مسلسل يطل على المشهد الحاضن للتغيرات العربيةدمشق – من عمر الشيخ: هي شراكة شعرية، لم تكتب في مجموعة ملونة زاهية، لكنها تشكلت على شاشة التلفزيون عبر عمل درامي استثنائي (الولادة من الخاصرة) شراكة بين أسلوب الكاتب والشاعر سامر رضوان وبين عدسة المخرجة رشا شربتجي، العمل الذي لفت الجميع منذ دقائقه الأولى مطلع رمضان الحالي، منذ دلالاته الرمزية الأولى، الولادة غير الشرعية التي ستزرع انتهاكات إنسانية فيما بعد. في هذا العمل يدخل سامر رضوان عبر نص محكم الرمزية إلى أكثر جوانب الحياة صراعاً، حيث تقف مصالح أصحاب السلطة والقوة في سحق مجتمع فقير يعاني من هشاشة نفسية إثر ظروف معيشية يفرضها نهج التمييز الطبقي الذي يعيشه المجتمع السوري، فنشاهد صورة بانورامية تحتمل مجموعة من الخطوط الدرامية التي تلتقي معظمها في صدامية الصدفة النابعة من اضطهاد أصحاب القوة والمال والسلطة لأبناء وطنهم مقابل اتجاهات أنانية.
يدخل المسلسل إلى عمق الحي الشعبي والعشوائيات، ويعالج واقع الفقر من دون تحميل الأسر الفقيرة أمراض المجتمع وانحرافاته، كما يحدث في أغلب الأعمال الدرامية، فالفقر في ‘الولادة من الخاصرة’ شكل للقهر الإنساني وفضاء حر لحركة أشخاص همهم الأول العيش الكريم وطموحاتهم لا تتعدى لحظات من حلم جميل.
صراع الولادةيرتكز العمل على ثلاثة خطوط هي، جابر الفقير وحلمه في أن يفتح مشروعاً صغيراً لكنه يصطدم بمصائب البنوك وقروضها التي لا ترحم، ورؤوف الضابط الذي يبطش بالناس ثم يفاجأ بزوجته الخائنة. أما الخط الثالث فيتعلق بواصل صاحب معمل الألبسة وابنه الذي يقع في أخطاء كثيرة وخطيرة من بعد وفاة والدته فتحرضه خالته للإطاحة بأبيه من كل حياته وماله.
بين الواقعي والمتصور ينقلنا هذا العمل إلى شخصياته الخاصة فمعظمها تمثل حالات فردية، لم تركب تلك الشخصيات المخيلة، إنما جاءت من محيط الواقع في أغلب تصعيدها الدرامي. هي شخصيات تفرز حالة من الخوف المرضي أو الخوف النفسي من سطوة شخصيات أخرى، ويساهم في تفاقم هذا الخوف عوامل مختلفة تبدأ بالضعف الاقتصادي مروراً بتهتك الثقافة المجتمعية وصولاً إلى انحدار الطرف الذي من مهمته حماية الناس إلى استعبادهم.
فحكاية حارة العشوائيات التي تتعرض للهدم، لا تختلف عن قصة الزوجة المضطهدة للضابط الأناني التي تنتقم من جبروته بخيانته مع حارس بيتها، هدم حارة العشوائيات يحرّك فعل الهدم في نفوس أهل الحارة، لينتج عندنا ما يشبه ثورة ضد آلة القوة التي تريد أن تزيل بيوتهم بصفتها مخالفات لبشر طارئين، وبالتالي أن تزيل فعل المواطنة الوحيد الذي يمتلكونه على هذه الأرض.
صورة لنافي مقاربة أخرى تحيلنا رشا شربتجي إلى مهارة شابة وذكية في الاعتناء بأدق تفاصيل الصورة، فزواياها الشهيرة تكشف لنا قسوة الأسى الإنساني وقبح الفقر في أماكن عيش الطبقة المسحوقة من المجتمع، وفي المقابل تسلط الضوء على ترف أصحاب مراكز صناعة القرار ومدى صراعاتهم اليومية مع الثقة بالنفس وبالآخر وأمراض طفولتهم خصوصاً حين نكتشف أن هذا الحقد الذي يحمله الضابط رؤوف تولد من جدران الفقر التي كان يعيشها في ملجأ الأيتام فيحمل الضغينة على مقربة من حياته ليحارب بها كل من يشعره أنه لا يستحق أن يكون أباً لأنه يعامل الناس المستضعفين بقوته التي نشاهدها، من حرس ومركز وترف يشعره أنه ملك على العباد، وفي هذه المفارقات البصرية التي نعيشها مع كاميرا شربتجي لا نشعر أننا مع مسلسل درامي يحتمل الطرفة التي تسخر من واقع الألم والتراجيديات التي تنجبها الولادات غير الطبيعية من خاصرة المجتمع.
سلطة عشوائياتأبو مقداد (بلطجي) الحارة الذي يفتح عينيه على استغلال الناس جميعاً، فزجاجة العرق التي لا تغيب عن طقوس نميمته على الآخرين لا تعقم تشوهه النفسي والأخلاقي، فهو لا يكف عن التدخل بحياة سكان حارته خصوصاً في حياة جابر الفقير الذي يعمل لدى طبيب نسائية، فيطالبه بجلب قوائم النساء اللواتي عملن عمليات إجهاض وهنّ لسن متزوجات ليبتزهن بالمال والاغتصاب.
أبو مقداد نموذج حقيقي ويومي يمكن أن تصادفه في أي مكان وعلى اختلاف البيئة الاجتماعي، فهو حصيلة تركيبية لحيوانية الإنسان ورغباته الدنيئة بالنيل من أبناء حارته أو مؤسسته أو مكان تواجده، وبين مزاجية أبو مقداد وطيبة جابر نتلمس مدى اتساع فجوة المجتمع التي تسمى (السكن العشوائي) إذ إننا لا نلاحظ إغراق المخرجة هذا الجانب بكل تفاصيل المسلسل بل استثمرته بذكاء وخفة لتفضح من خلاله شخصيات رئيسية ستغير مسار العمل في نهايته.
إلى جانب أبو مقداد يجتمع اثنان من التوابع، أحدهما يعمل طبالاً في ملهى ليلي والآخر عاطل عن الحياة والعمل، هكذا تكتمل شلة أبو مقداد للضغط على جابر ولقيادة الحارة بفقرها وتعبها نحو جحيم سلطة جديدة يفرزها الجهل.
توقيت العاصفةربما يشكل هذا العمل الانعطافة الأبرز لدخوله إلى نتائج ما يمر به العالم العربي الآن من تحولات اجتماعية تستدعيها سطوة السلطة وفروق الطبقات الاجتماعية بين أفراد الوطن الواحد، إضافة إلى غياب حالة الثقافة النوعية التي يسلط عليها كاتب (الولادة من الخاصرة) الضوء مع خط درامي ثانوي هو مجموعة الشباب المثقفين الذين يعملون على جريدة إلكترونية تهدف إلى نشر الوعي والفكر وتعدد الآراء في السياسة والمجتمع والاقتصاد والعلم، في المقابل لا تنتظر هذه المجموعة الحماية من أحد فهي كما يقال تعمل في الصحافة الخطيرة وهي نقد المجتمع وأداء أصحاب القرار فيه.
شخصيات نازفةيلعب الفنان عابد فهد (رؤوف) دور الضابط صاحب السطوة والقوة والقرار فهو زوج لكل من سلاف فواخرجي التي يعذبها هي وأهلها بسبب الإجهاض، وكندة علوش التي يسجنها في البيت حتى تنجب له طفلاً، لكنها تخونه مع حارس البيت محمد قنوع كما ذكرنا.
تلعب الفنانة سلاف فواخرجي دور زوجة الضابط الأولى (سماهر) التي تجهض جنينها لأنها تشاهد كيف يتحكم زوجها برقاب البشر بسبب ومن دون سبب تحت ذريعة تلفيقات سياسية لا يناقش فيها القانون.
أما الفنان قصي خولي فيلعب شخصية جابر، الشاب الذي يتعرض للظلم هو وعائلته الفقيرة المتماسكة فتهب العائلة بقيادة الأم التي تلعب دورها النجمة منى واصف لحلها و’جابر’ كما باقي الشبان ذوي الأفكار الجديدة التي يريدون تغيير شيء ما في المجتمع ليصطدموا بآراء قديمة تمنعهم من ذلك، و’جابر’ يدور في هذا الاتجاه حيث يعاني من ردات اجتماعية على محاولاته للقيام بفعل ما يرى أنه يطور المجتمع.
الفنانة منى واصف (أم جابر) النجمة منى واصف تلعب دور أم جابر المرأة المعذبة مع عائلتها ضد الظلم وهي امرأة فقيرة تعاني مع أفراد أسرتها العوز والحاجة، ويكون جلّ اهتمامها مساعدة الأولاد والزوج في تسيير أمور الحياة، ورغم ذلك تصعق العائلة تباعاً بمشكلات خارجية تدخل إلى المنزل فتعصف بالاستقرار النسبي الذي يكون سائداً، إلى أن يتعرض ولدها جابر لتهمة السرقة فتهب العائلة، وعلى رأسها الأم، لمعالجة القضية وإثبات براءته.
بينما تجسد الفنانة صفاء سلطان شخصية نجوى زوجة جابر والتي تقاسمه ظروفه الصعبة والسيئة. أما سلوم حداد فيؤدي شخصية (واصل) رجل الأعمال الغني والد (علام) الذي يشعر بالذنب والعذاب فلا يبرح يؤذي نفسه كلما واجهته مشكلة.
كما يجسّد الفنان مكسيم خليل شخصية (علام) وهو ابن سلوم حداد في العمل.. شخصية شريرة وابن عاق حيث يحاول دائماً الاستيلاء على ثروة والده، ويكون في صراع دائم معه. وتؤدي الفنانة مها المصري شخصية أم حازم مديرة معمل (واصل) للنسيج.. والتي تحبه في نفس الوقت. ويقوم الفنان محمد حداقي بتجسيد شخصية (أبو الزين) بياع فلافل بعد طرد قصي من بيته يساعده ويحتويه هو وزوجته وأسرته.
الفنان ماهر صليبي يؤدي شخصية المقدم (فايز) الذي يناصر الحق ويحاول مساعدة جابر.
والفنان محمد قنوع هو (عابد) العسكري الحارس الذي يخدم في فيلا الضابط رؤوف يقيم علاقة غير شرعية مع الزوجة الثالثة للضابط واسمها شيرين.