الوضع الفلسطيني: برنامج سياسي بديل لا يحتمل الانتظار

حجم الخط
0

د. حيدر عيد

لا يحتاج الامر الا لبضعة ارواح شجاعة تتحدث بصوت عال وتتحدي الحالة التي تزداد سوءا ونفاقا يوما بعد يوم.

ادوارد سعيدنعلن اسرائيل دولة عنصرية. تمارس انواع العنصرية التي تصنف كجرائم ضد الانسانية والتي تتميز بالفصل والعزل العرقي والازاحة وتضيق الحصول علي الارض ومعاداة الوطنية وانشاء البانتوستانات وكلها اعمال ضد الانسانية المؤتمر العالمي ضد العنصريةاعلان ملتقي منظمات المجتمع المدني، دوربان، جنوب افريقيا ايلول (سبتمبر) 3/2001 الواقعية للفلسطينية لا تعني حقائق متعددة الوجوه، الواقعية السياسية للفلسطيني او الفلسطينية لم تعد بعد اليوم فن الممكن، الواقعية الاقتصادية بالنسبة له او لها هي الفقر. وبكلمة اخري فان الواقعية يجب ان تكتب بدون اقواس مقلوبة، الواقعية الفلسطينية هي ويجب ان تكون عن طريق التدخل المباشر عبر تحدي الاحتلال الاسرائيلي في كل صوره القبيحة منها كونه احتلالا عسكريا او المجملة كما في اوسلو.

ما اناقشه هنا هو ان الاحداث الخطيرة الاخيرة في فلسطين جاءت نتيجة لطبيعة فساد النظام السياسي الذي خلقته اتفاقيات اوسلو وادعاء القائمين عليها انهم انما يؤسسون لحل الدولتين. وبانضمامهم الي انتخابات كانون الثاني (يناير)، فان معظم المنظمات السياسية في فلسطين اظهرت قبولا ضمنياً للواقعية السياسية الناتجة عن الاتفاقيات المذكورة وبالتالي الحل القائم علي اساس دولتين. تراكم حالة الاحباط التي تلت الخرافة المسماة عملية السلام ووهم الرفاهية والسلام الذي ستجلبه اتفاقيات اوسلو وعجز قادة اوسلو المخصيين سياسيا عن مواجهة الحقيقة بطريقة مبدئية وذلك باعلان الفشل التام لخيارهم، قد ساهم في اندلاع انتفاضة الاقصي وما تبعها من نجاح حماس.

فجأة وجدت الجماهير ان السلام لا يعني الرفاهية للجميع وان فهمهم المعجمي والحرفي لكلمة سلام تختلف عن معناها المجازي لدي الحكومة (الحكومات) الاسرائيلية، في ان السلام كما يراه الموقع الفاعل ليس هو السلام كما يتمناه الآخر المفعول به. المعني دائما في فكر المهيمن الذي يعتقد انه بسلطاته يستطيع ان يجبر الطرف الآخر المهيمن عليه علي قبول تفسيراته وعليه وحسب ما نقل عن Dubya ووزيرة خارجيته فان الفلسطينيين هم الملامون عن فشل كل المفاوضات، وعن استمرار العنف، وعن صعود حماس الي السلطة، ولهذا فان الفلسطينيين (الجويم، السكان الاصليين) يجب ان يلقنوا درساً ويواجهوا حنق سادتهم اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية. واجهت اسرائيل المظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية التي اندلعت في 2000 بهمجية واستخدمت ضدها الذخيرة الحية والرصاص المطاطي والدبابات والهيليوكوبتر. فيما استمر الاعلام علي نمط CNN في ترديد المتلازمة الامريكية الاسرائيلية في لوم الضحية. وبالنسبة للعرب والفلسطينيين فان انتفاضة الاقصي اصبحت دلالة قاطعة علي فشل السلطة والمقامرة الامريكية الاسرائيلية بحقوق الشعوب وكما عبر ادوارد سعيد عن الموقف بقوله انها نهاية عملية السلام.

تعلم المواطن الفلسطيني ان المفاوضات مع المحتل الغاشم علي امل الوصول الي سلام عادل قد باءت بالفشل والسؤال الذي يجب طرحه علي الفلسطينيين والعرب هل استهلكت كل الخيارات لانهاء الاحتلال الاسرائيلي؟ وبصيغة اخري هل التفاوض مع المحتل بشروطه وفي ظل موازين القوي التي تدور لصالحه هي الخيار الوحيد المتروك لنا؟ هل ادارة الصراع تعني اما السلام الاسرائيلي او الحرب؟ الي متي سيتقبل الفلسطينيون والاسرائيليون وهم ان لا احد غيرهم سيقبل او يدعو الي السلام؟ اسال هذه الاسئلة وانا اعلم جيدا ان القيادة الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها تحديدا يستجدي حلا مختلفاً.

الآن وصلت الانتفاضة الي النهاية، وتحولت غزة الي معسكر اعتقال ونجح الفلسطينيون في ان يظهروا للعالم ما هي حقيقة اوسلو واصبح بعض المؤيدين لاوسلو من قادة ومثقفين لا يعلم ماذا يفعل حيال التغير الراديكالي الذي ارتد اليه المشهد السياسي.

هذا البرنامج البديل يجب ان يتعامل مع الواقعية السياسية علي الارض وفي نفس الوقت يقدم برنامجا سياسيا واعيا للانتفاضة الثالثة. الانتفاضة الثانية كانت بحاجة ماسة لمثل هذا البرنامج الصلب لانه لا اليسار النائم او اليمين المشلول في منظمة التحرير الفلسطينية كان قادرا علي توفير قيادة عاجلة استراتيجية او منهجية. لذلك صعدت حماس. ان نجاح الانتفاضة الثانية في الاطاحة بحكومة باراك وفضحها وفي جذب انتباه العالم الي حقيقة النظام العنصري الذي وجد نتيجة لاتفاقيات اوسلو وفي حشد التضامن في العالم العربي والاسلامي اشار الي ضرورة وجود برنامج بديل يرتكز علي رؤية سياسية. ولسوء الحظ فان حكومة حماس تفتقر اليه. يجب علي البرنامج المنشود ان يعبر عن التحديات التي رفعتها الانتفاضتان المجهضتان في وجه الاحتلال بكل صوره وان يجيب علي التساؤلات المشروعة للفلسطينيين منذ 1948 تجاه حقوقهم الوطنية والسياسية. وفي هذا السياق، فان فشل كل الاجتماعات الفلسطينية الاسرائيلية السابقة كان يشير بوضوح الي ما يجب ان يحتويه البرنامج البديل: مجموعة نقاط متعلقة بالحقوق الوطنية للفلسطينيين بعد 1967 وحق العودة للاجئين والحقوق المدنية للفلسطينيين في اراضي 1948. هنا وبالتحديد كان فشل اتفاقيات اوسلو. لا بمكن تحقيق الحد الادني من الحقوق الوطنية بدون تفكيك المستوطنات اليهودية وانسحاب الجيش الاسرائيلي من الضفة الغربية وكلاهما لا ينفصل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وعن حق الفلسطينيين في مناطق 1948 في التعبير عن حقوقهم الوطنية في مجتمع ديمقراطي علماني. هذا لا يتعارض مع القانون الدولي ولكنه يتعارض مع تفسير الحكومات الامريكية المتعاقبة لهذا القانون. ان الشرك الذي وقعت فيه اتفاقيات اوسلو وخارطة الطريق كان في ان الولايات المتحدة الامريكية هي الوسيط والراعي الوحيد لكلا الاتفاقين.

وبعد، هل الحل الوحيد للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني هو اقامة دولتين وبعبارة اخري، هل تأسيس كيانات سياسية علي اساس عرقي او ديني خالص هو الخيار الممكن الوحيد الذي نملكه؟ هل الفصل او غياب التعايش، علي ماذا سيحصل الفلسطينيون او اليهود الاسرائيليون، كيف ستبرر القيادة الفلسطينية الرسمية جدلية الدعوة الي تطبيق قرار الامم المتحدة بخصوص عودة 4.5 مليون لاجئ فلسطيني الي ديارهم وفي الوقت ذاته الاعتراف بطبيعة يهودية وحصرية لدولة اسرائيل.

كيف سيعالج هذا الحل مشاكل العنصرية والاضطهاد الثقافي للمواطنين العرب في اسرائيل؟

اتفاقيات اوسلو فشلت في تقديم اجابات لهذه الاسئلة؟

اضافة الي ذلك هل قيام دولة مستقلة يعد حلا ممكنا للقضية الفلسطينية؟

السائد هو ان المفاوضات فقط هي التي ستقود الي الحل علي رغم انها لم تحرك الموقف الاسرائيلي اطلاقا علي مدي عشر سنوات منذ اوسلو. لقد كشف اليسار الفلسطيني ومعادو الصهيونية في اسرائيل مأزق المفاوضات ذلك ان الخطوط الحمراء لباراك اصبحت معروفة تماما. كما ان برنامج شارون السياسي او المعدل بواسطة كاديما ايهود اولمرت يقود الي لا شي اكثر من كانتونات للسكان الاصليين. برهن ادوارد سعيد في مقاله نهاية عملية السلام: اوسلو وما بعد ذلك (علي ان المفاوضات ليست سوي امتياز يطيل عمر الاحتلال الاسرائيلي واسرائيل لا شك سعيدة بحصولها علي رصيد اخلاقي انها تصنع السلام وفي الوقت نفسه تواصل الاحتلال بموافقة فلسطينية) 2000:25 . قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة لم يذكر اطلاقا في اي فقرة من اتفاق اوسلو وترك الامر لموازين القوي في المنطقة وغني عن القول ان ميزان القوي سيبقي لصالح اسرائيل التي ترفض قيام مثل هذه الدولة، وبالرغم من اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية، فان ايا من الحكومات الاسرائيلية لم تعبر عن رغبة حقيقية لقبول دولة فلسطينية كتجسيد لحق الفلسطينيين في تقرير المصير. والمفاوضات مع الفلسطينيين لا تعني بالنسبة لهم منح الفلسطينيين نوعا من الحكم الذاتي يمكنهم ان يطلقوا عليه دولة ويستطيعون بموجبه رفع علمهم وعزف نشيدهم الوطني وتنظيم شرطتهم ليكون عملها حماية امن اسرائيل.

كيف يمكن لبانتوستان فلسطيني ان يتعامل مع الاستيطان اذا لم يتم اجلاء كافة المستوطنين عن الضفة الغربية؟ كيف يمكن حل مشكلة اللاجئين؟ كيف يمكن ان تكون القدس عاصمته بعد ان خلقت اسرائيل واقعا جديدا علي الارض بتوسيع المدينة واعلانها العاصمة الابدية للدولة اليهودية؟ كيف يمكن للكانتون الفلسطيني ان ينمو اقتصاديا مع استمرار اسرائيل في نهب ثرواته الطبيعية في الضفة وقطاع غزة لصالح اسرائيل؟

من السخرية بمكان، ان ما اوصلتنا اليه اوسلو هو حالة لم تخطر حتي علي بال موقعيها. لقد اصبح قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة علي 22% من فلسطين التاريخية امرا بالغ الصعوبة ان لم يكن مستحيلا. واصبح معني السلام الشامل ان اسرائيل التي شردت 800.000 فلسطيني العام 1948 والتي احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء العام 1967، والتي ضمت القدس والجولان والتي اجتاحت لبنان عام 1982 والتي صادرت وتصادر الاراضي الفلسطينية والتي تبني المستوطنات والتي قتلت اكثر من 2000 فلسطيني في الانتفاضة الاولي (1987 ـ 1993) واكثر من 3500 خلال الانتفاضة الثانية (2000 ـ )، والتي تقتلع الاشجار وتهدم البيوت وتغتال القادة الفلسطينيين وتمنع الكتب وتغلق المعاهد والجامعات، اسرائيل هذه عليها ان تعترف بحق الفلسطينيين في الوجود كبشر وان تمنحهم الحق في تقرير المصير والسيادة في دولة مستقلة فضلا عن حقهم في الحياة الانسانية. لقد مضي اكثر من 59 عاما دون ان تتراجع اسرائيل او تعترف بحقوق الفلسطينيين حتي الانسانية منها. لكل هذه الاسباب بامكان المرء ان يجادل وعن قناعة ان اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة ومستقلة علي حدود 1967 غير قابله للتطبيق. ذلك ان نظاما يرتكز علي البانتوسانات لا يضمن سلاما دائما وشاملا اذ انه لم يحقق ذلك في جنوب افريقيا.

البديل الذي بدا يكتسب طاقة ذاتية وان ببطء، خصوصا بعد ان انتهي نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا بانتخاب اول رئيس اسود العام 1994، البديل هو اقامة دولة واحدة لا يهم ان كانت ثنائية القومية او علمانية ديمقراطية علي فلسطين التاريخية، دولة لكل مواطنيها بغض النظر عن الدين او العرق او الجنس.

ومما يعجب له المرء هو كيف ان مثقفين وناشطين وعلمانيين وليبراليين وماركسيين يحذرون من هذا الحل!! وبخلاف اوسلو، فان هذا البديل يضمن حلا دائما لان كلتا القوميتين ستعيشان في فلسطين التاريخية بحقوق متساوية ويسمح لها بالتعايش علي اساس المواطنة.

هذا البديل هو ديمقراطي بالضرورة في تعاطيه مع المشكلة الفلسطينية اليهودية. حل لا ينكر حقوق الناس بل يضمن مساواة كاملة ويكافح العنصرية والباتوستانات والفصل العرقي في فلسطين. وفي الواقع فان هذا البديل يجب ان يدعم من الليبراليين واليساريين ومن المنخرطين في الكفاح ضد الابرتهايد. لقد تعلم العالم من تجربة جنوب افريقيا شيئا فهو ان الجنس او العرق او الدين ليست الوحيدة التي تحدد المواطنة وان الفصل لا يضمن المن الذي تريده احزاب القوة.

لقد نادي بهذا البديل مثقفون ديمقراطيون اسرائيليون وفلسطينيون نذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر: ادوارد سعيد، الان بابيه، عزمي بشارة، تانيا رينهارت، مايكل وارشوفسكي، سلمان ابو ستة الذين ادركوا تعقيدات الواقع الفلسطيني واقتنعوا ان دولة فلسطينية علي جزء من الضفة الغربية وقطاع غزة في افضل احوالها لن تكون حلا شاملا للقضية الفلسطينية وان كانت ستساهم في حل مشكلة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يشكلون 35% من الفلسطينيين.

مثل هذا الحل سيقود بالتاكيد الي تشرذم الشعب الفلسطيني والي تصفية قضية الفلسطينيين الذين يعيشون خارج هذه الدولة المحدودة، وكما أوضح بندكت اندرسون فان كل الامم هي تجمعات متخيلة وليست مخلوقات طبيعية وان الحدود انما توضع لضم او ابعاد افراد داخل او خارج الكيانات الجيوسياسية.

الجمع بين رؤية سياسية واجراءات عملية علي كافة الجبهات المعنية ونقصد الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق 1948 والعالم العربي ومنظمات التضامن الدولية هو شرط مسبق لتحقيق البرنامج البديل. ويجدر بنا ان نوضح انه في بداية الانتفاضة الحالية، ولفترة وجيزة، انبثق تيار ليس من الهامش فحسب بل ومن داخل كتلة السلطة الفلسطينية، تيار اعلن انشقاقه عن اوسلو وشرعيتها. كان علي هذا التيار ان يندمج في خيار الدولة الواحدة.

لقد وصلنا بفضل اوسلو وخارطة الطريق الي مأزق الاختيار ضمن ثنائية اما بانتوستانات او لا شيء. وبالرغم من ذلك فان طريقا ثالثا لا زال متاحا. 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية