الولايات المتحدة الامريكية التي لا مثيل لها

حجم الخط
0

د. أحمد رفيق عوض ذكرت بعض وسائل الاعلام ان السيدة هيلاري كلينتون صرحت بأن بلادها لا مثيل لها في العالم، ونحن بالتأكيد نوافق على ذلك تماما، فالولايات المتحدة الامريكية هي بلاد الخيارات المفتوحة، والثروات اللامحدودة، والكفاءات النادرة، والترسانات العسكرية المتجددة، والافلام المغرقة في سرياليتها واباحياتها. وهي ايضاً بلاد الديمقراطية المضبوطة والمسقوفة والحريات المحددة والمدروسة والمراقبة، والقوانين الشفافة التي يمكن اختراقها وتجاوزها وهي البلاد التي تتحكم بها نخب قليلة من اصحاب المال والرأي والاعلام والسياسية، وهي بلاد العقل البسيط الذي يرغب بتبسيط العالم وتسطيحه، وهي البلاد التي لا تعاني عقد الماضي وتبعات التاريخ، فهي التي لا تقدس الماضي ولا يرهقها التاريخ، وهي بلاد الاصوليات والسلفيات المسيحية التي ترفضها حتى كنائس كثيرة من أطياف وطوائف متعددة، وهي الامبراطورية العسكرية الجديدة التي لم تعد تستشير شعبها أ وتطلعه على مغامراتها، وهي التي تخترق القانون الدولي ولا تتقيد به، وهي التي تنشر 725 قاعدة عسكرية و12 حاملة طائرات وتنشر أكثر من نصف مليون جندي وجاسوس وتقني ومقاول في العالم لتراقب كل حركة فيه، حسب ما ذكره الجاسوس الامريكي السابق تشالمرز جونسون في كتابه’احزان الامبراطورية.. النزعة العسكرية والسرية ونهاية الجمهور’ الذي صدر مؤخراً بالعربية في القاهرة وترجمه الاعلامي المصري صلاح عويس. ويرصد الكاتب في مؤلفه هذا كيفية تحول الولايات المتحدة الامريكية الى امبراطورية عسكرية لا تهتم اطلاقاً بما تدعيه دوما من حماية للديمقراطية والحريات وسلام العالم، بل على العكس من ذلك تماماً، فهي امبراطورية مصممة على السيطرة على العالم بغض النظر عن الوسائل والطرق.

واستطراداً لهذا الكتاب، فهنالك مئات الكتب الاكاديمية المحترمة التي رأت في الولايات المتحدة امبراطورية تمارس النفاق والدجل وتكيل بمكيالين وتستخدم قوتها المفرطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في فرض شروطها على العالم كله. وانها وخلال ستين سنة تقريباً دعمت الانظمة الأشد ديكتاتورية وقمعاً وانكاراً لحقوق الانسان من أجل مصالحها أو مصالح حلفائها، وان سجلها في قلب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية كان سجلاً غير مشرف اطلاقاً. وأن الولايات المتحدة الامريكية قدمت نموذجاً سيئاً للانصياع للقوانين الدولية، فقد رفضت الادارات الامريكية التوقيع على كثير من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالجرائم والبيئة والسلاح والنقد. ونحن هنا لا نهاجم الشعب الامريكي اطلاقاً، فهذا الشعب – المتعدد الاعراف والثقافات والاصول والمنابت- يحيّد تماماً عن صنع قراراته واجنداته الحقيقية، ويغسل عقله ووجدانه وسلوكه باعلام ذكي ومحكم يحول بواسطته الى شعب مسطح ذي اتجاه واحد، بحيث يعتقد كل فرد انه حرّ تماماً على اعتبار انه يستطيع الاختيار ما بين البيبسي والكوكا كولا أ والهمبرغر الحار أ والهمبرغر العادي أو الحزب الديمقراطي أ والحزب الجمهوري. الشعب الامريكي مثلنا تماماً وأن تعددت خياراته، فهو جزء من ماكينة المال والاقتصاد القائم على التنافس الشرس الذي لا يرحم، ولكننا نتحدث عن ادارات امريكية ترى في العالم ملعباً للجولف ومنجما للمعادن وسوقاً للاستهلاك ومواقع للاستراتيجيا العسكرية وأُمماً وشبه امم قابلة للاندثار أو الاحتقار أ وكليهما.

ادارات لا يهمها ان تقوم حرب هنا أ وهناك، أ وتحتل بلد هنا أو هناك.

فهذا يفيد الصناعات العسكرية ويزيد الارباح ويحكم السيطرة ويزيح الاعداء أو يزعجهم. ولا تجد تلك النخب المسيطرة غضاضة في الترويج بأن الامريكيين- ولا نعرف منهم بالضبط- أنه امة خصها الله بالذكاء والنشاط. وانها شعب الله المختار الثاني- باعتبارها الأمة التي آمنت بالمسيح ورفضه الآخرون- وأنها المكلفة بانقاذ العالم وتغييره.. الى آخر هذا الهوس الديني السلفي الذي يجتاج قطاعات واسعة من الجمهور الامريكي الذي يتعرض الآن لأوسع موجة من هذا الفكر السلفي الذي رفضته وقاطعته كنائس كثيرة كما اسلفنا.

امريكا عملاق ضخم بالتأكيد ولكن عقله بسيط ومسطح، انه كالفيل الذي يقوده غلام هندي في العاشرة من العمر، هذا ما يقوله المخرج الامريكي الشهير مايكل مور في كتابه المثير ‘رجال بيض اغبياء’. الشبق والعنف والفخر والغرور والخيلاء والحمق هو ما نراه من هذا العملاق، وهو ما نكتوي بناره صباح مساء. هذا العملاق الذي يريد فرض الديمقراطية على شعب أفغانستان ادخلهم في حرب أهلية لا نهاية لها، والأمر ابسط من ذلك كله، اذ لكل أمة خصوصياتها في الأكل والزواج والادارة والبناء والغناء والرقص، والديمقراطية في العراق لبست لبوس الطائفية والفدرالية والتقسيم العرقي والجهوي، وديمقراطية السودان انتجت سودانين فقيرين متحاربين، وديمقراطية البوسنة والهرسك انتجت نظاماً سياسياً هشاً قابلاً للاشتعال كل لحظة، وديمقراطية الصومال فككتها الى درجة لا يمكن معها البحث عن صومال واحد موحد. الديمقراطية مفهوم ليس عالمياً ولا كونياً. الديمقراطية عملية تاريخية غربية لا بد لها من شروط وظروف سياسية وثقافية مختلفة لكل بلد ولكل شعب. لا يمكن توحيد التاريخ ولا يمكن توحيد الشروط والظروف.

التاريخ ليس مساراً واحداً اطلاقاً. هذا الكلام اشار اليه مؤلفان امريكيان قبل اكثر من اربعين عاما في كتاب لهما حاز شهرة واسعة في حينه وكان بعنوان الامريكي القبيحأما نحن، فالادارات الامريكية ومنذ ستين عاماً حتى اليوم، فهي تعطل التسوية في حدودها الدنيا وتتبنى رؤية اسرائيل في معظم الاحيان ولا تريد انتقادها ا ومحاسبتها الى درجة اننا لا نفهم كيف يمكن لامبراطورية مثل امريكا ان تعمل ضد مصالحها واخلاقها وميثاقها وان تغامر بهذا التهور الذي لا مثيل له، لهذا تبد وهذة الامبراطورية وكانها لا ترى فينا شعباً يستحق الحرية التي يقدسها البشر جميعاً. فالادارات المتعاقبة تريد أن تعلمنا الديمقراطية قبل أن نحصل على الحرية، وهكذا نستطيع أن نختار ما بين الاحتلال الليبرالي او الاحتلال الاستيطاني، وما بين الصهيونية الاشتراكية أ والصهيونية النفاثة، وما بين الطريق الالتفافي أ والطريق الارتجالي، وما بين ليبرمان أو موفاز، أوما بين حكم ذاتي ضيق أ وحكم ذاتي موسع، أو وهذا الأسوأ – ما بين الترحيل الطوعي أ والقسري. ‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية