الوعي التعبوي أولا وأخيرا

حجم الخط
0

الوعي التعبوي أولا وأخيرا

بدي ولد ابنوالوعي التعبوي أولا وأخيرا (1)لقد سمحتْ الأشهر السبعة عشر الأخيرة بمستويات معتبرة من التفكك التدريجي للسلطة الرمزية التي ظلتْ تتمتع بها الشرائح المتنفذة المرتبطة بالنظام الموريتاني المنهار. وكان ما سمي بــ أزمة المستقلين ضارة نافعة مكنت أولا من إلقاء مزيد من الضوء الفاحص علي مناطق النفوذ التي ظلتْ الشرائح المعنية تستثمرها وعلي التمددات النصف خفية التي تعضدها وعلي مرتكزاتها اللامباشرة وخصوصا علي الإطار الأعمق الذي تمثله البنيات المؤسسية الخلفية التقليدية والرسمية. وقد ظهر بين نقاط أساسية أخري أن الأزمة الاجتماعية والأخلاقية النفسية التي تطحن النخب والشرائح المتنفذة الموروثة عن العقود الأخيرة والتي حاولنا تحليل عدد من جوانبها في مناسبات سابقة قد صارت جزءا ماديا ملموسا من أزمة السلطة السياسية ومن أزمة تمثلها. غير أنه وفي المستوي الآني الميداني فإن تلك الحالة قد أضعفتْ حظوظ الشرائح المعنية في امتلاك مشروع خاص بها فيما يتجاوز الخطط والخطط الجزئية المضادة بالرغم مما توفر لديها من إمكانيات مادية وشبه مادية بل وإلي حد ما من خبرات تعبوية في خلق ولاءات تعتمد بداهة في أغلب الأحيان علي شراء الذمم أو ما في معناه. (2)كما مكنت أزمة المستقلين وما تلاها خلال الحملات الانتخابية من اكتشاف حدود المفاصلة التي تشكلتْ في الأشهر بل وفي السنوات الأخيرة. حدود مصلحية وإلي مستوي ما مبدئية بدأت تتشكل علي أسس جديدة. ولا مراء في أن الولاءات التقليدية ما تزال تلعب دورا فاعلا ولكنه لم يعد إحصائيا إلا عاملا بين عوامل كثيرة. فالمعادلة لكل مُواطن بالغ صوته وإن لم تعط أقصي ما تستطيع أن تعطيه، لأسباب يعسر تخطيها مرحليا إلا بصفة عرضية، فإنها لعبت دورا واضحا يتناسب، في ظل المعطيات الأخري المتضافرة، مع التحسينات الفنية النسبية التي عرفتها الاقتراعات. وهي تحسينات يلزم أن تظل محل اهتمام حثيث وموضع ضغط وتعبئة مستمرين. (3)إلي ذلك مكنت أزمة المستقلين من إدراك حجم الاهتمام الخاص الذي باتت توليه هيئات المجتمع المدني عبر العالم بالتجربة الانتقالية الموريتانية. فسمحتْ تلك الأزمة باستنفار هذه الهيئات بأسهل بكثير مما كان عليه الأمر في الماضي. ومهما يكن الدور الإيجابي لتخوفات الدول الكبري المعنية بالشأن الموريتاني من أي عودة إلي مرحلة الاحتقان الذي يهدد مصالحها فإن تجربة العقود الأخيرة تُثبت أن أغلب هيئات المجتمع المدني في العالم قد أضحتْ تمثل أبرز وسائل الضغط علي المؤسسات الحكومية الرسمية الخارجية كما علي المؤسسات الحكومية المحلية وأن دورها أضحي مركزيا من منظورات عديدة في مسلسلات التغيير السلمي. ومن هذا الاعتبار يُتوقع أن تكون مشاركتها الرقابية المباشرة أو غير المباشرة في الاقتراع الرئاسي القادم أكثر حسما من مشاركة مراقبي المؤسسات الدولية الرسمية علي أهمية الأخيرة، بل إن الهيئات المدنية هي ما يمنح حضور المؤسسات الرسمية مستوي ما من الفاعلية والجدية. لا سيما أن السنوات الأخيرة قد أقنعت عددا من صناع القرار الأوروبي المعنيين بالشأن الموريتاني بأن أي سلطة لا تتمتع بحد أدني من الشرعية الشعبية والتفاهم الجماعي السياسي لن تستطيع تفادي أزمة الاحتقان في بلد يمر بظروف حساسة محليا وإقليميا ودوليا. (4)بيد أنه لن يمكن منح المعطيات الجديدة كامل دلالتها الفاعلة والمثمرة ما لم تتضافر عوامل الضغط الموريتاني الداخلي والخارجي علي الصعيدين السياسي والمدني. ومن هنا أهمية أن نتدارك جميعا أنفسنا وأن نزيد الإلحاح علي الأهمية المحورية للاقتراع القادم بالنسبة لحاضر ومستقبل البلد. وهو مستوي من الوعي لا يمكن أن ينعكس سلوكيا إلا إذا تم أخذ الحملة الانتخابية مأخذ الجد نقاشا وتمحيصا وتم الحد من المستوي الكرنفالي لصالح المستوي البرنامجي. التغيير مسلسل مركب بداهة، واستبدال الأفراد مهم ولكن أهميته محدودة إذا لم تُجسِّد تغييرا في أنماط التفكير والممارسة. هدف التغيير السياسي، ولنتذكر ذلك مرة إضافية، هو تغيير منطق الحكم وأسلوبه في العمق لا في السطح. وبالنسبة للحالة الموريتانية فإن تجاوز الحكم الفردي أو الأوتوقراطي كأحد الأولويات الجلية يتطلب نقاشا بعيدا عن الاحتفالية يهيئ نفسيا ورمزيا المترشحين لاستجلاء معني المهمة التي تنتظر أو يُفتَرض أنها تنتظر أحدهم كتكليف لا كتشريف. ہ كاتب من موريتانيا يقيم في باريس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية