الوحدة الالمانية وسؤال الاندماج.. زارتسين وجينات المسلمين

حجم الخط
0

في يوم الوحدة الألمانية، حثنا الرئيس الألماني كريستيان ولف، نحن المهاجرين، من أصول إسلامية، أكثر من غيرنا، على مزيد من الاندماج والتأقلم ونبذ الانطواء والسلبية، فيما حثّ في المقابل الألمان على إبداء مزيد من التسامح والانفتاح. وممّا قاله في عيد وحدة الألمان العشرين، ‘نعم أنا رئيس المسلمين أيضاً، والإسلام ديانة موجودة في المانيا كالمسيحية واليهودية،’. داعي هذه الكلمات من قبل رئيس الألمان القليل الظهور والتأثير، ما عدا في بعض المناسبات البروتوكولية، إذ أن الدستور ينيط السلطات التنفيذية بالمستشار، ومن الطريف أن اختيار الرؤساء طالما يقع على أشخاص قليلي الخبرة في السياسة أو لا يتمتعون بأي طموحات سياسية خاصة، وعادة ما يكونون من الشخصيات العامة المسالمة، هكذا أدت قلة خبرة الرئيس الألماني الأسبق هورست كولير، الى ذلة أثناء زيارته الى أفغانستان ومقابلة قوات بلاده العاملة هناك، أدت كلماته تلك الى إثارة ردود فعل صاخبة، حدت به الى تقديم استقالته، وقد صرح حينها أن مهام قوات بلاده هناك تتمثل بحماية مصالح المانيا الاقتصادية، كذلك يبدو أن كلمات الرئيس الألماني الحالي الآنفة الذكر، سوف تؤدي به الى مصير مشابهٍ لخلفه، بعد أن ثارت زوبعة على تصريحاته هذه، من قبل نواب حزب المستشارة ميركل وغيرهم، الذين وجدوا أن هذه التصريحات كانت غير واضحة وغير متوازنة أو مناسبة، إن لناحية المناسبة التي أُطلقت فيها أي الوحدة الألمانية، أو لما يمكن أن يُستشف منها، أنها تضع الإسلام والمسيحية واليهودية في مرتبة واحدة في تاريخ وثقافة المانيا، فيما أن حقيقة الأمر هو أن الإسلام بات جزءاً من الواقع الراهن في المانيا وليس أكثر.

أمّا داعي هذه التطمينات الموجهة للمسلمين هنا. فهي على الأرجح، تلك الضجة التي أثارها تيلو زارتسين بكتابه المثير للجدل ‘المانيا تلغي نفسها’، كذلك تنامي مشاعر النفور والتذمر وربما الكراهية حيال المسلمين المقيمين هنا، وآخرها تلك التي أطلقها السياسي اليميني الهولندي المتطرف فيلدرز في برلين، بعد أن نجح حزب الحرية الذي يتزعمه في المشاركة في تشكيل الحكومة الحالية في هولندا، وفي مقابل المئات من أنصار حزب الحرية الألماني، الذين تجمعوا لاستقبال فيلدرز في برلين، خرجت مظاهرة تندد به ضمت عشرات اليساريين. لا شيء جديد نظرياً يعيد زارتسين إحياؤه، إنما ذات المضامين العنصرية القديمة المعروفة، التي عفا عليها الزمن، لكن يبدو أنها اليوم باتت تجد بريقاُ جديداً، ‘المجموعات الإثنية مختلفة جينياً، وهذا ينعكس على مستويات أو معدلات الذكاء بينهم، والمهاجرون من الأتراك والشرق الأوسط، يبدون معدلات تعليم متدنية وينجنبون أكثر بكثير من الألمان، وفي سياق هذا المسار الطبيعي سوف يغدو الألمان بالمعدل أكثر غباء’. هذه هي ابرز خطوط كتابه الجديد، يُذكر أنه يعيش في المانيا قرابة الأربعة ملايين مهاجر يشكل الأتراك 63′ ويشكل مهاجرون من شمال أفريقيا والشرق الأوسط 15′ منهم. يعتمد زارتسين الذي كان عضواً في إدارة البنك الاتحادي الألماني في برلين، على آراء كل من دارون وماندل بأن ما بين 50 الى 80 ‘ من نسب الذكاء لدى الإنسان يكتسبها من خلال الوراثة، وهكذا فالمسلمون حسب رأيه يبدون صعوبة بالغة في الاندماج، فيما لا يقيم الاشتراكي المثير للجدل أي فرق بين العربي والتركي، فهو يجمع الجميع في سلة واحدة راداً عصيانهم على الاندماج والتأقلم الى أسباب وراثية متأصلة في الجينات، وليس الى عوامل ثقافية، لقيت هذه الآراء اعتراض الكثيرين من الساسة الألمان، وخاصة رفاقه في الحزب الاشتراكي، الذي كان يُعد تاريخياً من الأحزاب القريبة من الجاليات المسلمة في المانيا، حيث طالبه أحد مسؤولي الحزب المذكور في برلين في توضيح آرائه هذه، أو الخروج من الحزب.

هذه الأفكار نفسها أدّت في أمريكا الى ما بعد منتصف القرن الفائت الى فرز التلاميذ وفقاً للون البشرة، فكانت هناك مدارس للبيض وأخرى للسود، ناهيك عن الكثير من الممارسات السوداء التي دمغت تاريخ العبودية والفصل العنصري في أمريكا وأماكن أخرى من العالم، لكن يبقى السؤال والحالة هذه لماذا تستعر كل هذه الضجة حيال المسلمين ووجودهم وجوامعهم أكثر من غيرهم من الجاليات الأخرى؟

ما المطلوب من المسلم الذي يعيش في المانيا، لكي يكفّ هذا الضجيج الذي يتفاقم كل يوم حول وجوده وأصله وفصله، ولغته وجوامعه وحجابه وطعامه الحلال وزواجه من ذوي القربى وجرائم شرفه الذي لا يُصان الاّ إذا أريقت على جوانبه الدماء الكثيرة؟ ما المطلوب منه أن يفعل أن يأكل ما حرمته السماء؟ وما كرسته التقاليد ورجال الجامع عبر دهور خلت، فهو هو نفسه كما ولدته أمه حراً وعبداً وسيداً متسلطاً في البيت على زوجته، أصيلاً في وفائه لشرقه العنيد، ماذا يريد السيد زارتسين وأمثاله منّا؟ يكاد يقول لسان كل مسلم ملتحٍ أو حليق، متزمت أو ملتزم أو طليق، ماذا يريد هذا المسكين؟ هل يريدنا أن نصير ألماناً تافهين وفارغين، لا همّ لنا الاّ الرقص واللهو وشرب البيرة ومشاهدة مباريات كرة القدم، أين هو من مشاريعنا الأبدية، من بيوتنا وهمومنا التي نشيدها في أوطاننا هناك؟ هل يريد هذا العنصري المتعجرف أن نظل خداماً وعمالاً في مصانعه التي لولانا لما حققت ما يتبجح الألمان بتسميتها المعجزة الاقتصادية تلك التي نهضنا نحن بها بعد الحرب العالمية الثانية، كما يذهب أبو محمد المغربي الذي جاء الى المانيا سنة 1953، كانوا سعداء بنا وقد أتوا بالكثيرين منّا من المغرب وتركيا، لكنهم على الأرجح ما كانوا يحسبوننا بشراً، يمكن أن نتزاوج ونبني العائلات، لكننا فعلنا ذلك، أولادي كلهم ولدوا هنا. في الواقع ما يختصره أبو محمد المتقاعد بعد قرابة أربعين عاماً في المصانع الألمانية، يمثل لب ما بات يُعرف هنا بمشكلة الأجانب والاندماج، هذه التي راحت دوائر الدولة والأكاديميات العلمية تعترف بها على الملأ: ‘نعم نحن لم نقيم حقيقة التوابع التي سوف تترتب على استدعاء المانيا لآلاف العمال في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لتعويض سوق العمل لديها عن النقص الذي لحق بها جراء تلك الحرب، وكأننا كنا ننام على حرير، ان هؤلاء العمال سوف يؤدون خدماتهم لنا وسوف يعودون كما جاءوا أفراداً من دون أن يترك وجودهم أي أثر بالغ على النسيج الاجتماعي الألماني، لقد كنا أنانيين وحتى لا أخلاقيين في هذا التفكير، والواقع ثبت عقم هذه النظرة بعد أن تضخم هذا الوجود الأجنبي وتعاظم في الثمانينات والتسعينات، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، وطرح السؤال العظيم على أدمغة الألمان المجردة: هل المانيا مجتمع هجرة، أو متعدد الثقافات كحال أمريكا وغيرها من الدول؟ أم أن ما تشهده المانيا هو مجرد حالات هجرة محصورة وقليلة العدد، سوف تظل ضعيفة الأثر والتأثير على المجتمع الكبير والمتماسك والقوي. في الواقع يبدو المجتمع على هذه الصورة لناحية قدرته على الاستيعاب وحتى لاعداد أكثر بكثير ممّا هو عليه الحال الآن، وذلك رغم تزايد أعداد العطالة بين العمال الألمان، الاّ أن دراسات جادة في هذا السياق تبيّن حاجة سوق العمل الألماني للأيدي العاملة الوافدة الرخيصة نسبياً، ولكن الكلام يدور في هذا السياق على الأيدي العاملة المتخصصة، كحال الهنود في مجال الكمبيوتر وغيره من القطاعات.

ناجي طاهر(المانيا)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية