الوعي الثقافي ومتغيراته في ظل الحراك الشعبي العربي

علي لفتة سعيد
حجم الخط
0

بغداد: تشهد بعض البلدان العربية حراكا شعبيا جديدا، سواء كان ذلك في سبيل التغيير الكـــــلي للواقــع السياسي، أو طلبا لإجراء بعض الإصلاحات والتغييرات في المنهج السياسي في هذه الدولة أو تلك.

وأمام ما يمكن أن يتحقق من هذه المتغيرات، سواء كانت إيجابية أم سلبية، هل بالإمكان أن تتأثر الثقافة بهذا الحراك، الذي قد يصل إلى حد الثورة؟ وهل يمكن أن تؤثر الثقافة في تثوير أو تعديل المسار العام للحركات الشعبية؟ وبالتالي هناك واقع ثقافي جديد قد تفرزه هذه الأحداث، التي تعد الموجة الثانية لما اصطلح على تسميته بالربيع العربي؟

الثقافة والتغيير الحقيقي

الأكاديمي والمفكر المغربي خالد التوزاني يقول، إن الحديث عن الثقافة والحراك الاجتماعي أو السياسي في بعض المناطق والمواقع، حديثٌ عن صِلةِ الثقافة بالاحتجاج عموماً، سيضعنا أمام ثقافات، وليس ثقافة واحدة، كما يضعنا أمام أنماط من الاحتجاج وليس حراكاً شعبياً محضاً. فالثقافة احتجاج على الذات قبل كل شيء وثورةٌ على الجهل وإصلاحٌ وتهذيبٌ. فالثقافةُ مسارٌ في التغيير يبدأ بإصلاح النفس وتدريب العقل، ويجعل رؤيتنا للعالَم أجمل وأفضل، فحضور الثقافة ضروري لمواجهة البشاعة والقبح، والثقافة تستطيع أنسَنَة الاحتجاج ليكون في الاتجاه السليم، وهو إصلاح الذات أولًا، ويبين أيضا أن العدو الأكبر للإنسان يقبع في داخله، وليس في الخارج ليس إنساناً آخر، بل نفسه التي بين جنبيه، إنْ ألزمها الحقَّ وربَّاها حَسُنَ حاله، واستقام عيشه وطاب مقامه. وهذا تماما ما تفعله الثقافة، أن تصنع التغيير الحقيقي، باستهداف العدو الأول للإنسانية، تلك النفس التي تريد الامتداد والتوسُّع والامتلاك، فتنفجر في النهاية بما امتلأت به وهو الهواءُ، النَّفَسُ، اللاشيءُ، لأنّ كمال النَّفسِ في التنقيص منها، وتمامها في تقليل قدرِها، فخطرها الأكبر في استكبارها وعلُوّها، فهي القادرة على جعل الإنسان مدركا لحقيقة نفسه، بخلاف اللاثقافة تجعله يتوهّم القدرة على تغيير العالَم وهو في الأصل عبداً لنفسه.

الابتعاد عن المشهد

الروائي والقاص المصري سمير الفيل، يعتقد أن الثقافة لا تقف بمعزل عن الأحداث السياسية، في كل قطر عربي، مع اختلاف الظروف، وتباين موازين القوى، بل يعتقد أيضا أن حركة الاحتجاجات التي بدأت اقتصادية كرد فعلٍ على غلاء المعيشة واستشراء الفساد والنهب المنظم وسيطرة القيادات السياسية القديمة بوجوهها التعيسة والمدربة على القفز فوق الحبال، واستئثارها بالشأن العام هي البداية. ويضيف غير أن التصاعد في حركة الاحتجاج، رفع سقف المعارضة، فانتقل المتظاهرون من السياق الاقتصادي إلى سياقات أخرى بعضها سياسي، والبعض الآخر يدور حول حركة المجتمع، ورفضه للاستبداد السياسي وتفشي النزعات القديمة. ويرى أنه لكي تنجح أي ثورة، لابد أن تكون لها أهداف واضحة، وفي الوقت نفسه تكون لها قيادات مدربة على الحركة والمناورة، وبسط طلباتها المستقاة من الناس، فلا حياة لثورة تخلي مقاعد السلطة المتيبسة لسلطة أخرى، تنتهج الطرق الملتوية نفسها في قهر الجماهير أو تغييبها. ويرى الفيل أن هناك خطرين يقفان في وجه حركة الإصلاح المشروعة، الأول: أن تستولي بعض الأطراف المنتمية للرجعية العربية، بما لها من أفق ديني متشدد، على الاحتجاجات وابتلاع الثورة، وبالتالي تحدث مأساة تتمثل في البدء من جديد لفرض هيمنة العمامة، مقابل الكاب العسكري. ويشير إلى أن الخطر الثاني هو أن تستغل جماعات العدمية والبلطجة ظاهرة الثورة، لنشر الفوضى والخراب، في أقطار تحتاج إلى التحديث، ونشر العلم ومجاراة العصر، فتقع في ما هو أسوأ. ويرى أن الحالتين حدثتا في مصر لبعض الوقت، ويؤكد على أن هذه الأحداث انعكست على الفضاء السردي أو الشعري أو المسرحي، ولكن الأمر يحتاج إلى أن تبتعد عن المشهد بشكل واع مسافة زمنية ومكانية مناسبة، حتى يمكنك رصد ظاهرة الثورة بشيء من النزاهة والصدق والشفافية.

في أغلب المجتمعات البشرية تكون الثقافة المجس الأكثر حساسية، ودقة اتجاه استشعار أو التقاط أيّ حراكٍ أو تحوّل اجتماعي أو سياسي جماهيري جمعي قادر على إحداث خلخلة في الوسط الاجتماعي والثقافي والسياسي، السائدة لدى شعب من الشعوب.

شريان الثقافة

في حين يرى الناقد العراقي حيدر جمعة العابدي، أن في أغلب المجتمعات البشرية تكون الثقافة المجس الأكثر حساسية، ودقة اتجاه استشعار أو التقاط أيّ حراكٍ أو تحوّل اجتماعي أو سياسي جماهيري جمعي قادر على إحداث خلخلة في الوسط الاجتماعي والثقافي والسياسي، السائدة لدى شعب من الشعوب. ويضيف بما أننا أمام سؤال هل تتأثر الثقافة في هذا الحراك أو التحول الشعبي؟ تكون الإجابة أن الثقافة في مجتمعاتنا العربية بكل تمثلاتها القيمية والسلوكية هي الفاعل الأكثر تعبيرًا عن نمط وجودنا، لما تملكه من حضور فاعل وقوي عبر رمزيات دينية وسياسية واجتماعية، متغلغلة عميقا في بنية اللاوعي الجمعي لشعوبنا العربية، لدرجة القداسة والتقديس، كونها روحا وهوية تعبر عن وجود شعب انبثق منها وانبثقت منه. ويرى أن الثقافة هي الوسط الأكثر تأثيرا والأسرع تأثرا في نوعية هذه التحولات، من حيث الشكل والمضمون وفاعل موضوعي تستمد منه الجماهير والشعوب وجودها، وتدافع بها عن تصوراتها اتجاه تحديات الحياة، كما أنها تتأثر بالتحولات السياسية والمعرفية والمادية الكبرى، سلبًا أو إيجابًا حسبما يفرضه سياق التحولات، التي غالبًا ما تأتي عن طريق ثورات الإصلاح والتجديد، التي باتت تشكل في عصرنا هذا ما يطلق عليه الربيع العربي. فالثورات هي الشريان الوحيد القادر على تطوير بنية الثقافة وتصحيح المسار التنموي من الداخل، عبر إعادة تنشيط وبناء وترتيب موقع القيم السائدة، ومن الخارج من خلال إيجاد منظور جديد وزاوية رؤية مختلفة، تمكننا من التعرف على موقع وجودنا وفق شروط الأنا والآخر، بصورة أكثر واقعية وحقيقية، وهو ما يعكس أهمية النشاط والتجديد الثقافي، ودوره في فهم أنفسنا، وكأنها مرآة تظهر بوضوح من نكون وما نريد أن نكون وكيف نكون.

الثورات الشاملة

ويعتقد الشاعر العراقي عمران جاسم العبيدي، أن الثورات أو الانتفاضات هي متغيرات شاملة إلى حدّ كبير. بمعنى أن المتغيّر الذي يحصل في الواقع السياسي والناتج عن تلك الثورات، هو انعكاس لمتغير أشمل وأعمق، ولا يمكن أن يكون الواقع الثقافي بمعزل عن تلك المتغيرات من ناحية التأثير والتأثر، وهو أمر طبيعي إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الواقع الثقافي أحيانا هو نتاج لواقعٍ سياسي، إلى حد ما. ويرى أن السلطات في بعض المجتمعات تلقي ظلال ثقافتها على الواقع الثقافي، وإن تباين ذلك التأثير من مجتمع لآخر، لذا هو يجد أن تأثير الثقافة والمثقف على مجتمعه في إحداث المتغيرات واقع لا محال، فالثقافة والمثقف تبقى تأثيراته واضحة على حركة المجتمع، وإن أصابها الركود أحيانا. لذلك تجد الأنظار تتجه إلى المثقف في ما سيقوله وما سينتجه لبلورة حركة جديدة في المجتمع. أما تأثر الثقافة بالمتغيرات فهو واقع أيضا، حيث أن مساحات واسعة ستُخلق أمام الكاتب، وتحولات جديدة تفتح أمامه لإنتاج نمط جديد من الثقافة والأدب. وسيكون أمام الكاتب مواضيع للكتابة والنقاش والرصد، تتيح له قراءات جديدة لما يشهده المجتمع من تحول فكري إزاء الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية. ويعتقد أيضا أن الثورات قد تؤجّجها الأوضاع السياسية أو الاقتصادية، لكن في الناتج العام هي ثورات شاملة تغطي مساحة الحياة الأوسع. لذا فإن التأثير من ناحية تثوير المجتمع حاصل، والتأثر في خلق أنماط ثقافية جديدة أيضا حاصل، لأن الحياة شاملة لا يمكن تجزئتها.

هشاشة التأثير

وعلى الجهة المعاكسة يرى الكاتب العماني طلال الحضرمي، أن الثقافة التي تتأثر بالمتغيرات السياسية والاجتماعية هشّة لا خير فيها، ويرجع ذلك إلى أن الثقافة الرصينة هي التي تؤثر على الواقع، وكل حراك مبني على ثقافة متزنة حليفه النصر لا محال، ولا بد في هذا السياق القول بكل شفافية وأسف، إن الثقافة العربية ليست مستعدة لقيادة التغيير، أو إطلاق حراك حقيقي في هذه المرحلة على الأقل، فهناك صراع محتدم بين مكونات الثقافة نفسها، منه ديني وعرقي وطائفي، ولا أجزم أن الأنظمة الاستخباراتية القمعية في بعض بلداننا، كانت سببا متفردا، فهناك مؤامرات مقبلة من خلف الحوض الأبيض المتوسط، أو من قلعتهم الحصينة التي شيدت بين نهري النيل والفرات. إضافة إلى اضمحلال في الفكر العربي، حيث نجد المتلقي غير راغب في الأدب الراقي، مكتفيا بالفكاهات والغراميات، وحتى الفن الغنائي الذي كان مصدر إلهام للمتذوق العربي، ما عاد كذلك، فلا نجد إبداعا جديدا منذ عقد الثمانينيات للقرن المنصرم، وكل تلك الأغاني الوطنية أو القومية لا تتعدى كونها مجاملات مدفوعة الثمن التي ينبذها رجل الشارع العربي، وأما الدين فلم يتبق منه إلا أحكام التعبد وبعض التشريعات القضائية، وحتى لا يتهمني البعض بأنني منتم لزمرة الملحدين، أقول بكل إيمان لا بد من استخلاص منهج فكري قويم من الدين حتى تسطع شمسه لتسحق ظلام الفتن، في موجة الربيع العربي، أو كما أسميه أنا الخديعة الكبرى. ويضيف.. قد يكون الجواب سلبيا محبطا، ولكنه الواقع الذي لا بد من تغييره إذا ما أردنا النهوض من جديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية