته اجتهاداتهم، في حين أن تكون ضراوة القمع التي هم أبدا عرضة لها، من بين الأسباب المباشرة في تحديد طبيعة الأفق الذي يتسم به منجزهم الفكري والنظري.
ولعل حضور الجانب التوفيقي بين لغة العقل ولغة الفطرة لدى ثلة من الفلاسفة المسلمين، يعود إلى مراعاتهم الواعية، أو اللاواعية، لهذا الشرط، الذي يفضي تجاوزه إلى اتهامهم بالزندقة، واستهتارهم بالقيم الدينية.
أيضا، في سياق إثارتنا لموضوع الفطرة، ينبغي التأكيد على أن الدوائر الوصية، تلعب دورا مباشرا في تكييف طبيعتها، من خلال إضفاء دلالات محددة عليها، بانسجام مع رؤيتها الرسمية للمسألة الدينية والتراثية ككل، وبالاستفادة من قوة وسائطها الإعلامية. ما يضعنا أمام تاريخ طويل من التراكم السردي، المتمحور شكلا ومضمونا حول الظاهرة، والمؤثر في تحديد آليات التأطير النظري، لدى الخاصة والعامة، ليجعل منه في نهاية المطاف مهيمنة، تتمتع بقوة حضورها في الحياة الثقافية والسياسية، وبالنظر إلى تغلغل هذا المنطق في الدواخل دون استثناءات تذكر، سيظل سؤال العقل غائبا، بموازاة الحضور الفعلي والهيمني لسلطة الفطرة.
شاعر وكاتب من المغرب