عبد الامير الركابي
نبهني صديق الي ما يبدو ان الامريكيين، وبعض محلليهم، قد بداوا يلتفتون له في الآونة الاخيرة، فقد كتب احد هؤلاء يقول: بان هنالك ما يوحي بان العراقيين، بداوا يتوحدون ضدنا، وان شيئا من وطنية عراقية آخذ بالنمو سريعا. ليس من الامور الحسنة ان يكون مصدرنا، الذي نعتمده في تزكية آرائنا، امريكيا.
غير ان الامريكيين، يشاركوننا الراي منذ فترة، وكتابهم، ومن يتعاطون شؤون التحليل السياسي منهم، اصبحوا شغوفين جدا بالمسألة العراقية، وهذا ما لم يحدث في تاريخ اية حالة استعمار سابقة، ان يتحول الرأي في البلد المستعمر (بكسر الميم)، وكانه جزء من منظومة التفكير العامة، بموضوع الاحتلال، وشجونه، ومقاومته، لا بل وحتي بتفاصيل هموم البلاد المستعمرة (بفتح التاء والميم). صحيح ان سارتر كتب عارنا في الجزائر، وكان ينزل شخصيا الي الشارع، ليوزع منشورات تدعو الي ايقاف الحرب هناك، الا ان قصة الجزائر وفرنسا مختلفة جذريا، الاستعمار الفرنسي كان استيطانيا واستمر قرابة قرن ونصف قرن، والموضوع الجزائري، اعتبر بمثابة شأن فرنسي داخلي، وهو كذلك الي حد ما، في حين ان الاحتلال الامريكي للعراق، قريب، وهو لم يتوطن، لكي يتحول فعلا الي ممارسة استعمارية مستقرة، الامريكيون يقفون منذ الغزو، علي قدم واحدة فوق ارض العراق مثل اللقلق، وانغماس مفكريهم ومحلليهم، في الشان العراقي، هو احد الدلائل علي هذه الحالة غير المستقرة، ذات الطابع العرضي، المزعج لاصحابه، اما كونهم يكتبون عنا بهذه الغزارة والاهتمام، فهذا دليل علي خلل في الآلة المعنية بتامين السيطرة.
لان الافكار عادة لا تصبح حاضرة، كوسيلة من وسائل تعديل، او تحسين المسار الاستعماري، الا حين تعجز الالة السياسية والعسكرية عن تبرير مهمتها، وتصبح قريبة من ان ترتد علي اصحابها، فلقد كان عار الفرنسيين في الجزائر، بمثابة احالة للمهمة الي مستوي، يفترض به انه بعيد عنها تماما، مع انه فرع من فروع المكونات والطاقات الوطنية، ـ الفكر والفلسفة ـ.. و الانثروبولوجيا انتجها الفكر الانكليزي، في سياق تعثرات التجربة الاستعمارية البريطانية، وهكذا كسبنا فرعا مهما من فروع المعرفة الاجتماعية والحضارية، بقوة المقاومة غير المباشرة للشعوب احيانا، وفعل خصوصيتها حين تمتحن وتستفز. الامريكيون اليوم، يكادون يتعرفون علي العراق، وقد اصبح بسرعه غير مسبوقة، منغرسا في اعماقهم، ينام معهم، اكبر عقولهم منشغلة به، بريجنسكي، كيسنجر، وطبعا نعوم تشومسكي، اكبر صحافييهم هيرش فريدمان، والقائمة تطول لدرجة ان ايا من الكتاب والمحللين الامريكيين، لم يسلم من هذه الحمي، يكفي ان ننظر الي قائمة الكتب، الموضوعة عن العراق، ونحصي عناوينها ووتيرة صدورها، خلال السنوات الماضية منذ عام 1991 لكي نتاكد ان ثمة مرض عراق، يقترب من هز اعماق امريكا، ويتجه نحو اعادة تعريفها لذاتها، وهذا مظهر فريد وجديد في التاريخ، ومنه، وعبره وباسمه، يمكننا ان نتابع انتباهات المبتلين بنا، لعلنا ننتقل الي تفاعل ما علي هذا الصعيد، بشرط ان نحافظ خلاله، علي قاعدة التوازن الاصلي. فالمقاومة العراقية، والدينامية الوطنية، والخصوصية العراقية، احالت امريكا الي قوة اسيره، فوق الارض العراقية، ولا ينبغي في مجال الفكر والتحليل، ترك هالات الكتاب الامريكيين الكبار منهم، او الصغار، تدفعنا الي الانحناء، هذه الجبهة هي ايضا جبهة صراع حاسمة، حتي وان كنا مبتلين باولئك الذين يصرون من بيننا، علي المشاركة فيها بدون اهلية، ولمجرد تسويد الصفحات، وبتعد علي مجالات لا يحق لهم الخوض فيها.
هل هنالك بالفعل من نهوض متوقع، او مرتقب، لـ وطنية عراقية نلمسها اليوم؟ اذا قرأ الامريكيون الاحداث والتطورات الاخيرة علي هذا المنوال الاستباقي، فانهم يكونون علي الارجح قد بداوا يتعلمون، مسلمين باحدي اهم خاصيات معركتهم العراقية، والتي ظلت تتميز بالدرجة الاولي، بـ حدة الدينامية، كما فاجاتهم دائما، بقوة وتسارع الانتقالات، وبتمخض التفاعلات السياسية والاجتماعية، عن معطيات جديدة، مما جعل اللوحة، والارض التي اصروا علي تجربة الوقوف فوقها، بعيدة كليا عن الجمود، هذه بالاصل، واحدة من اهم مميزات تكوين العراق، ان لم تكن ميزته الاكبر، واذا كان الامريكيون قد اقتنعوا، بان مسارات تفاعل داخل عمليتهم الاستعمارية التدميرية، قد اضطرتهم للانتقال خلال السنوات الاربع الاخيرة، من سياسة تدمير وسحق الدولة، الي مهمة او جريمة تدمير المجتمع، فلاشيء يمنع نفس المسار، من ان يتحول من هنا وصاعدا، نحو افق آخر، لعلهم لاحظوا بعض ملامحه الاولية تنمو الان، وقرروا ان الوحدة الوطنية وليس الحرب الاهلية المصنوعة من قبلهم، قد تكون هي ردة الفعل التي يمكن انتظارها، من هنا وصاعدا.
هذا شيء مفرح بالطبع، خاصة اذا كنا نملك من جهتنا، ما يجعلنا نوافق علي احتمال توطد هذه الوجهة، بانتظار مزيد من تبلورها، علي الارض، والعمل لها داخل كل موضع من مواضع الفعل والتاثير الوطنيين، ولكن المنحي المعاكس، للعملية الاحتلالية، يقابله عادة، اتجاه تصعيدي مقابل وخطر، ولقد قرات في الايام الاخيرة مقالا لكاتب امريكي يدعو الي الحرب الشاملة، لا اجد مفرا من ان الخص لكم اهم ما جاء فيه، مع ان الضرورة تقتضي التعرف علي كل كلمة تضمنها، ومع هذا ساجهد في التحايل، حتي اقلل الي ادني درجة، اقتباساتي منه، مع الحرص علي ايصال الرسالة الخطرة التي اعتقد انها كامنة فيه، او في خلفيته. المقال عنوانه (سيناريو الحرب الشاملة: هل ينهي الورطة الامريكية) وكاتبه هو جون ديل، مراسل حربي سابق، غطي الحرب الفيتنامية في الفترة بين 1966/1967، ويعمل في الكريستيان ساينس مونيتور، والمقال يحمل روحا خاصة، تفوح بقوة، ابتداء من جملته الاولي، فهو يبدأ بتذكيرنا فورا بـ (اومار برادلي) احد جنرالات الحرب العالمية الثانية، ليستعيد ملاحظته المهمة التي تقول في الحرب لا توجد جائزه لمن يحتل المرتبه الثانية، وتحذير الجنرال دوغلاس ماكارثر من خطر الدخول في الحرب دون امتلال العزيمة لكسبها، وهو ما يلاحظه شائعا اليوم بين الساسة الامريكيين، الموجودين منهم في البيت الابيض، وفي الكونغرس علي حد سواء، فهؤلاء برأيه يخوضون الحرب، وفي ذهنهم ان الهزيمة امر مقبول. ينتقل بعد هذا ليستحضر فصولا من الحرب العالمية الثانية، والقرارات الحاسمة التي كانت تصدر عن القيادات العليا، لقد دعا الرئيس فرانكلين روزفيلت وقتها، الي حرب شاملة علي دول المحور، وطالبهم باستسلام غير مشروط.
كان الجنرالات (من امثال دوايت ايزنهاور و جورج باتون ) يدركون جيدا، ما يتعين عليهم ان يقوموا به، فقد كسروا عزيمة المانيا واليابان علي الاستمرار بالحرب، وجاءت التكلفة عالية، من خلال سقوط مئات الالاف من المدنيين في دول المحور، وبحلول عام 1945، قادت الحرب الشاملة المعلنة ضد الاعداء، الي صعود كرة ضخمة من اللهب فوق مدينة دريسدن الالمانية، نتيجة 3 الاف طائرة، امريكية وبريطانية، حجبت الشمس، واغرقت المدينة في موجه من النيران العاتية، حيث قدر عدد القتلي بحوالي 135 الفا من الالمان، جلهم من المدنيين، ولم يمض علي ذلك اليوم الرهيب سوي بضعة اسابيع، حتي شنت الطائرات الامريكية، غارات مشابهة علي طوكيو، تسببت في صعود كرة هائلة من النيران، وقتل اكثر من 84 الف ياباني اغلبهم من المدنيين، وبعد ذلك باشهر، القت الولايات المتحدة الامريكية، قنبلتين ذريتين علي اليابان، محققة النصر ومنهية الحرب.
المهم في المقال ايضا، انه يركز علي ان القرارات الصارمة هي التي تحدد المسؤولية الاخلاقية، وانه لا يوجد والحالة هذه هدف محرم، فالمسؤولية الاخلاقية الاولي هي كسب الحرب ضد الفاشية، وحين يعود الي العراق يتساءل لماذا لا نعود الي التجنيد الاجباري بدل الاعتماد علي جيش من المتطوعين؟ ثم يقرر بان امريكا قادرة علي كسب الحرب في العراق ان هي ارادت ذلك، ومن الملاحظات المهمة التي يتطرق لها، موضوع الحرب المحدودة، فهو يقول ان ما تفعله امريكا في العراق، ليس حربا شاملة، والتردد والتركيز علي اهداف متفرقة هناك، عائد الي الالتباس الاخلاقي، الذي ما يزال يلف الحرب في العراق، بينما الاعداء هناك يشنون حربا شاملة، ويقول بان التاريخ لا ينظر بعين الرأفة الي الحروب المحدودة التي لا تحسم الحرب ولا تحقق الانتصار.
اخيرا يري الكاتب ان الحرب المحدودة التي تخوضها الولايات المتحدة في العراق ـ جعلت ـ المدنيين في منأي عن الضغط، مقدمين كل سبل الدعم والتاييد للمتمردين، وبينما تشن امريكا حربها المحدودة والضيقة، يخوض المتمردون من جانبهم حربهم الشاملة، التي لم تعد تستهدف الامريكيين والبريطانيين فحسب، بل تستهدف ايضا المساجد والاسواق المفتوحة، والمطاعم والمحلات، فضلا عن المباني الحكومية، وجميع اماكن تجمع المدنيين ويختم حديثة بمقولة لمارشال سلاح الجو روبرت سوندبي الذي يقول: ليست المسالة فيما اذا كانت هذه الطريقة او تلك في خوض الحرب لااخلاقية، ذلك ان ما هو غير اخلاقي فعلا، هي الحرب نفسها، فما ان تندلع الحرب الشاملة حتي تفقد الطابع الاخلاقي، او الانساني، واذا ما حاول احد انسنة الحرب، فالراجح انه سيخسرها.
كنا نظن قبل الآن، ان الحروب قد نزع منها قدر كبير من الوحشية، بفعل التكنولوجيا وهذا ما لا يتعرض له الكاتب هنا، فالعالم قد دخل كما هو متداول، منذ عقود، طور الحروب النظيفة، وتحولت الحسابات والمواقف الدولية والانسانية العامة للحرب، الي استقصاء اصغر الهفوات والمحرمات، ومنها التعرض باي شكل للمدنيين، بحيث كان لموضوع مثل سجن ابو غريب، وقع الصاعقة علي الاحتلال، وعموما فان الغزو الامريكي للعراق، يعامل برمته ومنذ حدوثه، بقدر من الحساسية الاخلاقية، ليس لها اي صلة بعالم الحروب في القرن الماضي، وبالذات الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، ومن الصحيح حسب مقاييس الحروب القديمة، ان اداء الامريكيين في العراق، ليس بذات الفظاعة التي يتطلبها الكاتب، وبالامكان القول بانها حرب فاترة، ولا تستقطب الاستنفار الفعلي من الطاقات والقدرات الامريكية، والاهم من ذلك، هو انها حرب تقليدية، انتقلت بعد الاحتلال الي حرب لامتوازية، وهو نوع الحروب التي دخلت مؤخرا مجالات العلم في الاكاديميات العسكرية، باعتبارها حرب المنظمات والاشخاص الذين يسقطون التوازن في النيران، والقدرات التعبوية، وغيرها من وسائل الحرب المعتادة، مع ان بعض العسكريين والمعلقين العراقيين والعرب، ما زالوا حين يتحدثون عن المقاومة العراقية، يصفونها خطأ وكانها نمط من حروب العصابات، وليست هذه هي النقطة الجديرة بالاهتمام، في هذا المقال، فالكاتب يتجاهل حقائق اصبحت راسخة، ليحيلنا فورا الي عالم تم تجاوزه، حتي من دون تقديم مبررات تاريخية او نظرية، بحيث نجد انفسنا فجأة، امام مشهد من مشاهد الهول والفظاعة المعروفة في حروب القرن الماضي.
وكل ما يعتمده الكاتب، هو مبررات شكلية، تقول بان مباديء الحرب ثابتة ولا تتغير، الملفت ان وزير الدفاع الامريكي، تحدث مؤخرا عن سيناريو قاتم لعواقب انهيار العراق، وفي زيارتة الاخيرة لمصر، سمعنا نغمة مبطنة جديدة، تهدد الدول العربية والخليج من نتائج فشل امريكا في العراق، هذا بينما القاعدة في بلاد الرافدين، تعمد للانتقال الي سياسة الارض المحروقة، واستعمال الكلور، واستخدام الاطفال والنساء في العمليات الانتحارية، وتدمير الجسور، وقتل المئات في كل يوم، وخوض حرب داخلية للسيطرة علي القرار، في المناطق الحاضنة للمقاومة العراقية، وهو ما يبدو وكأنه التبرير المقابل، لآراء من هذا النوع، وهنالك ما يثير القلق بقوة، من ان تكون مهمة القاعدة الاولي الان، هي تبرير الانتقال الامريكي، الي الحرب الشاملة، مثلما كانت وراء سياسة صناعة الحرب الاهلية وخطة تدمير المجتمع.
ان نغمة التحذير من نهوض وطنية عراقية وتبلورها بسرعة، تدخل ضمن هذه اللوحة باعتبارها الباعث الفعلي لاحتمالات انقلاب الموقف الامريكي، فما يلوح من مؤشرات علي التقاء المقاومة العراقية، وقواها في جنوب وغرب العراق، هو التطور الفعلي، الذي يؤرق الولايات المتحدة (لا تنسوا ابدا دلالات وتفاعلات ارتفاع مئات الالاف من الاعلام العراقية في النجف)، سوي ذلك، دعوني هنا اذكر بعض المعلومات، التي تؤيد ما قد يذهب اليه المحللون، بخصوص احتمالات نشوء طور جديد من الحرب الامريكية علي العراق، فلقد تلقينا بمجرد ان بدانا التحرك مؤخرا لبلورة، صيغة آلية وطنية تجسد الموقف الوطني والمقاوم الشامل، نصائح من قوي اقليمية ودولية، بضرورة التأني وعدم الاستعجال، وقد فهمنا من تلك النصائح، ان الامريكيين قد يكونون بصدد تجميع اوراقهم، قبل بدء التحضير لحرب جديدة، يكون طابعها شاملا، وان بروز مركز قيادي وطني عراقي، حاليا، سيكون واحدا من الحجج والمبررات التي يقدمونها للراي العام الامريكي، حتي يبرروا تلك الحرب. اما القاعده، فهي تقوم بدورها الآن، علي احسن وجه، ولكن البعض يرددون سيناريوهات اخطر، منها ان تقدم القاعدة قريبا، علي استعمال سلاح كيماوي اكثر فعالية، وترتكب جريمة مروعة بحق السكان، او اي من الاهداف الحساسة، لكي يصبح مبررا بعدها، قيام حملة يقودها الجمهوريون، وهم علي اعتاب الانتخابات الرئاسية، تحت شعار ضرورة الانتقال من الحرب المحدودة، الي الحرب الشاملة الواردة في المقال آنف الذكر. هل يمكن تصور مثل هذا الانتقال الامريكي، في مجال التعبئة ووسائل الحرب؟ نعم هذا ليس مستبعدا، فالاستحالة التي تقف بوجه الاحتلال الامريكي، وتمنعه من تحقيق الحد الادني من اهدافه، تبرر مقارنة، بحجم مصالحه الكونية الموجودة في العراق، العودة الي منطق الحرب الشاملة للقرن الماضي، وفي مثل هذه الحالة، تكون الادوات والعوامل المساعدة، من جنس ما هو مطلوب، و القاعدة هي من هذا النمط من القوي، فخوض حرب لامتوازية شاملة، ضد الاحتلال، يمكن ان يوفر اساسا، لرجعة امريكية لمنطق الحرب الشاملة، بوسائل وزخم ولااخلاقية حروب القرن الماضي، مع كل ما هو متاح ومتوفر الآن، من تطور تكنولوجي. ما يزال الصراع الفكري والمصيري، بين الولايات المتحدة والعراق، ابعد من ان يحسم، او يصل الي نقطته التاريخية الفاصلة، فالطريق طويل، والآلام المنتظرة هائلة، والسؤال الذي يجب التركيز عليه اليوم هو: تري هل العراق والمنطقة علي مشارف الحرب التدميرية الثالثة؟ ہ كاتب من العراق يقيم في باريس8