الوضع الفلسطيني: محاولة لتقصي مصدر العطب
محمد سعيد مضيهالوضع الفلسطيني: محاولة لتقصي مصدر العطب الحالة الفلسطينية المتردية تفضح أعطاباً واعاقات لازمت العمل الوطني الفلسطيني منذ بداياته. فقد اكتنفه علي مر الحقب المتتالية نماذج من الانعزال عن الواقع الاجتماعي والتزمت، وكل ما يسفر عنه من شعوذات سياسية وأوهام أردته موارد النكبات والكوارث. وهي اعاقات تجلت في التفكير والممارسة أقعدت العمل الوطني عن احتواء المشاكل الناشئة أو التكيف مع الطوارئ، خاصة مكائد الصهيونية وحلفائها الدوليين، وحكمت بعزلته عن الواقع ومستجداته. من هذه الشوائب ما أبدع في وصفه نجيب نصار، أحد رواد العمل الفلسطيني، رش السكر علي السقم . تواصل طلاء الأسقام بمحاليل حلوة المذاق يــــتلذذ بها الفــــم ويتبلد منها الاحساس. ومنه الكثير ما حوته مذكرات الرواد من مجايلي نجيب نصار. من هذه الشوائب تحكيم المزاج والهوي لدي مواجهة الواقع وفي التعامل مع الآخرين داخل الصف الوطني، وقد يصل الأمر حد الغاء الآخر أو الآخرين وادارة الظهر لتجربة السابقين والتعالي علي الجماهير واعتبارها غير جديرة الا بتقديم التضحيات. ومن يتنكر لتاريخه يضيع مستقبله. عبر الحقب المتتالية، جرت مجانبة التفكير الاستراتيجي والتخطيط للمهمات بعد ممارسة التحليل والتركـــيب للوقــائع الموضوعية. ولو التزم النشاط الوطني في فلســــطين بتقاليد الواقـــعية والموضوعية لما واجه الكوارث واحدة بعد الأخري، ولما تطور التناقض الثانوي بين الفصائل الي تناحرات دامية داخلية.ولتقصي هذه الظواهر المَرَضية نقصر الحديث عن الحقبتين الأخيرتين من حقب النضال الفلسطيني. ففقد شهدت الحقبتان انتكاسات في الوعي الاجتماعي، اذ مضي الوعي في مسار هابط، علي النقيض من المسار الصاعد مع بدايات القرن. ويحدث هذا في المجتمعات التي لم تقطع الحبل السري مع عصور الظلام والتخلف، حيث يتناوب الوعي الاجتماعي ويطفو علي سطحه خصائص من الظلامية تارة ومن التنوير تارة أخري. وكما بينت هزيمة حزيران فالمجتمعات العربية كافة تعاني من تخلف يجمد اوصال الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية والثقافية.وتأسست منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من النظام العربي القائم في أواسط ستينات القرن الماضي. وأريد لها ان تكون جزءاً من النظام. في ذلك الحين باتت الأنظمة العربية، ومنها نظام جمال عبد الناصر في مصر، علي بينة من أنها لا تستطيع محو آثار النكبة، حتي انها عجزت عن وقف العدوان الاسرائيلي علي مياه نهر الأردن، حيث أقدم بن غوريون عنوة علي تحويل المياه الي النقب. رأت الأنظمة العربية أن رد القضية الفلسطينية الي أصحابها يخلصها من الاحراجات. حتي ذلك الحين استمر الموضوع الفلسطيني جزءاُ من برنامج التحرر الوطني للحركة العربية التحررية ولكل فصيل وطني وللأنظمة الوطنية التي تشكلت بعد انهيار النظام الكولنيالي في أكثر من قطر عربي. فمنذ الحرب العالمية الأولي والنضال التحرري العربي العام والقطري يتضمن بندين رئيسيين: رفض سايكس بيكو ورفض وعد بيلفور. واقتصر الموقف علي الرفض دون المناهضة. ذلك ان المعارضة العربية لم تراكم القوي الكفيلة بعرقلة المشاريع المضادة، ناهيك عن منع تنفيذها. بل ان تنفيذ المشروعين مضي شوطاً أبعد مما تخيل المخططون، وذلك نظراً لأن الوضع العربي لم يزل هزيلاً، موبوءاً بالأمراض المزمنة والموروثة وملغما بعناصر التفجير الموروثة عن تخلف العصور الخوالي. وما زال الوضع العربي محكوما ببنود المشروعين المؤامرتين. وانشغلت الأنظمة الوطنية العربية في مهام انجاز التحولات الاجتماعية وتحقيق برامج التنمية، علماً ان الأنظمة العربية كافة وضعت في برامجها السياسية أن القضية الفلسطينية تشكل حجر الأساس في سياستها الوطنية. وكانت الجهود المبذولة في كلا الميدانين مجرد حرث في البحر. واتضحت هذه الحقيقة لمؤسسي حركة فتح في أوائل عقد الستينات.في ضوء هذه الوقائع رفعت فتح شعار القرار الوطني الفلسطيني المستقل ، وتذرعت به لتخليص منظمة التحرير الفلسطينية من قيادة أحمد الشقيري، المسترشد بوصاية الأنظمة العربية. وتحقق لها مرادها بيسر وسهولة، اذ هادنت الأنظمة العربية التوجه الجديد، حيث رأت فيه حفظا لماء الوجه، فاستجابت لمطالب فتح التي أخذت طابع قرارات منظمة التحرير الفلسطينية. وتعزز توجه الاستئثار بالقيادة اثر هزيمة حزيران وبروز المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة فتح ترد العار عن النظام العربي برمته، خاصة اثر معركة الكرامة، التي جاءت أول منازلة ناجحة مع جيش الاحتلال الاسرائيلي. تسابقت الأنظمة علي احتضان المقاومة الفلسطينية عن طريق اغداق الأموال ودعم مجهود التسلح وحمل المقاومة الفلسطينية الي المحافل الدولية والدول الحليفة لحركة التحرر العالمية. باتت حركة المقاومة أغني حركة تحرر في العالم لأفقر شعوب العالم وأشدها معاناة للجور والقهر. هيمنت فتح علي منظمة التحرير وغدت أقوي الفصائل الفلسطينية جذباً للجماهير الفلسطينية في مختلف مناطق وجودها وللشباب المستعد للتضحية.غير أن فتح، ورغم التضحيات الجسام التي قدمت تحت لوائها، ورغم ما توفر لها من أسباب، عجزت عن احتواء الاحتلال الاسرائيلي واجباره علي الانحسار، وعجزت حتي عن ايقاف توسعه الاستيطاني علي الأراضي الفلسطينية المحتلة. بالعكس دفعها الاحتلال الي مغادرة بيروت الي المنافي البعيدة. فقد عانت حركة التحرر الفلسطينية أولاً من استقلالية القرار ، ومن مظاهر القصور التي وصمت النضال الفلسطيني وتسببت في النكبة: غياب الهدف الاستراتيجي المتمثل في دمج الحالة الفلسطينية بمصير حركة التحرر والديمقراطية في العالم العربي، خاصة المشرق العربي، وكذلك غياب الخطة التنظيمية المتناسقة مع الخطة السياسية للكفاح المسلح، واغفال الجانب الثقافي من الصراع. وبالنتيجة غاب التنظيم والانضباط وضعف المنسوب الثقافي لكوادر العمل الفلسطيني بالنتيجة، حيث أن الوعي يرتبط جدليا بالتنظيم. واستقطبت فتح كوادر ثقافية عربية وفلسطينية ألحقتها بالدوائر البيروقراطية لمنظمة التحرير وأشغلتها في مهام مكتبية بيروقراطية دون أن تشركها في التخطيط وصنع القرارات المصيرية.تجلت مظاهر القصور في عفوية النشاط السياسي والركون الي عفوية الأنشطة والممارسات، والاقتصار علي البعد الدعائي للعمليات المسلحة وحشد التضامن الدولي. أصرت قيادة المنظمة علي أن تكون الصوت الأعلي في المنطقة ومركز حركة التحرر العربية مكتفية من الأنظمة العربية بالدعم المالي والسياسي. وفي حمي العفوية لم ترصد المنظمة التداعيات السلبية الجارية داخل كل قطر عربي في عقد السبعينات، والتي أفضت الي تشديد الاستبداد السياسي والفكري وتمتين علاقات التبعية بالمراكز الامبريالية والاقلاع عن اقتصاد التنمية والانتاج الوطني واستفحال الفساد والافساد والاختلالات الاجتماعية وكذلك استفحال النزعة القطرية داخل كل قطر عربي. ففي ظل شعار القرار الفلسطيني المستقل تم فصل مهمة مقاومة الاحتلال ونهج التوسع الاسرائيلي عن مهمات التحرر والديمقراطية والتقدم والتنمية في الأقطار العربية، خاصة بلدان المواجهة، حيث بذلت اسرائيل وحلفاؤها جهوداً ناجحة في ضرب التوجهات الوطنية، وضرب مواقعها. وبدل ان تنتبه حركة التحرر الفلسطينية الي التداعيات السلبية في المحيط العربي وتقاومها، أغرت الفصائل الرئيسة والعناصر النافذة داخل حركة التحرر في كل قطر عربي للتماهي معها، الأمر الذي ساعد علي تسريب التداعيات المناهضة للديمقراطية والتقدم داخل المجتمعات العربية كافة. ولم تستيقظ قيادة المنظمة وتتنبه لعزلتها الخانقة داخل بعدها الاستراتيجي العربي، الا بعد فوات الأوان وأثناء حصار بيروت.كشفت حرب حزيران 1967عن تعفن النظام الاجتماعي العربي وفضحت عجز الحركات القومية واليسارية عن انجاز عملية التغيير الاجتماعي والتعامل مع الأوضاع العربية المعقدة، ما أعطي دفعة لتيار الاسلام السياسي لأن ينهض وينتشر. وجاء العدوان علي لبنان بمثابة جرد حساب أثبت افلاس نهج ما أطلق عليهم تعسفاً العلمانيين العرب، في حركة التحرر العربية والفلسطينية. فهذا المفهوم مقحم علي الواقع العربي، حيث لم تتوجه أي حركة عربية تحررية ضد الدين وتراث الفكر الديني. كما ان معظم الحركات التحررية فضلت الابتعاد عن العقلانية والمقاربة العلمية للواقع الاجتماعي. وتبلور الطموح التقدمي في التطلع الي الديمقراطية بمضامين متعددة، وذلك في الأقطار العربية كافة وعلي مختلف حقب التاريخ الحديث. ومن مظاهر القصور أيضاً رفع شعارات مثل كل شيء يتقرر من فوهة البندقية و لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، الأمر الذي أغفل ميدان الثقافة في الصراع الدائر وحوّل جماهير الكفاح الفلسطيني الي متلقّين منفعلين وأبقي علي وضعيتهم المستلبة وعفويتهم التلقائية في العمل السياسي، ما أعاق تطور الوعي الاجتماعي في فلسطين، وأبقي علي العلاقات الاجتماعية المتخلفة. وتجلت الاعاقة في تشكل الفصائل وعلاقاتها البينية بأشكال عشائرية وقبلية، واستمرار الولاء القبلي والطائفي والجهوي علي حساب الوعي الوطني. دخل العطب الي صميم الثقافة الوطنية الديمقراطية.مع الخروج من بيروت انتعش تيار الاسلام الجهادي. في هذه المرحلة، تطورت روابط التبعية مع الامبريالية وتجليها العولمي، الي تحالف مكشوف مع السياسة الأمريكية في الحرب الباردة، تجلي في الاسهام بالحرب الأفغانية، تلك القابلة التي استولدت حركات الاسلام الجهادي. وفي عنفوان الصرعة الجهادية نشط التيار الاسلامي وبرزت حركة حماس، التي استثمرت الحالة الفلسطينية القائمة لحساب توجهها، المنافس لتوجه منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح في المقام الأول. أثناء حرب أفغانستان انحازت الأنظمة العربية للتيار الديني علي حساب فتح والقضية الفلسطينية. وهو التوجه الذي تجلي أثناء حصار بيروت وراح يتفاقم، وهو سبب انحياز قيادة فتح لصدام أثناء أزمة الكويت. استخفت فتح بحركة حماس وتجاهلتها، بينما استثمرت حماس لصالح توجهها أخطاء السلطة الفلسطينية وخطيئاتها، من تفرد في الحكم وفرض نظام الحزب الواحد الذي برهنت أكبر تجربة تاريخية للتغيير الاجتماعي فشله التام، ثم الفوضي الادارية وعزل الجماهير عن القيادة السياسية واغفال حاجاتها وضرورات التنمية وضعف الموقف التفاوضي مع اسرائيل واستفحال الفساد. أدارت قيادة فتح التفاوض مع اسرائيل بينما غيبت حركة الجماهير المناهضة للتوسع الاستيطاني والقهر المتواصلين. وعندما فشلت المفاوضات حركت العنف المسلح كي لا تتفوق عليها حماس، الأمر الذي استغله شارون وبوش لوصم السلطة بالارهاب. استثمرت حماس علي أفضل وجه رفض اسرائيل للتسوية السلمية وفشل عملية أوسلو لترويج نهج عسكرة الانتفاضة . كانت الجماهير تظهر احتجاجاتها بالانتقال الي صف حماس. بعثت حماس فقه الولاء والبراء الذي يرفض في نماذجه المتزمتة كل حوار مع اهل الكفر ، كما يرفض أي تجديد للحياة العربية بعد القرن الثامن عشر. هذا الفقه الذي أفرزه الضعف والظلامية والاحساس بالنقص يناقض الفقه الجسور في الاجتهاد والأخذ عن الآخرين نظم ادارة وعلوم وفلسفات. يكفي مقارنة الاقبال الشغوف علي نظام الادارة الروماني وترجمة الفلسفة الاغريقية والعلوم الأجنبية في ذلك العصر الواعد بالانتعاش الثقافي والعلمي بالفقه المنطوي علي الخوف من الأجانب: لا نقلدهم حتي في ما فيه مصلحة لنا، لأن الله اما أن يعطينا مثله أو خيرا منه واما أن يعوضنا عنه خيرا في الآخرة . في ظروف العناد الاسرائيلي والاصرار علي عدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل والافصاح عن مطلب حق اسرائيل في كامل أرض الميعاد ، ما ولد اليأس من جدوي التفاوض، والتغييب المتعمد للجماهير، وتحت وهم العجز عن كسر شوكة الاحتلال، وفي حمأة الاحباط نتيجة القهر المنهجي من جانب احتلال، أظهرت الجماهير تعاطفها الملتهب مع عسكرة الانتفاضة الثانية المقتصرة في الغالب علي عمليات عسكرية ضد المدنيين. مضت ما سميت الانتفاضة الفلسطينية الثانية حربا مسعورة شنها شارون ضد الشعب الفلسطيني تخللتها أعمال قتل بالجملة وتدمير الأحياء بالطائرات الحربية والصواريخ وتجريف الأراضي الزراعية ومصادرتها وتوسيع الاستيطان وتشييد جدار الفصل العنصري. أنجز شارون في هذه الحرب غير المعلنة خطته المعدة، كما يقال، عام 1982، ثم أشهد العالم أنه انما يدافع عن شعبه ودولته ضد ارهاب فلسطيني واكتسب لقب رجل السلام . ولم يراجع خطيئتهم أولئك الذين مكنوه من تحقيق تلك الانجازات والظهور بمظهر المدافع، بينما هو، بمكر أتقنه تماما، يشن حربا عدوانية همجية. فقد أدرك شارون الصرعة واستثمرها، وفق استراتيجية ماكرة، في ظروف الحرب علي الارهاب لتلطيخ سمعة النضال الفلسطيني علي الصعيد الدولي. بل ان شارون وسع خطة سلفه باراك لجر النضال الفلسطيني الي العنف المسلح. وبدعم عولمة الاعلام جري انتقاء الوقائع والأحداث بحيث حولت الحالة في المنطقة في نظر الجمهور الغربي من اعتداء علي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الي اعتداء ارهابي علي حق اسرائيل في الأمن وفي الوجود. وبدل مطالبة اسرائيل بتصفية احتلالها للأراضي الفلسطينية والسماح للفلسطينيين باقامة الدولة ذات السيادة بات المطلب الدولي مركزاً علي الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود، أي الاقرار بأثر رجعي بعدالة تصرفات اسرائيل منذ عام 1948 في طرد الشعب الفلسطيني من دياره ومنعه من تنفــــيذ قرار الأمم المتحدة باقامة دولته ثم احتلال المتبقي من وطنه وفرض الحصار عليه، وكل ما تبع ذلك من اجراءات جائرة ومناقضــــة للقانون الدولي.في ستينات القرن الماضي توفرت الظروف لكي تهيمن حركة فتح ونهجها علي العمل الوطني الفلسطيني، وفي نهاية تسعينات القرن الماضي جاء الدور لهيمنة حماس ونهجها. وكل طرف يلوذ بتقليد الانعزال عن الواقع، ويشطب تجربة تاريخية ويلغي ذاكرة تاريخية: ضيقت فتح الخناق علي النضال الجماهيري أو أتبعته لمهمات الكفاح المسلح وعزلت القضية الفلسطينية عن بيئتها المتمثلة في النضال الوطني الديمقراطي والوحدوي في المحيط العربي، واستخدمت المثقفين شهوداً علي قراراتها لا مفكرين استراتيجيين لخططها. ثم دارت الدائرة وهيأت لحماس ظروف الهيمنة، وحسب توصيف المفكر الاسلامي، الشيخ حسن الترابي قادة حماس يبدون قلة خبرة في السياسة، اذ يتمسكون بالتطبيق الحرفي لفقه يعود الي عصور غابرة . كررت حماس غلطة فتح حين أمسكت بيد واحدة سلطة الحكم ومناهضة الاحتلال عسكريا. أغفلت قيادة حماس الوضع الدولي الناشئ بعد الحادي عشر من أيلول 2001، حيث أمسك ائتلاف اليمين المحافظ في الولايات المتحدة مع الصهيونية بتوجهها اليميني العدواني دفة قيادة العالم، ويبذل جهوداً محمومة لتوريط المجتمعات العربية في صراعات داخلية. ولا تتوقف المساعي الاسرائيلية لدق اسفين بين فتح وحماس، وتأجيج الاحتراب بين الفصيلين وزج المجتمع الفلسطيني في صراع دموي. فما يجري في لبنان والعراق وفلسطين يخضع لاستراتيجية واحدة وضعها ويقوم بتنفيذها ائتلاف اسرائيلي أمريكي. وليس صدفة أن تتفاقم التوترات بين الأطراف المحلية وتعجز التدخلات العقلانية عن جسر الفجوة بين الأطراف المتنازعة في أكثر من بلد عربي. تجري الأحداث بما يوتر الأجواء ويقرب من الحرب الأهلية. يستثمر الائتلاف النصر الساحق الذي تحقق لشارون فيصر علي الاعتراف بـ حق اسرائيل في الوجود ولا يعترف بأي حق للشعب الفلسطيني. أما طرفا السلطة فيمضيان في دربين متعارضين ومتناقضين ويغفلان وجود الاحتلال ومصائبه. الطرفان يتبادلان تهم التعطيل ويعفيان الاحتلال من مسؤولية المأزق الراهن: قيادة فتح تدعو الي الاعتراف بالقرارات والاتفاقات قبل أن تتأكد من قبول اسرائيل لها، بينما حماس لأهداف شعبوية، ترفض الاعتراف بالمطلق وبلا حيثيات، فتسهم بذلك في اقناع العالم أن جوهر الصراع هو حق اسرائيل في الوجود. الموقف المعقد يتطلب سياسة هادئة حازمة تجمع بين رفض الاملاء والابتزاز وتنشيط حركة مقاومة سلمية، مع طرح البديل المتمثل في تعرية الاحتلال الاسرائيلي والمطالبة بالاعتراف أولاً بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، المهددة بالتصفية جراء نهج الاقتلاع والتنكر لكل القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبالذات لقرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار. برزت حماس وبرز معها صراع يتحول بالتدريج الي تناحر دموي داخل المجتمع الفلسطيني. أخذت حماس تشد باتجاه افشال التسوية السلمية وتخريبها من خلال العمليات المسلحة. بينما أمعنت فتح في التمسك بخط التفاوض، وراحت اسرائيل تنسف مقومات التسوية السلمية. ولم تفطن حماس، وهي توغل في عسكرة الصراع علي موجة الحماس الشعبي المتدفق، انها تقدم الأسانيد لخطط شارون ومراميه، وعلي وقع عملياتها يروج النفاق الأوروبي لـ حق اسرائيل في الأمن . وبعد كل انتصار تحرزه السياسة العدوانية الاسرائيلية يزداد تعقد الموقف الفلسطيني ويتعقد الصراع. وبعد انتخابات كانون ثاني الماضي استثمر نهج التهرب من التسوية الوضع المترتب لمواصلة وضع العراقيل بوجه التسوية العادلة للصراع المحتدم. الحكمة السياسية تقتضي، قبل كل شيء، التمسك بنتائج الانتخابات الحرة النزيهة. يلزم رفض الحصار والتنديد به واستنهاض المقاومة الجماهيرية لممارسات اسرائيل العدوانية، وكذلك شن حملة دولية لفرض التراجع عنه. لن يكون من شأن الضغط لتشكيل حكومة يرضي عنها الغرب الا تغذية العناد الرافض للحقوق الوطنية الفلسطينية. ومن غير المعقول أن يتخلي رئيس السلطة عن رئيس المجلس التشريعي والنواب وأعضاء الحكومة ويقبل الالتقاء برئيس حكومة الاحتلال بدون شرط الافراج عنهم علي أقل تقدير. يتطلب الوضع توحيد الموقف الفلسطيني رئاسة وحكومة وفصائل ضد الحصار، وليس التجاوب مع خطة حمل الشعب الفلسطيني، عن طريق الحصار والتجويع، علي التخلي عن حماس لمصلحة فتح الأكثر اعتدالا . ان مغازلة فتح وكيل الثناء لها يضر بفتح ويزيد من عزلتها عن جماهير الشعب الفلسطيني. انها قُبلٌ مسمومة.ہ كاتب من فلسطين8