‘لم يحن بعد وضع ‘تركيا في الخارج’ بالنسبة للامريكيين، لكن من المؤكد أن هذا قد يكون هو الاتجاه. فواشنطن، وليست هي وحدها، تسأل نفسها، وإن يكن ذلك في عدم رغبة في الحقيقة، ألم تبتعد تركيا تحت حكم رئيس الوزراء اردوغان عن علاقاتها التقليدية بالغرب، بحيث إن عضويتها التي عمرها 61 سنة في حلف شمال الاطلسي أخذت تصبح أكثر فأكثر بلا معنى.
إن ادارة اوباما الغارقة حتى عنقها في ازمات داخلية مقلقة، أخذت تجد نفسها مؤخرا في وضع لم تعرفه امريكا منذ عشرات السنين، في وقت أخذت كل حليفاتها العربية التقليدية في الشرق الاوسط تبتعد عنها أو لا تخفي تحفظها من اجراءاتها في الموضوعين السوري والمصري، فضلا عن خشيتها من أن تمتنع واشنطن عن انتهاج الصرامة في مواجهة سعي ايران الى القدرة الذرية. وكانت السعودية خاصة هي التي عبرت مؤخرا تعبيرا قويا غاضبا بصورة مميزة عن هذه التحفظات والمخاوف، وهي أقدم حليفة للولايات المتحدة في الشرق الاوسط (وهذا حلف يقوم على مصالح استراتيجية واقتصادية وثيقة)؛ وانتقد متحدثوها علنا وفي أحاديث مغلقة مع اعضاء من مجلس النواب سياسة الادارة في الشرق الاوسط (أو عدم سياستها). وينبع استقرار رأي السعودية ايضا على عدم الانضمام الى مجلس الامن من خشيتها من أن واشنطن قد تبادر الى مبادرات واجراءات لا تقبلها في المواضيع المذكورة آنفا.
وفي ما يتعلق بتركيا حظيت هذه في الماضي بمنزلة مميزة في نظر واشنطن، لأنها عضو مهمة في حلف شمال الاطلسي وعنصر مركزي في استعداد امريكا الاستراتيجي في جنوب شرق اوروبا وشرق المتوسط. وأدت العلاقات الوثيقة باسرائيل ايضا دورا مهما من هذه الجهة، وكان التمزق المهم الاول في خريطة المصالح الامريكية في منطقتنا بين تركيا وبيننا. ولم يتأخر مجيء خطوات تركية اخرى لم تستطع الولايات المتحدة ألا تفسرها بأنها غير ودية أو متحدية، كشراء منظومة دفاع جوي من الصين بدل الغرب (وهو شيء قد يُمكّن الصينيين من تعرف قريب لنظم حلف شمال الاطلسي المنصوبة في تركيا). والأنباء عن تسليح القاعدة في سورية بوسائل قتالية مختلفة، والكشف الصحافي عن تسليم عملاء استخبارات اسرائيليين الى ايران.
يمكن من جهة موضوعية أن نتناول الامور المذكورة آنفا باعتبارها حلقات في سلسلة اخفاقات الدبلوماسية التركية، كالحلف الفاشل مع الرئيس الاسد، والادعاء الفاشل أنها ترأس معسكرا سنياً يشمل الشرق الاوسط كله، ونية أن تكون نموذجا ايديولوجيا وعمليا لحكام مصر الاسلاميين (وهي نية تلاشت وزالت بسبب إبعاد الاخوان المسلمين عن الحكم)، وفي النهاية إبعاد تركيا عن كل موقع تأثير في الموضوع الفلسطيني. كل ذلك جعل تركيا دعامة هشة في نظر واشنطن.
جُددت في المدة الاخيرة في الحقيقة مباحثات لضم تركيا الى الاتحاد الاوروبي، لكن يُشك في أن تكون الدول صاحبة القرار في الاتحاد متحمسة لهذه الامكانية. يُسأل في هذه الايام في الصحف ومجلس النواب ومؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن اسئلة شديدة تتعلق بسياسة الادارة الامريكية، في ما يتعلق بالسيناريوهات الممكنة وأكثرها مقلق في الشرق الاوسط.
وفي ضوء ما وُصف في مقالة في صحيفة ‘نيويورك تايمز’ بأنه سياسة ادارة اوباما الجديدة في الشرق الاوسط التي يبدو أنه يوجد فيها ثقوب أكثر من وجود أجوبة يصبح لهذه الاسئلة قوة أكبر.
زلمان شوفال
اسرائيل اليوم 31/10/2013