نواكشوط-“القدس العربي”:القليلون هم الذين يتمكنون من تنظيم وقتهم، وغالبنا تختطفه تقلبات الحياة وتمنعه من التحكم في وقته الثمين.
ومعركة الإنسان مع الوقت مستمرة: فعمر الإنسان محدود، وهناك جزء منه يقضيه مريضا، وينام الإنسان العادي 25 عاما طوال حياته، أي أنه يقضي ثلث حياته نائما، إذا افترضنا أن متوسط عمره 75 عاما.
وأكدت دراسة طريفة تناولت تنظيم الوقت “أن الإنسان في عمر الستين يقضي نحو 9 أعوام من عمره في العمل، ونحو 13 عاماً في النوم، ونحو عامين وأربعة أشهر في الأكل، أما في زيارة الأصدقاء والأقارب مشاهدة التلفاز، فإن الإنسان يخصص لها 4 سنوات و9 أشهر، من حياته”.
وقدرت الدراسة تخصيص النساء لما مجموعه سنة كاملة للتسوق، والتجول بين المحلات وداخل الأسواق.
والطريف أن الدراسة توصلت لنتيجة مقلقة هي أن الإنسان يقضي في العمل والنوم، والأكل، وزيارة الأصدقاء ومشاهدة التلفاز، والتسوق نحو 29 عاماً و3 أشهر، وبالتالي فإنه يملك 10 سنوات و9 أشهر تقريباً، يقضيها ربما في ازدحام الطرقات، والتفكير، والدراسة إن أراد، أو ربما تذهب سدىً.
ومع كثرة الشكاوى من هدر الوقت وضياعه سُدًى دون أي فائدة تُذكر، فالقليلون هم من يهتمون اليوم باستغلال وقتهم لإنجاز العديد من الأنشطة والأمور الحياتية المُهمة.
ويكون الوقت بالغ الأهمية إذا كان عمل الإنسان يتطلب سرعة أدائه وإنجازه في أقصر مدة مُمكنة.
وعوامل هدر الوقت كثيرة ومن أبرزها اليوم الإبحار في عالم النت؛ فالغالبية يعيشون معظم وقتهم عاكفين على الجوال، ووصل الأمر إلى أنك تجد أسرة جالسة في صالون ولا تخاطب بينها فكل فرد منها منكب على جواله أو لوحه.
ومن عوامل هر الوقت طول الزيارات والدعوات للمناسبات؛ فصديقك أو جارك لا يرى مشكلة في زيارته لك لمدة تستغرق أربع ساعات متواصلة، ولا يرى أية مشكلة في دعوتك لمناسبة اجتماعية تهدر فيها ساعات طويلة غالية من العمر.
ولا يولي الكثيرون أهمية التخطيط لجدول النشاط اليومي وترتيب أولويات الأنشطة فيضيع يومهم دون إنجاز.
ويتحدث دارسو هذه القضية عن ضعف الإرادة فقد يكون الشخص مقتنعا بقيمة الوقت لكنه عند التنفيذ لا يفعل شيئاً وتبقى المهام المُخطط لها مجرد حبر على ورق.
أما الفراغ فهو سلاحٌ ذو حدين فإن نحن ملأناه بالعمل النافع أو أي شيءٍ جيد يعود بالفائدة على المجتمع، كان الفراغ نعمةً عظيمة، أما إذا أُسيء ملء الفراغ فسيصبح نقمة وبابا لمشكلات عديدة.
وقد لا يكون الفراغ سلبيا إذا استغله الإنسان في تطوير ذاته وتنمية إبداعاته وقدراته، أما إذا خلا من هذا فسيكون وبالا يحول الشخص إلى عضوٍ مشلول في المجتمع، وقد يقود فئة الشباب إلى المحرمات، بل للشذوذ، لكونه يسبب الملل الذي يثقل الحياة.
ومن أغلى المهارات التي يجب على المجتمع الاهتمام بها مهارة تنظيم الوقت، التي يجب أن تحول إلى مادة تعليمية ينشأ الصغار على تلقينها وفهمها حتى إذا كبروا يترعرعون على أهمية تخطيط الوقت وعدم هدره.
ولا يعني تخطيط وتنظيم الوقت أن نحول حياتنا كلها إلى جد لا راحة ولا ترويح فيها، بل المقصود هو تنظيم الوقت لتخصيص أجزائه بين متطلبات الحياة ولوازمها ومن أهمها الراحة ومستلزماتها والبحث عن السعادة وملذاتها.
ويقترح الاستشاريون النفسيون طرقا كثيرة تساعد على سدّ فراغ الشباب منها شعور الإنسان بأهمية وقته ودوره في تنظيم الحياة دون تخبطٍ وعشوائية إضافةً إلى ترتيب المهمات كل منها على حدة وعدم خلطها ببعضها وكذلك الحرص على مدة فترات الراحة.
ويجب أن يكون لكل شاب أعمال اعتيادية يمكن أن تسدّ وقت الفراغ كحضور الندوات وممارسة الهوايات ومطالعة الكتب الثقافية.
ويظل تنظيم الوقت تحديا يواجهه كل واحد منا يوميا في دوران حياته؛ وبقدر ما تمكنا من تنظيم أوقاتنا بقدر ما تغلبنا على جميع المشاكل النفسيّة والاجتماعيّة وحتى الاقتصاديّة؛ وبقدر ما حسنا من إنتاجيتنا الفكريّة والثقافيّة، وبقدر ما زدنا من قدراتنا واستجمعنا ما يلزمنا لمواجهة صعوبات وضغوطات الحياة.