الوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي: رواية قديمة… هل تصلح لأيامنا الجديدة؟

حجم الخط
0

الوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي: رواية قديمة… هل تصلح لأيامنا الجديدة؟

نديم الوزة الوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي: رواية قديمة… هل تصلح لأيامنا الجديدة؟لم يكن مدخلاً جيداً بالنسبة لي أن أقرأ ما كتبه الروائي المغربي محمد شكري علي غلاف رواية الوشم للروائي العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، ولا سيما أن هذا الذي كتبه قد يخطر لأي قارئ مطلع وقد لا يري أن رواية الربيعي يمكن أن تذكرنا بتكنيك الروائيين الكبار من جويس الي وليم فولكنر ،ليس لأن الربيعي ليس كاتباً كبيراً، ولا لشيء قد يتعلق بالتقليد والتكرار، وانما لأنني كنت قد مقت هذا التكنيك من خلال قرائتي لشيء مما كتبه الروائيان المذكوران جويس وفولكنر، علي ألا يعني هذا المقت لهما أي حكم قيمة، وعلي ألا يعني أنهما ليسا كبيرين كما يري محمد شكري، ذلك أنهما، بما ابتكرا من تكنيك علي الأقل، قد فتحا الباب الي تعددية طرق هذا التكنيك واحتمال جدتها في أي رواية جديدة.ومع أنني أقرأ رواية الوشم في نسخة من طبعتها السادسة 2002 أي بعد ثلاثين عاماً من صدور طبعتها الأولي 1972 الا أنها، بتجاوزها لتكنيك سرد تيار اللاوعي، وابتكارها للسرد المبعثر أو المشتت لرصد وعي يماثله، لم تزل تحتفظ برونق سردها وتلقائيته وبما تثيره من أفكار أراها سباقة وملحّة علي المواطن العربي الذي يعيش في غرفة بملايين الجدران بعبارة محمد الماغوط، أو في سجن بلا جدران ولا حراس بتعبير احدي قصائدي!.و هي اذا ما كانت تذكرني بكلا التعبيرين فلأنها تتحدث عن شاب مثقف يدعي كريم الناصري لم يزل يعاني من جرائر سجنه سبعة أشهر في أحد سجون العراق طالما أنه لا يعرف كيف يتخلص من خزيه وعاره بعد قبوله بالاعتراف بنشاطه السياسي وتبرئه منه علناً في احدي الصحف لكي ينال حريته ويذهب الي أقرب حانة.وربما لأنني لم أنضم الي أي تنظيم سياسي لأدخل الي السجن من جراء ذلك، لا أعتقد أن هذه الرواية تحاول أن تفضح انهزامية هذا الشاب بقدر ما تحاول أن تكشف عن طهرانية المجتمع الذي يعيش فيه، وعن انقلابية أفكاره وعدم مقدرته علي تكوين وعي علائقي حديث وعقلاني حتي بين صفوف الشرائح العلمانية واليسارية. وربما هذا ما دفع بالرفاق اليساريين ـ شخصيات هذه الرواية ـ الي التدين ومحاولة الخلاص الروحاني طالما أن الواقع لا يستجيب لأفكارهم الدنيوية في العدالة والحرية كما أفترض، أقول أفترض لأن الرواية لا تصرّح بأفكار شخصياتها السياسية أو العامة، وانما تكتفي بفضح أحادية السلطة أو المعارضة في ثنائية تصادمية لا مكان للحراك الثقافي أو الاجتماعي أو الانساني بينهما. يؤكد ذلك اضطراب عقل كريم الناصري ونفسيته حين لا يستطيع الاستمرار في حياة متوازنة داخل العراق علي الرغم من توفر العمل والمرأة بل والحب، وذلك بسبب من شعوره بالتلوث والاثم لتخليه عن أفكاره السياسية السابقة وتنازله للسلطة، الشيء الذي يعتبره خيانة لا تغتفر ولا يمكن الخلاص من خطاياها الا بالانتحار المكاني أي الهروب خارج العراق الي الكويت أولا ومن ثمّ الي بلدان أخري للابتعاد أكثر فأكثر عن مسرح الجريمة.بهكذا وقائع لا يبدو كريم الناصري أنانياً بالمطلق أو انتهازياً كما راق لبعض قراء الرواية أن يصفه. فعلي ما يبدو من هذه الوقائع أن أكثر ما أراده هذا الشاب لا يتعدي حياة متحررة يمكن للمرء فيها أن يكون ذا فاعلية انسانية تمكنه من أن يفكر ويبدع ويحب ويطالب بظروف معيشية أفضل. لكن ما كان يفتقده كريم لتحقيق ذلك ليست القوة التي زجت به في السجن وليست القوة المضادة التي زجت به في عداد المتخاذلين والخونة، وانما كان يحتاج الي وعي كاف للتوازن بعد كل ما حصل له، توازن يجعله قادراً مجدداً علي التفكير بقوته الفاعلة، قوة الفكر، والابداع، والمحاججة ليس مع السلطة بالضرورة بل مع الناس المفترض منهم أن يمتلكوا وعياً يجعلهم تلقائياً يرفضون أي استبداد لا عقلاني قد يتحكم بهم وبمصائرهم. لكن ولأن كريم الناصري لم يستطع أن يعي ذلك تشابكت الأشياء والأفكار في رأسه كما يقول ولم يعد يري خلاصاً الا بالهروب والالتجاء…وكيلا أستطرد في أمور أخري تثيرها الرواية ولا تفترضها وقائعها تماماً، أعود الي بنية سردها المتشابكة التي اقترحتها ذهنية كريم الناصري الذي تولي رواية معظم الأحداث علي شكل استذكارات ورسائل متداخلة في أمكنتها وأزمنتها ولكن لكي تعاود التشكل في ذهن القارئ لحظة انتهائه من قراءتها بما يتيح له التفكر والتأمل في مقولاتها ووقائعها حتي لتبدو أنها رواية يومية لحياتنا التي نعيشها الآن في بيوتنا وشوارعنا وعملنا، وكأن السجون أصبحت احدي مورثاتنا الطبيعية أو هي آفة عصرية نتنفسها مع الهواء ونشربها مع المياه ونأكلها مع الطعام، واعتبارها كذلك هو بحد ذاته كاف ليجعلها احدي الروايات الرائدة في تفكيك الوعي العربي واحالته الي مشرحة العقل النيّر من غير ادعاء أو فذلكة شكلية قد لا تفضي بنا الا الي مزيد من الجهل أو في أحسن الأحوال الي مزيد من الانكفاء والتجاهل لما يمكن أن يودي بنا جميعاً الي التحلل والتلاشي!. كاتب من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية