الوضع العربي لم يخرج من حالة التأزم بعد
د. بشير موسي نافع الوضع العربي لم يخرج من حالة التأزم بعدأثارت قمة الرياض العربية قدراً كبيراً من التفاؤل. فقد أشرفت المملكة العربية السعودية علي قمة خلت من الاختلافات العربية ـ العربية، كما أن الملك عبد الله لم يتردد في مقابلة الرأي العام العربي في منتصف الطريق عندما أعلن أن العراق يتعرض لاحتلال غير شرعي.كانت السعودية بادرت قبل القمة بأسابيع لعقد مصالحة فلسطينية داخلية، ولدت منها حكومة وحدة وطنية. وبالرغم من حضور وفدين لبنانيين متصارعين إلي القمة، فإن مشهد الوحدة والتماسك الذي ظهر به الوفد الفلسطيني غطي علي كل انقسام عربي آخر. ولكن التطور الذي أثار أكبر قدر من التفاؤل كان عقد لقاء طويل بين الملك السعودي والرئيس السوري، تبعه لقاء بين الأسد ووزير الخارجية السعودي، ثم لقاء ثالث بين الأسد والرئيس المصري حسني مبارك. وبالنظر إلي أن حالة التأزم المتفاقمة التي يعيشها النظام العربي الرسمي تعود في معظمها إلي حالة التأزم السورية ـ السعودية والسورية ـ المصرية، فقد بدا بعد سلسلة اللقاءات تلك أن محور التسعينات الثلاثي العربي الشهير في طريقه إلي التبلور من جديد، وأن تفاهمات القمة سرعان ما ستنعكس إيجاباً علي مجمل الوضع العربي، لتضع حداً للاستقطابات العربية السياسية والطائفية، وربما حتي تجد مخرجاً للعراق وتعيد بناء العلاقات العربية ـ الإيرانية علي أسس صحية. بعد أكثر من شهر علي انعقاد القمة، ثمة أجواء متصاعدة من خيبة الأمل، وقد عاد التشاؤم ليحيط المزاج العربي الجمعي.كنت قد أشرت في نهاية القمة العربية، من هذا الموقع، إلي أن التطورات الإيجابية التي نجمت عن القمة ينبغي أن تعتبر تطورات مشروطة، وأن علينا انتظار تحولها إلي سياسات فعلية قبل أن نلمس انعطافة إيجابية ملموسة في الوضع العربي. ما نشهده الآن ليس مشجعاً. ثمة بطء غير مبرر في انطلاق الاتصالات السورية ـ السعودية التي كان يفترض أن تأخذ لقاءات الرياض الأولية إلي تفاهمات صلبة. بل أكثر من ذلك؛ فقد كان واضحاً في خلفية القمة العربية أن لبنان سيكون الامتحان الأبرز لقدرة الأنظمة العربية الرئيسية والمعنية علي تصفية أجواء الخلافات وحل إشكالات العلاقات البينية ومجمل النظام العربي. بالرغم من الدور الخارجي المؤثر، الذي تمارسه كل من الولايات المتحدة وفرنسا، فإن الأزمة اللبنانية هي في احد أهم أبعادها أزمة عربية، لاسيما أن الأطراف اللبنانية الرئيسية المتدافعة تحتفظ في أغلبها بعلاقات وثيقة بدول كالسعودية وسورية، والأردن ومصر. تبلور تصور عربي للتعامل مع إشكاليات الأزمة اللبنانية، من المحكمة الدولية وصلاحياتها إلي تشكيل حكومة التآلف، كان سيضعف أثر الخارج إلي حد كبير ويضع لبنان علي طريق التعافي. ولكن لا القمة ولا ما بعد القمة حقق بعد مثل هذا الأمل، بينما يتجه الوضع اللبناني نحو مزيد من التفاقم.الشارع اللبناني يموج بشائعات، تؤكدها تقارير عربية وأمريكية، حول تصاعد ظاهرة التسلح. حزب الله هو قوة مسلحة أصلاً، ولكن هناك أدلة متزايدة علي أن الحزب يعمل حثيثاً، وبدعم من دمشق وطهران، علي إعادة بناء مخزونه من كافة الأسلحة والذخائر. القوات اللبنانية، التي كانت أخفت قدراً كبيراً من سلاحها بعد اتفاق الطائف، تفتح مخازنها من السلاح. وبالرغم من أن السنة تجنبوا طوال عقود الانخراط في وحل الحرب الأهلية اللبنانية كطائفة، فإن هناك مؤشرات متزايدة علي تسلح سني، تدعمه وتساعد عليه دول عربية رئيسية. اعتصام المعارضة اللبنانية أمام السراي الحكومية ما زال مستمراً، وبعد صمت طويل نسبياً خرج السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، ليعلن وصول طريق الحوار السياسي إلي نهايته. وفي ظل هذه الأجواء، تعمل واشنطن وباريس علي تصعيد موضوع المحكمة بالإعلان عن عجز الحكومة اللبنانية عن إقرارها، مما ينذر بفرض المحكمة عبر قرار دولي قد يضعها تحت البند السابع من الميثاق الأممي. الوضع اللبناني، بكلمة أخري، يمر بمرحلة من أسوأ المراحل التي مر بها منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل أكثر من عقد ونصف العقد، ويبدو أن انفجاره لا ينتظر أكثر من شرارة، ولو حتي غير مقصودة.فلسطينياً، توصلت الأطراف المتدافعة إلي تصور للخروج من حالة التوتر الدموية التي رافقت الأشهر الأخيرة من عمر حكومة حماس. وقد جاء اتفاق مكة بالفعل بحكومة وحدة وطنية، تبدو أكثر استقراراً وتماسكاً واستعداداً لمواجهة الضغوط الدولية وتحديات المقاومة والتفاوض. ولكن شيئاً ما في الوضع الفلسطيني لا يثير الاطمئنان. الولايات المتحدة تقرر تقديم مساعدات مالية للرئيس الفلسطيني، يكرس الجزء الأكبر منها لحرس الرئاسة. ووحدات من الحرس، الذي ينمو تعداده بسرعة ملحوظة، تتلقي تدريباتها في مصر والأردن، بينما تقوم دول عربية أخري بمد الحرس بالسلاح. حرس الرئاسة لم يعرف عنه الانخراط في صفوف المقاومة للاحتلال، ومصادر إسرائيلية تشير إلي تأييد إسرائيلي حكومي لبناء الحرس كقوة مسلحة فعالة، وهو ما لابد أن يطرح أسئلة حول حقيقة الدوافع لهذا التوسع في بنية قوة أمنية كان يفترض أن مهمتها الوحيدة هي حماية الرئيس ومقاره. ثمة تقارير أخري تفيد بجهد تسليحي للوحدات التابعة لحماس، لاسيما في قطاع غزة. وبالنظر إلي سجل السيد محمد دحلان الطويل في تكريس الانقسامات والصراع داخل الساحة الفلسطينية، فقد أثار قرار الرئيس محمود عباس تعيينه مسؤولاً عن القوي الأمنية شكوكاً عميقة حول رغبة الرئيس في تهدئة الأوضاع في شكل نهائي، وفي بناء لحمة وطنية حقيقية. الأطراف الفلسطينية المختلفة، داخل وخارج فلسطين، تؤكد علي حرصها تجنب كل ما يمكن أن يؤجج الصدام الفلسطيني ـ الفلسطيني من جديد. ولكن توجهات التسلح، من ناحية، والتباطؤ الدولي والعربي في وضع نهاية للحصار الذي فرض علي الفلسطينيين منذ أكثر من عام، من ناحية أخري، يحمل مؤشرات لابد أن تثير الكثير من القلق.لبنان وفلسطين هما، بالطبع، مثالان فقط علي تدهور الوضع العربي، ولكن هناك قضايا أخري متفجرة لا توحي بوجود جهد عربي تضامني للتعامل معها. بعد فترة قصيرة من الاهتمام الملحوظ بالوضع العراقي، عاد النظام العربي إلي موقع الانتظار والمراقبة، معطياً السياسة الأمريكية فرصة أخري لمضاعفة سفك الدماء وجر العراق إلي مزيد من التمزق والتناحر. الوضع في دارفور، الذي بدا أنه كان محل اهتمام من الدولة المضيفة للقمة العربية، يدفع الآن بقرار أنكلو ـ أمريكي إلي التدويل، ومن ثم إلي تفتيت السودان وتشظيته. في الصومال، وكما كان متوقعاً، يتسبب الاحتلال الأثيوبي في سفك دماء يومي، بينما الدول العربية التي يحتفظ أغلبها بعلاقات جيدة مع أديس أبابا تقف موقف المتفرج. ومن جديد، تعود أزمة الصحراء الغربية للتفاقم بعد أن اصطدم المقترح المغربي لحل المشكلة بمقترح مضاد من البوليساريو. ولكن المشكلة الصحراوية، ومهما كان الاتجاه الذي تسير إليه، هي في عهدة الأمم المتحدة لا الجامعة العربية.بيد أن قضية القضايا في الوضع العربي ما بعد قمة الرياض هو غياب القوة القائدة واستمرار الانقسام الذي وضعت أسسه سياسة التفريق الأمريكية بين معسكر المعتدلين و معسكر المتطرفين . جاءت القمة العربية علي رأس سلسلة من التطورات التي لعبت السعودية فيها دوراً مبادراً، وهو ما ولد مقولة بروز قيادة سعودية للشأن العربي. في ظل انشغالات مصر الداخلية، والبطء الملموس في الحركة والقرار السياسيين المصريين، بدا أن السعودية تطمح بالفعل لدور عربي قيادي. المدهش في هذه الرؤية أنها تغفل الدلالات بالغة السلبية التي يحملها مثل هذا التطور في الوضع العربي؛ فالقيادة السعودية تعني بالضرورة فشل مصر وسورية والسعودية في إعادة بناء تفاهمها الثلاثي الذي احتل مركز الثقل العربي لسنوات، وخروج مصر، بكل ثقلها السياسي والتاريخي، من موقع القيادة العربي. علي أنه حتي الأمل ببروز قيادي سعودي لا يبدو أنه في طريقه إلي التحقق. فبالرغم من أن العلاقات بين الرياض والقاهرة هي في مجملها علاقات إيجابية ودافئة، فإن الغمز المصري من الدور السعودي علي صفحات صحف القاهرة لم يتوقف منذ توقيع اتفاق مكة الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح. وبالنظر إلي تفاقم الوضعين اللبناني والعراقي، فالواضح أن الدور السعودي المأمول لم يزل غائباً عن القضايا التي تولد القائمة الأكبر من الخلافات العربية الداخلية. وحتي علي مستوي دول مجلس التعاون الخليجي، لا يوجد إجماع حقيقي علي دور سعودي قيادي.إن كان ثمة دور سعودي مميز فهو دور القيادة لما بات يسمي بمعسكر الاعتدال العربي، والذي يفترض أن يضم إضافة إلي السعودية الدول العربية التي تحتفظ بعلاقة تحالفية مع واشنطن.دول هذا المعسكر هي التي تقف الآن وراء العمل الملفت للنظر لإعادة الحياة إلي المبادرة العربية، وما يحمله التحرك العربي بشأنها من مخاطر تهدد بدفع سقف السلام العربي إلي أسفل، وإشغال الرأي العام العربي بأوهام سلام عادل. ودول هذا المعسكر تنشط نشاطاً حثيثاً لتعزيز أوضاع القوي الحليفة لها في لبنان وفلسطين، بكل ما يحمله هذا التوجه من مخاطر علي البنية السياسية والاجتماعية العربية. وبالرغم من نفي مسؤولي دول معسكر الاعتدال العربي تورطهم في التحضيرات الأمريكية لتوجيه ضربة ما لإيران ومشروعها النووي، فإن اللغة المستخدمة تجاه إيران واللقاءات الرسمية المتعلقة بملفها، توحي جميعاً بخلاف ذلك.هذا وضع عربي سييء. في ظاهره، ينذر هذا الوضع بانهيار متسارع للنظام العربي الرسمي، وبقدرة هذا النظام علي الدفاع عن المصالح العربية وإيقاف النزيف التضامني الذي يهدد السياسة والأمن والاقتصاد والرفاه في كل المجال العربي. بل وينذر هذا الوضع بانفجار إثني وطائفي، وبإعادة ترتيب للأولويات العربية، يهمش الضروري والحيوي والرئيسي، ويعلي من مرتبة الثانوي والعارض وغير المركزي.في أحسن الظن، يبدو الوضع العربي ثقيل الحركة، يفتقد المبادرة والشجاعة الكافية للتعامل مع الإشكاليات التي تنخر مفاصله. والغريب في كل هذا، أن حالة الشلل العربية تستمر بينما الوجود الأجنبي، وما يرافقه عادة من ضغوط، يتعرض لتراجعات وإخفاقات ثقيلة الوطأة في المنطقة العربية، بفعل الحيوية البالغة لقوي المقاومة والممانعة الشعبية؛ وهو ما يوفر فسحة لرفع مستوي القرار العربي المستقل وتعزيز التضامن العربي. 9