الوحدة الوطنية في الأردن والحاجة إلى الرمز مشهور حديثة الجازي

حجم الخط
1

قد لا يكون اختزالاً مُخــلاً تماماً أن توصف حال بعض الشعوب العربية بأنها هكذا: طردت المستعمر فوجدت نفسها تحت رحمة مستعمر آخر. عادت وطردت المستعمر الآخر، واحتفلت باستقلالها، فوجدت نفسها تحت رحمة مستبدين بعضهم أقرب إلى المستعمر منهُ إلى شعبه، وبعضهم استغل بُعده، الحقيقي أو المزعوم، عن المستعمر ليستبد بشعبه. حاولت التخلص من الاستبداد، وبعضها خلصها منه مستعمرٌ قديم أو جديد تحالف مع دول شقيقة هي أيضا تحت رحمته، وأتى بمستبدين آخرين. بعض الشعوب ثار أو انتفض، وبعضها ما يزال على الطريق، خائفاً من مصير يشبه مصير بعض الشعوب التي ثارت؛ فهي قد وجدت نفسها تحت رحمة ما هو أسوأ من الاستعمار والاستبداد؛ وهو ما خلفانه من انحطاط فكري وإنساني كان دوماً شبه ممنهج، في التعليم والإعلام والثقافة، ليخدم مصالحهما. دبت الفوضى والعنف، بسبب الجهل، الذي يقود دوماً نحو التعصب لأشكال مختلفة من المقدسات: الدين، المذهب، القبيلة، الأصل، وفي أحيان نادرة فقط وبسبب ندرة الفكر، التوجه السياسي غير الديني، الذي قد لا يخلو هو أيضاً من تعصب وتطرف ومقدسات.
لم يصل التناحر إلى الأردن. وعندما يتعلق الأمر بـ’أحداث العنف’ التي تطل بين حين وآخر، أو ما قد يدفع إليها، ينقسم الناس في اقتراح الحلول إلى جذريين ومرحليين (لن أقول مثاليين وواقعيين، إذ سيكون هناك تجاوز كثير في تقسيم كهذا).
فإما أن يتحدثوا أو يكتبوا عن البعيد الذي ينبغي أن يكون، محاولين الوصول إلى أصل المشكلة، فيقترحون حلولاً يرون فيها تغييراً جذرياً يضمن مستقبلاً باهراً للشعب الأردني، تسود فيه قيم المواطنة والمدنية والعـــــدالة والديمقراطية وثقافة الحوار، وهو ما تحاوله الندوات والمؤتمرات والمبادرات والمقالات واللقاءات الإعلامية التي لا تنتهي.
وبالطبع البعض يرى أن التغيير الجذري يبدأ بالسلطة السياسية لا بالشعب، فيطالب بإصلاح النظام من أساسه، أو تعديل الدستور قبل أي حديث عن الديمقراطية والعدالة، وهو ما طالبت به بعض قوى الحراك الشعبي الأردني. ورغم كل المحاولات للتغيير الجذري في السلطة والشعب على مدى عامين من الربيع العربي، فإن الأمر لا يحتاج عبقرياً ليدرك أن شيئاً لم يتغير كما هو منشود.
وإما أن يقترحوا حلولاً مرحلية حسب طبيعة الأزمة: فصل طلبة الجامعات المخربين، تطبيق القانون، محاكمة المسؤولين عن مقتل مدني أو غير مدني، تغيير الحكومة، تغيير طريقة تشكيل الحكومة، إسقاط مجلس النواب، المطالبة بمجلس جديد بلا تزوير، محاكمة فاسد أو أكثر، إنشاء نقابات، إطلاق سراح معتقلي الرأي، طرد السفير الإسرائيلي، طرد السفير السوري، منع ارتفاع الأسعار، إيقاف حجب المواقع الإلكترونية، وصولاً إلى حل مشكلة تسريب أسئلة التوجيهي. وبالطبع لكل مشكلة سدنتُها في المراقبة والاقتراح والاعتراض والتظاهر والاعتصام، ولا شك في أن بعضها قد أتى بنتائج على المستوى السطحي: فقد أُنشئت نقابة معلمين (من غير أن يتغير شيء في التعليم في الأردن)، وذهب السفير الإسرائيلي في إجازة، وشُكل مجلس نواب جديد لم يعط كله الثقة للحكومة، بل أُخذ برأيهم في تشكيلها واختاروا الرئيس نفسه، للمصادفة، وحوكم فعلاً بعض الفاسدين، وفُصل بعض الطلاب بعد أحداث عنف، وأطلق سراح بعض المعتقلين، وربما ستنزل أسعار المحروقات أو سيوقف ارتفاع الكهرباء والخبز، مرحلياً. هنا أيضاً لا يحتاج الأمر عبقرياً ليدرك أن شيئاً لم يتغير حقاً، إلا ما هو مقنع بالإصلاح أو بالمصطلح المحبب حديثاً في السياسة الأردنية، ‘التمكين’.
بلا شك، من أجل منع العنف والتناحر الممكن مستقبلاً، مهما تشابه أو اختلف مصير الأردن مقارنة بباقي الدول التي انتفضت شعوبها منذ عامين وأكثر، لا بد من حل جذري يبدأ بالتعليم قبل كل شيء. وطالما أن الناس يتعلمون في المدرسة والعائلة والإعلام أن الحقيقة، كل حقيقة، لها وجه واحد، فالتعصب متوقع، وكذلك توابعه. وطالما أن أصحاب القرار، المسؤولين عن التعليم والإعلام، يرون في الحقيقة السياسية وجهاً واحداً هو مصالحهم، وطالما أنهم بالتجهيل المستمر، ومجالُه الحيوي التعليمُ والإعلام، يستطيعون إدارة الناس نحوها، فإن كل مشروع ينظر لنهضة التعليم يبدو مؤجلاً إلى حين أن تتطابق إرادة السلطة مع إرادة الحقيقة. هو حلُمٌ لا واقع له الآن: أن يأتي زمن يتخرج فيه الطالب من المدرسة وهو يعرف معنى المعرفة، وأخلاق المعرفة، ويعرف كيف يكون رأياً مدعماً بثقافة ومنطق، بلا تقليد أو تقديس أو تسليم، بل مدركاً الفضاء الواسع للأفكار والعلوم وتاريخها في الثقافة العربية الإسلامية، وفي الثقافات الأخرى، إدراكاً سيجعله يتردد على الأقل قبل أن ينتقل من الانحياز إلى الإقصاء. هذا لا يبدو ممكناً أبداً الآن، رغم أنه على الأكاديميين طرح مبادرة تخص هذه المسألة (علمنة التعليم وإرادة الحقيقة) في وقت قريب وإن لن تظهر النتائج المرجوة، إن تحققت، إلا في وقت بعيد قد لا يأتي، إذ قد تحول دونه فظائع قد توصلنا إلى ما وصلت إليه الأمور في دول شقيقة تحولت فيها المدارس إلى ملاجئ. لذا، على خجل، وبأضعف الإيمان، أقترح ضرورة التفكير في خطاب سياسي شعبي (بل شعبوي) مرحلي التوجه، يركز على الوحدة الوطنية، طالما أن العنف قد بدأ فعلاً، ابتداء من أحداث الداخلية عام 2011 إلى عنف الجامعات في 2013، وطالما أن الفئات المتعلقة به من مسلحين نظاميين وغير نظاميين لن يتسع لها الوقت لتفكر وتتعلم وتختار بحرية، مما يجعلهم جميعاً، أعني الحاضرين فعلياً في المواجهات المباشرة، ضحايا إلى حد كبير. بسبب كل هذا أجد أن الأردنيين هم في أمس الحاجة إلى خطاب جديد لا تعقيد فيه، قد لا يكون له تأثير جذري على المدى البعيد، بل تكون كل وظيفته المرحلية، عن قصد ووعي، تكريس الوحدة الوطنية، ولا شيء آخر، ولا يمجد فيه أحدٌ أو فكرة سوى الوحدة أو من يمثلها، قبل أن تسوء الأمور. خطاب يكون موجهاً لا للفئات ‘المثقفة’، فهؤلاء لا يحملون سلاحاً، بل للفئات الأخرى، التي هي ضحية تجهيل أدى إلى أن تصبح ثلاث فئات في المجتمع الأردني: العشائر ورجال الأمن وطلاب الجامعات (بالإضافة إلى النواب أحياناً) مرتبطةً في ذهن الناس بشيء واحد هو العنف، رغم أن ذلك قد لا يكون دقيقاً أبداً. هذه طبعاً من أشكال العنف المادي المباشر، أما غير المباشر، وهو الظلم والإقصاء والفتن الحاضرة أبداً، فحدث ولا حرج، وإذا بقي الشعب الأردني جاهزاً أبداً للتقسيم إلى موالاة ومعارضة، وإلى أردني وفلسطيني، وإلى شمال وجنوب ووسط، وربما في المستقبل إلى إسلامي وعلماني، ومؤمن وكافر، بلا أن يكون أي متعصب قد أدرك الحدود التي ينبغي ألا يمتد إليها أبداً، أبداً، تعصبه، فإن الكارثة بانتظارنا.

لماذا مشهور حديثة؟

الاقتراح هو إذن التركيز على صياغة خطاب وحدة وطنية يمس الفئات المذكورة. وأعتقد أن البداية في خطاب كهذا ينبغي أن تكون بإعادة الاعتبار إلى رمزٍ أردني يختزل في شخصه فكرة الوحدة الصافية من أي تعصب على الإطلاق، وتكريسه في وجدان الناس، فلا وقت الآن لأن يفكر الناس ويختاروا رموزهم، ولن يسمح لهم مستوى تعليمهم المدرسي ولا الجامعي أحياناً بذلك. وحين يغيب الوعي والثقافة، تعود العقول طفولية لا تتحرك إلا بالمحاكاة والتقليد. وهكذا فإن إعادة رمز يستحق المحاكاة بسبب موقفه من الوحدة الوطنية إلى الواجهة، والدفع إلى محاكاته بالوسائل المتاحة، هو اقتراح يبدو منطقياً، رغم تواضعه ورغم البعد العاطفي، غير الفكري تماماً، فيه. نحن لا نزال شعوباً تتحرك بالعاطفة والهوى، وفيها بذرة الوحدة ونبذ الفرقة، وإلا لما استطاعت ‘علي الكوفية’ بصوت محمد عساف أن تفعل ما لم تستطع فتح وحماس أن تفعلاه في سنوات، إذ في لحظة، ولو راهنة، سقط كل خلاف واختلاف بين غزة ورام الله بسبب عاطفة موجودة نجحت في إحيائها أغنية، فغدا المشترك فقط، علماً وكوفية وما يعنيانه، سيد الموقف كما ينبغي دوماً أن يكون.
في الأردن لن تغير أغنية شيئاً بالتأكيد. فالمطلوب أبعدُ مدىً رغم مرحليته، وهو خطاب شعبوي وحدوي أساسه رمز أردني، قد يتخذ لكي يصل الناس وسائل مختلفة لا أستطيع تحديدها تماماً. ليس هذا الاقتراح من فراغ، فقد عرفت عن قرب طلبة الجامعات وكيف يفكرون، وكيف أن الهوة بين ما الواقع عليه وما ينبغي لن تُردم، مرحلياً أو جذرياً، إلا عند فئات ليست هي من يمثل أسوأ ما في الإقصاء. الأخير، الذي يفضي إلى العنف، هو الأزمة الملحة، وربما يساهم خطاب كهذا في الحد منها على الأقل. مثال بسيط: طالب جيد المستوى، لا تخلو كتاباته من التساؤل والتفكير. رأيته بعد أن شارك بمشاجرة واسعة في الجامعة بدت آثارها على وجهه. عاتبته، فقال بكل صدق: ‘شو بدك يحكوا عني دكتورة’؟ هو جهل كبير من جهة، لكن من جهة أخرى، أبعد قليلاً عن أصل المشكلة، يبدو أن مفاهيم الرجولة والشجاعة والانتماء لا تحمل في عقول الطلاب أبداً رمزاً محلياً يعلمهم أن الانسحاب بحد ذاته من مواجهة لا قيمة لها إطلاقاً قد يكون ـ الانسحاب – بطولةً وشجاعة و’رجولة’ (حسب مفاهيمهم). وربما لو وُجد الرمز في مخيلتهم، لقدم لهم حلاً سريعاً يدفع نحو اختيار الانسحاب والدفاع عنه أكثر مما قد يقدمه له نقاش نظري في المفاهيم المجردة. ويبدو لي حقاً أن التكوين التعصبي الإقصائي لمعظم الطلاب، عشائرياً ودينياً وإقليمياً، لا يخلخله، للأسف، نقاش فكري محض بقدر ما يخلخله، ولو قليلاً، حديث لا يخلو من البلاغة والعاطفة عن رمز ما من التاريخ القريب، خاصة إذا كان من الجغرافيا القريبة، وإن كان ذلك يخون كثيراً روح الأكاديمية الصرفة. جربت ذلك مرة إذ حدثتهم في إحدى المحاضرات وسط أحداث عنف عن مشهور حديثة، وكنت كمن يتحدث إلى أطفال لا ذنب لهم بهذا الوأد الثقافي والإنساني. انتبهوا على الأقل، وبعضهم صُدم، رغم أنه يعرف شيئاً عن الكرامة، لكنه لا يعرف أبعاد التفاصيل الأخرى. وعلى الرغم من أن ذلك بدا طريقاً أسهل للوصول إلى تأثير ما، إلا أنني بقيت مصرة على أن خطاباً كهذا ليس مكانه المحاضرات الجامعية، التي لا ينبغي أن تدفع بالطلاب نحو نتائج مهما كانت، بل نحو اختبار المقدمات. لكن هذا لا ينفي أن الدفع نحو النتائج بطرق مختصرة من خلال خطاب كهذا لا بد منه، لكن في أماكن أخرى، وبوسائل أخرى، من أجل تأثير سريع يحد ولو مؤقتاً من المشكلة. العاطفة، والبلاغة، والرموز وكل عناصر الدعاية كان لها دوماً تأثير بالغ في تحريك الجماهير عبر التاريخ، وللأسف، فإن طلاب الجامعات لا يزال معظمهم كغيرهم في عداد الجماهير، ولذا تتمكن خطابات الإقصاء الدينية والفئوية مهما كانت مضمونا فارغاً من جذبهم بسهولة قد تبدو غريبة. لذا لا بد من رمز، ولتجنب التشتت، رمز واحد فقط في البداية، في خطاب مختصر يركز على الوحدة ويقدر على التأثير. ولا يكفي في اللحظة الراهنة أن يحمل الرمز قيم الوحدة بشقها المتعلق بالفعل، بل بشقها المتعلق بالانسحاب من فعلٍ لا يكرسها، ومن هنا مشهور حديثة الجازي قبل سواه، رغم وجود أسماء كثيرة وحدوية مشرفة في تاريخ الأردن.
مشهور حديثة الجازي يمتلك كل العناصر الضرورية ليكون رمزاً أردنياً بامتياز يُصنع حوله خطاب الوحدة الوطنية: ابن عشيرة أردنية لها امتداد في فلسطين، حفيد حمد بن جازي شيخ مشايخ الحويطات؛ القبيلة التي دفعت كثيراً من الشهداء في فلسطين، القائد العام للجيش ورئيس الأركان سابقاً، وقائد معركة الكرامة التي انتصر فيها الجيش الأردني جنباً إلى جنب مع الفدائيين الفلسطينيين. عاش تاريخ الأردن بكل تفاصيله من أيام الانتداب، ونضج وعيه السياسي عبر تاريخ عسكري بدأه بالعمل تحت قيادة الإنكليز، مراقباً كيف خرج البعض عن الجيش المنظم في الـ48 مثل محمد الحنيطي، وكيف تطوع بعضهم، ومنهم ابن عمه هارون الجازي ليقاتل في القسطل والقدس وباب الواد.
رفض لاحقاً البقاء في أرفع المناصب السياسية والعسكرية طالما أن ثمنها كان دم أخيه. في رأيي الشخصي، فإن معركة الكرامة لم تكن بطولة مشهور الكبرى، بل الانسحاب الكامل في أحداث أيلول.. بقيت يداه نقيتين كما قلوب أجدادنا، الذين لم يتعلموا بالضرورة أو يقرؤوا أعمال منظري القومية والوحدة كي يترحموا، كما جدي وأجداد الجميع، على بلادٍ ‘كانت واحده، من الباب للمحراب’، كما نقل لي أبي الذي منه سمعت منذ كنت صغيرة اسم مشهور حديثة ومحمد الحنيطي وكايد المفلح وفراس العجلوني. كان مشهور ابن العشيرة يعشق بداوته، لكنه لم يختصر يوماً نفسه فيها أو يعدها هوية جامعة تُقصي سواها. عشق فلسطين، الكانت أدنى من قاب قوسين من روحه، كما كانت كل مدينة وقرية أردنية. كان مسلماً مؤمناً لكن فلسطين لم تكن عنده المسجد الأقصى فقط، ولم يهاجم يوماً أيديولوجيات الآخرين غير الدينية، بل رحب في الجيش بكل من يريد أن يقاوم الاحتلال.
كذلك لم تكن الأردن عنده دولة ونظاماً آمناً فقط، لكنه كذلك لم يكن ضد الدولة وسيادتها، بل كان جزءاً من نظامها لفترة طويلة (رغم أنه لم يحظ بما حظي به من قيل إنهم دافعوا عنه)، لكنه عرف الحد الذي لا بد عنده من الانسحاب، وهو الدم. كان يرى أن كل الأمور مع ‘الأهل’ يمكن حلها بالعقل والمنطق والأخوة والحوار والحب.
وهو من أجاب حين سئل عن تحيزه لهم، بأنه بذلك ينحاز ‘لأمانتي الوطنية وقيادتي العسكرية،’ وكان بذلك رمزا صارخاً مضاداً تماماً لمسؤول مخابرات قال في زمانه: ‘حشدنا لهم كل ما نستطيع’. نعم لم يستطع مشهور أن يفعل شيئاً مما كان بعده من الطرفين، لكنه على الأقل لم يكن شريكاً فيه، لا من هذه الجهة ولا من تلك، فكان، بكل معيار، إنسانيا وقوميا، بل وبدويا وعشائريا، وطنياً شهماً بحق.

كاتبة اردنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية