لماذا مشهور حديثة؟
الاقتراح هو إذن التركيز على صياغة خطاب وحدة وطنية يمس الفئات المذكورة. وأعتقد أن البداية في خطاب كهذا ينبغي أن تكون بإعادة الاعتبار إلى رمزٍ أردني يختزل في شخصه فكرة الوحدة الصافية من أي تعصب على الإطلاق، وتكريسه في وجدان الناس، فلا وقت الآن لأن يفكر الناس ويختاروا رموزهم، ولن يسمح لهم مستوى تعليمهم المدرسي ولا الجامعي أحياناً بذلك. وحين يغيب الوعي والثقافة، تعود العقول طفولية لا تتحرك إلا بالمحاكاة والتقليد. وهكذا فإن إعادة رمز يستحق المحاكاة بسبب موقفه من الوحدة الوطنية إلى الواجهة، والدفع إلى محاكاته بالوسائل المتاحة، هو اقتراح يبدو منطقياً، رغم تواضعه ورغم البعد العاطفي، غير الفكري تماماً، فيه. نحن لا نزال شعوباً تتحرك بالعاطفة والهوى، وفيها بذرة الوحدة ونبذ الفرقة، وإلا لما استطاعت ‘علي الكوفية’ بصوت محمد عساف أن تفعل ما لم تستطع فتح وحماس أن تفعلاه في سنوات، إذ في لحظة، ولو راهنة، سقط كل خلاف واختلاف بين غزة ورام الله بسبب عاطفة موجودة نجحت في إحيائها أغنية، فغدا المشترك فقط، علماً وكوفية وما يعنيانه، سيد الموقف كما ينبغي دوماً أن يكون.
في الأردن لن تغير أغنية شيئاً بالتأكيد. فالمطلوب أبعدُ مدىً رغم مرحليته، وهو خطاب شعبوي وحدوي أساسه رمز أردني، قد يتخذ لكي يصل الناس وسائل مختلفة لا أستطيع تحديدها تماماً. ليس هذا الاقتراح من فراغ، فقد عرفت عن قرب طلبة الجامعات وكيف يفكرون، وكيف أن الهوة بين ما الواقع عليه وما ينبغي لن تُردم، مرحلياً أو جذرياً، إلا عند فئات ليست هي من يمثل أسوأ ما في الإقصاء. الأخير، الذي يفضي إلى العنف، هو الأزمة الملحة، وربما يساهم خطاب كهذا في الحد منها على الأقل. مثال بسيط: طالب جيد المستوى، لا تخلو كتاباته من التساؤل والتفكير. رأيته بعد أن شارك بمشاجرة واسعة في الجامعة بدت آثارها على وجهه. عاتبته، فقال بكل صدق: ‘شو بدك يحكوا عني دكتورة’؟ هو جهل كبير من جهة، لكن من جهة أخرى، أبعد قليلاً عن أصل المشكلة، يبدو أن مفاهيم الرجولة والشجاعة والانتماء لا تحمل في عقول الطلاب أبداً رمزاً محلياً يعلمهم أن الانسحاب بحد ذاته من مواجهة لا قيمة لها إطلاقاً قد يكون ـ الانسحاب – بطولةً وشجاعة و’رجولة’ (حسب مفاهيمهم). وربما لو وُجد الرمز في مخيلتهم، لقدم لهم حلاً سريعاً يدفع نحو اختيار الانسحاب والدفاع عنه أكثر مما قد يقدمه له نقاش نظري في المفاهيم المجردة. ويبدو لي حقاً أن التكوين التعصبي الإقصائي لمعظم الطلاب، عشائرياً ودينياً وإقليمياً، لا يخلخله، للأسف، نقاش فكري محض بقدر ما يخلخله، ولو قليلاً، حديث لا يخلو من البلاغة والعاطفة عن رمز ما من التاريخ القريب، خاصة إذا كان من الجغرافيا القريبة، وإن كان ذلك يخون كثيراً روح الأكاديمية الصرفة. جربت ذلك مرة إذ حدثتهم في إحدى المحاضرات وسط أحداث عنف عن مشهور حديثة، وكنت كمن يتحدث إلى أطفال لا ذنب لهم بهذا الوأد الثقافي والإنساني. انتبهوا على الأقل، وبعضهم صُدم، رغم أنه يعرف شيئاً عن الكرامة، لكنه لا يعرف أبعاد التفاصيل الأخرى. وعلى الرغم من أن ذلك بدا طريقاً أسهل للوصول إلى تأثير ما، إلا أنني بقيت مصرة على أن خطاباً كهذا ليس مكانه المحاضرات الجامعية، التي لا ينبغي أن تدفع بالطلاب نحو نتائج مهما كانت، بل نحو اختبار المقدمات. لكن هذا لا ينفي أن الدفع نحو النتائج بطرق مختصرة من خلال خطاب كهذا لا بد منه، لكن في أماكن أخرى، وبوسائل أخرى، من أجل تأثير سريع يحد ولو مؤقتاً من المشكلة. العاطفة، والبلاغة، والرموز وكل عناصر الدعاية كان لها دوماً تأثير بالغ في تحريك الجماهير عبر التاريخ، وللأسف، فإن طلاب الجامعات لا يزال معظمهم كغيرهم في عداد الجماهير، ولذا تتمكن خطابات الإقصاء الدينية والفئوية مهما كانت مضمونا فارغاً من جذبهم بسهولة قد تبدو غريبة. لذا لا بد من رمز، ولتجنب التشتت، رمز واحد فقط في البداية، في خطاب مختصر يركز على الوحدة ويقدر على التأثير. ولا يكفي في اللحظة الراهنة أن يحمل الرمز قيم الوحدة بشقها المتعلق بالفعل، بل بشقها المتعلق بالانسحاب من فعلٍ لا يكرسها، ومن هنا مشهور حديثة الجازي قبل سواه، رغم وجود أسماء كثيرة وحدوية مشرفة في تاريخ الأردن.
مشهور حديثة الجازي يمتلك كل العناصر الضرورية ليكون رمزاً أردنياً بامتياز يُصنع حوله خطاب الوحدة الوطنية: ابن عشيرة أردنية لها امتداد في فلسطين، حفيد حمد بن جازي شيخ مشايخ الحويطات؛ القبيلة التي دفعت كثيراً من الشهداء في فلسطين، القائد العام للجيش ورئيس الأركان سابقاً، وقائد معركة الكرامة التي انتصر فيها الجيش الأردني جنباً إلى جنب مع الفدائيين الفلسطينيين. عاش تاريخ الأردن بكل تفاصيله من أيام الانتداب، ونضج وعيه السياسي عبر تاريخ عسكري بدأه بالعمل تحت قيادة الإنكليز، مراقباً كيف خرج البعض عن الجيش المنظم في الـ48 مثل محمد الحنيطي، وكيف تطوع بعضهم، ومنهم ابن عمه هارون الجازي ليقاتل في القسطل والقدس وباب الواد.
رفض لاحقاً البقاء في أرفع المناصب السياسية والعسكرية طالما أن ثمنها كان دم أخيه. في رأيي الشخصي، فإن معركة الكرامة لم تكن بطولة مشهور الكبرى، بل الانسحاب الكامل في أحداث أيلول.. بقيت يداه نقيتين كما قلوب أجدادنا، الذين لم يتعلموا بالضرورة أو يقرؤوا أعمال منظري القومية والوحدة كي يترحموا، كما جدي وأجداد الجميع، على بلادٍ ‘كانت واحده، من الباب للمحراب’، كما نقل لي أبي الذي منه سمعت منذ كنت صغيرة اسم مشهور حديثة ومحمد الحنيطي وكايد المفلح وفراس العجلوني. كان مشهور ابن العشيرة يعشق بداوته، لكنه لم يختصر يوماً نفسه فيها أو يعدها هوية جامعة تُقصي سواها. عشق فلسطين، الكانت أدنى من قاب قوسين من روحه، كما كانت كل مدينة وقرية أردنية. كان مسلماً مؤمناً لكن فلسطين لم تكن عنده المسجد الأقصى فقط، ولم يهاجم يوماً أيديولوجيات الآخرين غير الدينية، بل رحب في الجيش بكل من يريد أن يقاوم الاحتلال.
كذلك لم تكن الأردن عنده دولة ونظاماً آمناً فقط، لكنه كذلك لم يكن ضد الدولة وسيادتها، بل كان جزءاً من نظامها لفترة طويلة (رغم أنه لم يحظ بما حظي به من قيل إنهم دافعوا عنه)، لكنه عرف الحد الذي لا بد عنده من الانسحاب، وهو الدم. كان يرى أن كل الأمور مع ‘الأهل’ يمكن حلها بالعقل والمنطق والأخوة والحوار والحب.
وهو من أجاب حين سئل عن تحيزه لهم، بأنه بذلك ينحاز ‘لأمانتي الوطنية وقيادتي العسكرية،’ وكان بذلك رمزا صارخاً مضاداً تماماً لمسؤول مخابرات قال في زمانه: ‘حشدنا لهم كل ما نستطيع’. نعم لم يستطع مشهور أن يفعل شيئاً مما كان بعده من الطرفين، لكنه على الأقل لم يكن شريكاً فيه، لا من هذه الجهة ولا من تلك، فكان، بكل معيار، إنسانيا وقوميا، بل وبدويا وعشائريا، وطنياً شهماً بحق.
كاتبة اردنية