نقولا ناصر
يتأكد انسداد الطريق لحل الأزمة الداخلية الفلسطينية يوميا بدفق التصريحات الرسمية المنطلقة من رام الله الرافضة حتي للحوار حول حل للأزمة قبل تراجع حماس عن انقلابها في غزة بينما اكده لاول مرة من دمشق الاسبوع الماضي خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس التي لم تتوقف منذ حزيران (يونيو) المنصرم عن تسريب الاخبار عن اتصالات او حوارات للبحث عن حل لها، هذه الاخبار التي كانت رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة فتح التي تقودها تسارع فورا الي نفيها. كما تأكد هذا الطريق المسدود الداخلي بفشل اكثر من تسع مبادرات للتوسط بين جناحي الأزمة وباستمرار صدور المراسيم والقرارات الرئاسية التي تضمن دون شك استمرار انسدادها.
اما خارجيا فتشير كل الدلائل الي ان الوحدة الوطنية الفلسطينية ستظل محظورة امريكيا واسرائيليا ومرتهنة لوهم الخروج بنتائج ملموسة من المؤتمر الدولي الغامض في اهدافه وفي هوية المشاركين فيه الذي اقترحه الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش في الخريف المقبل لاحياء عملية السلام الفلسطينية ـ الاسرائيلية، وهو ما تراهن عليه الرئاسة الفلسطينية في رهان اخير كما يبدو علي حلفاء وشركاء في عملية السلام اثبتوا منذ مؤتمر مدريد عام 1991 انهم حلفاء وشركاء بعضهم فقط في حصار صانع القرار الفلسطيني حتي يرضخ لشروطهم، بغض النظر عمن يكون صانع القرار هذا، سواء كان الراحل الذي غدروا به ياسر عرفات او خليفته الحالي محمود عباس الذي يحاصرونه حتي في ادارة الشأن الداخلي، او حماس التي تنازعه ادارة هذا الشأن في مناطق للحكم الذاتي اما محاصرة في قطاع غزة او اعيد احتلالها في الضفة الغربية.
وربما يكون هذا الرهان الخاسر سلفا، طبقا لتحليلات معظم المراقبين وتوقعات معظم السياسيين الفلسطينيين والاسرائيليين والعرب والاجانب لمؤتمر بوش المقترح، هو السبب فيما تناقلته بعض وسائل الاعلام ونفته او لم تؤكده الرئاسة الفلسطينية عن عزم الرئيس عباس، ان فشل المؤتمر، علي الاستقالة وعن عملية بحث تجري عن خليفة له.
ويثبت قادة الاحتلال الاسرائيلي يوميا ان حظر الوحدة الوطنية الفلسطينية هو ثابت من الثوابت السياسية لدولة الاحتلال كما يثبت الراعي الامريكي لعملية السلام العقيمة حرصه المتواصل علي اجهاض هذه الوحدة كلما لاح امل في تجسيدها كما اثبت بعد اتفاق مكة وتاليف حكومة الوحدة الوطنية التي اعقبته. وينبغي للفلسطينيين قبل غيرهم ان يتوقفوا، ليعتبروا، عند ردود الفعل الاسرائيلية السريعة الغاضبة علي الدعوات الفلسطينية والدولية الاخيرة الي ضرورة الحوار و العودة الي الوحدة الوطنية كشرط مسبق لمنع الأزمة المستحكمة بين اكبر حركتين تقودان النضال الوطني من اجل الحرية والاستقلال من التفاقم حد القطيعة التي لا رجعة عنها وكشرط مسبق لا غني عنه لاستمرار ما وصفته رئاسة الوزراء الاسرائيلية بـ العملية الدبلوماسية الجارية مع الرئاسة الفلسطينية كمدخل لاستئناف محتمل لـ عملية السلام التي اوقفها فشل قمة كامب ديفيد الامريكية ـ الفلسطينية ـ الاسرائيلية اواخر عام الفين.
وتُذكٌر ردود فعل تل ابيب الاخيرة علي دعوتين احداهما فلسطينية والثانية اوروبية حثتا علي الحوار الوطني الفلسطيني بردود الفعل الاسرائيلية ضد اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عنه، اذ تري تل ابيب في اي محاولة وطنية او من المجتمع الدولي لاستئناف الحوار لجسر الخلافات بين حركتي فتح و حماس والعودة الي الوحدة الوطنية خطأ فادحا.
ان الدعوة الموجزة وغير الواضحة التي وجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس الي حماس يوم الاربعاء قبل الماضي عقب لقائه مع وزير الخارجية الياباني تارو آسو في رام الله لـ العودة الي الوحدة الوطنية وكذلك الدعوة العامة الي الحوار التي وجهها قبل ذلك رئيس الوزراء الايطالي رومانو برودي قد اثارتا عاصفة اسرائيلية من ردود الفعل علي دعوتين عامتين كانتا مجرد تلميح يندرج في اطار العلاقات العامة دون ان ترقي اي منهما الي العرض الفعلي لمبادرة رسمية جادة.
فبعد ساعات قليلة فقط من دعوة عباس سارع مكتب رئيس وزراء دولة الاحتلال ايهود اولمرت الي اصدار بيان يهدد الرئيس الفلسطيني بان اي وحدة بين حماس وبين فتح ستقود الي انهيار العملية الدبلوماسية مع اسرائيل. واشار البيان الي ان اولمرت ابلغ عباس اثناء اجتماعهما الاخير في اريحا بان التقدم الذي تم احرازه بينهما خلال الشهرين الاخيرين سوف ينتهي اذا انضمت حماس الي الحكومة الفلسطينية مرة اخري، وأوضح ان عباس يدرك جيدا الموقف الاسرائيلي.
وكانت وزيرة خارجية اولمرت، تسيبي ليفني، قد اعلنت علي ذمة (رويترز)، خلال مؤتمر صحافي عقدته في 14 الجاري تعليقا علي دعوتين من رئيس الوزراء الايطالي رومانو برودي ولجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني للحوار مع حماس: انني اعرف بان المجتمع الدولي تواق لرؤية نوع من التفاهم بين حماس وبين فتح. هذا خطأ. انه غلطة، غلطة كبيرة وضخمة. وهددت ليفني بدورها بان اي تسوية مع الارهاب، مع هؤلاء المتطرفين، يمكن ان تقود الي نسف الحكومة الجديدة في السلطة الفلسطينية، اي حكومة سلام فياض التي يمكننا ان نتوصل الي شيء في الحوار معها.
وكان برودي قد خاطب مجموعة من الشباب الفلسطيني والاسرائيلي في معسكر للسلام علي الساحل الايطالي قائلا، كما نقلت عنه وكالات انباء ايطالية: ان حماس موجودة… ولا ينبغي لاحد ان يرفض الحوار مع اي كان. واصدر الناطق بلسانه سيلفيو سيركانا بيانا لاحقا قال فيه ان اغلاق الحوار مع حماس يمكنه ان يقود الي توتير الاوضاع، لكنه ميز بين الاتصالات وبين المفاوضات موضحا ان كليهما يمكن ان يجري بصفة غير رسمية. وقد رحب الناطق بلسان حماس سامي ابو زهري بتصريحات برودي قائلا انها تتزامن مع تصريحات ايجابية اخري لمسؤولين اوروبيين.
ولم تُفوت وزارة الخارجية الاسرائيلية حتي هذه المجاملة اللفظية التي خاطب بها برودي مجموعة من الشباب الفلسطيني والاسرائيلي، ربما كان بعضهم مراهقا دون السن القانوني، فسارعت الي انتقادها: ان اولئك الذين يدعون الي اعادة ادخال حماس في المعادلة يرتكبون خطأ (لان ذلك) سوف يشل عملية المصالحة فقط ويوقف قوة الدفع الراهنة، كما قال الناطق بلسان الوزارة مارك ريجيف.
وكانت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني قد نشرت مؤخرا تقريرا بعنوان الامن العالمي: الشرق الاوسط حث الحكومة البريطانية علي فتح مناقشات مع حركات اسلامية منها حماس و حزب الله اللبناني و الاخوان المسلمون وجاء فيه ان بريطانيا قد اخطأت بمقاطعتها لـ حماس، وان مقاطعتها كانت احد اسباب انهيار حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وانه ينبغي عليها الآن ان تساعد في اعادة حماس الي حكومة مع السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح. وحثت اللجنة رئيس الوزراء البريطاني السابق والمبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية توني بلير علي التواصل شخصيا مع حماس لمصالحتها مع فتح وللضغط علي الرئيس عباس للدخول في مفاوضات مع الحركة الاسلامية لاقامة حكومة وحدة وطنية.
وسارع السفير الاسرائيلي في لندن تزيفي هافيتز الي شجب التقرير البرلماني البريطاني قائلا: من المحزن ان تقترح لجنة برلمانية بريطانية مكافأة جماعة متطرفة… بمنحها شرعية دولية، متجاهلا ان اللجنة البرلمانية البريطانية كانت متساوقة مع شبه اجماع دولي تشذ عنه اسرائيل وحليفها الاستراتيجي الامريكي فقط علي اهمية استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية كشرط مسبق لنجاح اي عملية سلام مرجوة ومتغافلا عن حقيقة ان حماس اخذت شرعيتها من شعبها وحتي من خصمها الوطني الذي لم يطعن لا في شرعية وجودها ولا في الانتخابات التي حملتها الي السلطة والتي مولها وراقبها المجتمع الدولي قبل ان ينقلب علي نتائجها.
وانها حقا مفارقة لافتة للنظر ان تسمح القيادة الفلسطينية لان يكون هؤلاء الاجانب اكثر حرصا، لفظيا وظاهريا في الاقل، علي الوحدة الوطنية الفلسطينية من الفلسطينيين انفسهم وهي ايضا مفارقة اكبر ان تصر روسيا والنرويج مثلا علي مواصلة اتصالاتهما بـ حماس بينما القيادة المفروض انها للشعب الفلسطيني كافة تحرص علي عدم تفويت اي فرصة لنفي اي خبر قد يكون صحيحا وقد لا يكون عن اتصالات لها بالحركة المحاصرة في القطاع، في نهج افشل حتي الآن تسع وساطات رسمية وشعبية لاصلاح ذات البين في الانقسام الفلسطيني كان آخرها المبادرة اليمنية، بينما تكرر اسرائيل تهديدها بان استمرار اتصالاتها مع الرئيس عباس وحكومة سلام فياض مشروطة بـ ابقاء حماس خارج اللعبة كما قال الناطق بلسان الحكومة الاسرائيلية ديفيد بيكر للـ نيويورك تايمز في 13 الجاري.
لكن الاسرائيليين يعترفون بانه اذا لم تكن حماس في اللعبة فانه لا توجد اي لعبة كما كتب داني روبنشتاين، وفي هذه الحالة فان حماس و فتح سوف تشتبكان في الضفة الغربية قريبا جدا علي الارجح كما حذر رئيس دائرة الابحاث في الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية البريغادير جنرال يوسي بايداتز اعضاء الكنيست (هآرتس في 7 الجاري). لقد كانت دعوة عباس متساوقة تماما مع اجماع وطني وعربي واسلامي ودولي علي ضرورة الحوار والوحدة الوطنية وكانت افتراقا نوعيا، لغويا في الاقل، عن مواقفه السابقة المعلنة التي تتلخص بالرفض القاطع للحوار مع حركة المقاومة الاسلامية، جملة وتفصيلا حسب تصريحات بعض قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي يتزعمها وآخرين من كبار معاونيه من غير فتح، ولم تكن دعوة صريحة لا لبس فيها الي الحوار حول العودة الي الوحدة الوطنية.
غير ان اللغة البناءة للدعوة اعادت للرئيس صورته التي عُرف بها تاريخيا كرجل حوار مع الاعداء قبل الاصدقاء، وهي الصورة التي هزها خط تصريحاته الساخنة والغاضبة الرافضة للحوار منذ قادت الازدواجية في السلطة الي انهيار الشراكة الوطنية قبل اكثر من شهرين. ودلت الاستجابة السريعة المُرحبة والبناءة بدورها لدعوته من حماس ووصفها دعوته بـ الايجابية ودعوتها له للتوجه الي غزة علي ان قطرة الامل التي اسقطها قد نزلت فوق ارض عطشي للحوار والوحدة الوطنية، بالرغم من تفسير بعض النافخين في نار الفتنة الوطنية لهذه الاستجابة الحمساوية بانها تعبير عن حالة ضعف لا ينبغي الانخداع بها.
وكان يمكن لدعوة عباس ان تبعث الامل فلسطينيا في امكانية استئناف الحوار الوطني لوقف تفاقم القطيعة السياسية و السلطوية والجغرافية بين جناحي الشرعية الفلسطينية المنبثقة من صناديق الاقتراع لولا عاملين اولهما واهمهما مسارعة دولة الاحتلال الاسرائيلي الي استباق اي توجه كهذا بالتهديد باعادة العلاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الي ما كانت عليه قبل انهيار حكومة الوحدة الوطنية وثانيهما استمرار الرئاسة الفلسطينية وحكومة رئيس الوزراء سلام فياض في نهج معاكس لما اوحت به دعوة عباس.
فالاستثمار السياسي المستمر للحصار المحكم المفروض علي حماس في قطاع غزة، بالرغم من نفي رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات حيث: لا احد يفكر بهذه الطريقة في مكتب عباس كما قال، وكذلك الاستثمار السياسي لوضع المجلس التشريعي المشلول الناجم عن استمرار احتجاز ممثلي الشرعية الفلسطينية كرهائن في سجون الاحتلال من اجل استغلال حالة الطوارئ المعلنة لاصدار مراسيم رئاسية يوجد جدل واسع حول دستوريتها هدفها ترجيح الكفة في الصراع الحركي بين حماس وبين فتح او تلبية الاستحقاقات الاسرائيلية التي تبنتها لجنة الوسطاء الرباعية الدولية او كليهما، انما هو استثمار يتناقض مع مصداقية اي دعوة للعودة الي الوحدة الوطنية، بقدر ما يتناقض معها تكرار حماس لتجربة فتح في احتكار السلطة وصنع القرار الوطني.
وينبغي لردود الفعل الاسرائيلية السريعة والغاضبة علي دعوة عباس ومثيلاتها ان تكون دافعا كافيا لوقف مثل ذلك الاستثمار السياسي، سواء كان مقصودا ام غير مقصود، ودافعا كذلك للتوقف عن تكرار الاحادية في السلوك السياسي التي قادت الوضع الفلسطيني الي حالته الراهنة التي لا تسر صديقا ولا تغيظ عدوا. ان استمرار القطيعة بين حماس وبين فتح وبين شرعيتين فلسطينيتين تطعن كل منهما في شرعية الاخري، وما يصاحب ذلك من تلاسن اعلامي يتصاعد حد التخوين والاتهامات المتبادلة بخدمة اجندات خارجية واملاءات اجنبية، انما يشوه الصورة الشعبية للقيادتين تشويها ينسحب علي اكبر حركتين تقودان النضال الوطني، مما يخلق فجوة ثقة واسعة بينهما وبين الشعب الذي تتصديان لقيادته، بغض النظر عما اذا كانت حججهما السياسية مقنعة او غير مقنعة، صحيحة او غير صحيحة.
ويبدو الطرفان اسري نشوة الحسم الذي حققه كل منهما، كل في منطقته، لانهاء حالة الازدواجية في سلطة الحكم الذاتي ذات الراسين التي شلت النضال الوطني الفلسطيني بكل اشكاله منذ وقوعهما في مصيدة اجراء انتخابات تشريعية في ظل الاحتلال اوائل عام 2006، متناسيين ان حسم كل منهما كان وما يزال مجتزأ ومنقوصا، فما يزال حسم حماس العسكري بالانقلاب القاعدي علي مؤسسات الرئاسة الامنية محصورا ومحاصرا في القطاع بينما ما يزال حسم فتح السياسي بـ انقلاب القصر علي الشراكة الوطنية التي وقعت الحركتان الاتفاق عليها في مكة المكرمة في 8 شباط (فبراير) الماضي، في اول اعلان عن القبول بنتائج الانتخابات التشريعية الاخيرة والبناء عليها في اطار وحدة وطنية اساسها الشراكة.
فهذه الحرب الكلامية تصب في خدمة الاحتلال الاسرائيلي الذي طالما سعي الي ان يكون عرب فلسطين، سواء تحت الاحتلال او في المنافي، شعبا بلا قيادة وطنية وسياسية والذي يثبت قادته كل يوم ان حظر الوحدة الوطنية الفلسطينية هو ثابت من الثوابت السياسية لدولة الاحتلال.
فاستمرار الوضع الراهن يقود تدريجيا الي تآكل المصداقية القيادية لقيادتي طرفي الأزمة ويهدد بتحويلهما من قيادات وطنية الي قيادات فئوية وبتحويل رجالاتهما من قادة الي مجرد حكام لا يعرف احد كم ستطول قدرة بعضهم علي ادارة شؤون الحياة اليومية في قطاع غزة المغلق والمحاصر بآلة الحرب الاسرائيلية او الي متي سيستمر اعتراف تل ابيب وواشنطن ببعضهم الآخر حكاما للحكم الذاتي الذي اعيد احتلاله في ربيع عام 2002 في الضفة الغربية، مما يهدد بخلق فراغ قيادي نتيجة للطريق المسدود الذي وصل الحوار اليه بين الحركتين، وكذلك للطريق المسدود الذي وصل اليه الحوار داخل فتح نفسها التي قادت العمل الوطني طيلة الاربعين عاما المنصرمة والتي اوصل الانقسام داخلها في المقام الاول الوضع الوطني الي ما وصل اليه الآن، بالرغم من النفي المتواصل لعدم وجود اي انقسام داخلها.