في السنوات الأخيرة من عمر دولة الخلافة العثمانية كان الضعف قد سرى في جميع أوصالها فتراجعت وهزمت أمام أوروبا التي أطلقت عليها لقب ‘الرجل المريض’ الذي تنتظر وفاته في أية لحظة لتقسيم أملاكه بين هذه الذئاب المحيطة به، ولكن هذا الضعف الذي نصفه هنا إنما هو مقارنة بزمن قوتها وانتصاراتها لا بزمن كيانات الاستقلال والتجزئة التي قامت على أنقاضها وولدت ميتة لا حياة فيها وغير قادرة على القيام بأبسط مظاهر الحياة منذ يومها الأول فلا تستطيع أن تطعم نفسها أو تدافع عن أملاكها إلا بحبل ممدود من الأجنبي الذي أوجدها وأعطاها شهادات ميلادها، على عكس حالة الرجل المريض الذي كان على الأقل رجلا عملاقا واحدا وليس مجموعة أقزام مشرذمين، وحيًا ما زالت الروح فيه رغم مرضه وضعفه، ولهذا تمكن من تحقيق انتصارات مشهودة على أعدائه الغربيين حتى في لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى(1914-1918)، ورغم أن الضعف العثماني كان نكبة في زمانه فإن نظرة على شكوى أبناء ذلك الزمن تجعلنا نعيد تقويم حالة المرض تلك في ضوء حالة الموت السريري التي أُصبنا بها بعدها. ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما كتبه الصحفي والكاتب السياسي المصري إبراهيم المويلحي(1844-1906) في مجموعة مقالاته ‘ما هنالك’ التي تتناول السلطان العثماني والحكومة العثمانية والسياسة الخارجية والداخلية بكثير من النقد والسخرية، وكانت كتابتها في الفترة بين 1895-1896 في صحيفة المقطم الموالية لسلطة الاحتلال البريطاني في مصر[1]، ومن مصادر أسى كاتبها أن ‘دولتنا في ميزان الدول العظام أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحانا ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم'[2]، فماذا سيقول أديبنا لو أنه رأى ‘دولتنا’ وقد تحولت إلى ‘دويلاتنا’ التي هي بين جميع الدول حتى الصغيرة والضعيفة منها- وليس بين الدول العظمى وحدها- أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحانا ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم؟ ومما يدل على ذلك مقارنة بسيطة بين الأحداث الحالية المتصلة بالأعمال الفنية الغربية المسيئة للإسلام ونظائرها التي حدثت في القرن التاسع عشر ولكن مصائرها آنذاك اختلفت عن اليوم نتيجة رد الفعل العثماني عليها، والذي مثّل الأمة موحدة، رغم ضعف الدولة وتراجعها في زمن تضمن إنجازات كبرى فوصفه الباحث المعاصر موفق بني المرجة بصحوة الرجل المريض في كتابه الشهير الذي حمل هذا الاسم.ومن ذلك ما يحكيه المؤرخ عمر فاروق يلماز عن مسرحية ‘محمد’ للكاتب الفرنسي ماركي دي بوريز عضو الأكاديمية الفرنسية الذي استعد لعرضها في سنة 1890 وفيها مشاهد تسيء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الإسلام بصورة ساخرة، فتدخل السلطان عبد الحميد فحُظر عرض المسرحية في جميع أنحاء فرنسا التي لم تدافع عن العمل بحجة حرية الرأي وذكر السفير الفرنسي في استانبول للسلطان ما يلي:’أخبر حضرة السلطان بما ورد في التلغراف الذي تلقيته الآن بشأن المسرحية المسماة ‘محمد’ لماركي دي بوريز التي بدأ عرضها في باريس، بأن الحكومة (الفرنسية) قد اتخذت في اجتماعها هذا الصباح قرارا بمنع عرضها.وفيما أرجو إبلاغ حضرة السلطان بنتيجة ما حدث، أقدم قناعتي بأنه لا توجد وسيلة أكثر ملاءمة لإبلاغ حضرتكم هذا الخبر وأنا واثق أنه بهذا القرار الذي اتخذته الحكومة لتلبية رغبات حضرة السلطان، سيتعزز الطلب بدوام أسمى العلاقات القلبية مع الدولة العلية، ومن أن السلطان سيقدر ذلك..’، ولنقارن هذه اللغة بلغة الغرب الآمرة الناهية لحكام الاستقلال والتجزئة في أيامنا المعاصرة.المهم أن االمؤلف دي بوريز انتقل إلى بريطانيا وحاول عرض مسرحيته في لندن’فتدخل السلطان عبد الحميد خان هناك وجعلهم لا يسمحون بعرضها’، وجرت محاولة بعد ذلك بثلاث سنوات لعرضها في لندن أيضا، ولكنها فشلت كسابقاتها [3].ويتكلم المؤرخ يلماز نفسه عن مسرحية أخرى إسمها ‘جنة محمد’ أريد عرضها في باريس سنة 1900، فأدى تدخل السلطان إلى تغيير اسمها وحذف مشاهدها المسيئة للإسلام، ويتحدث عن أعمال ومطبوعات معادية أخرى فشل نشرها بسبب التدخل العثماني الفعال-رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحمل الجنسية العثمانية بمقاييس سدنة الدولة القُطرية! وعن الصدى الحسن الذي قابل به المسلمون حتى من خارج الدولة العثمانية أعمال الدولة التي يعدونها ممثلة لهم جميعا، كما لم يتبجح الغربيون وقتها بحرية الرأي والتعبير وغيرها من حججهم التي يقذفون اليوم بها في وجوه دول التجزئة بكل استعلاء واحتقار وكأنهم أساتذة أمام تلاميذ مشاغبين ليس مقبولا منهم غير الإذعان، وهذا هو الفرق بين حالة الوحدة التي يكون المتحدث باسم الأمة واحدا وحالة التجزئة التي تكاثرت فيها كياناتنا وتشعبت فيه قراراتنا فضعفنا وهنّا أمام أنفسنا قبل غيرنا ولم يعد أحد يحترمنا وهان على الآخرين الإساءة إلينا وإلى مقدساتنا.محمد شعبان صوان