الولايات المتحدة تقوم باسم الغرب بخيانة القيم التي رفعت لواءها منذ عقود
صِراع الحضارات يكون بسبب هزيمة الجميعالولايات المتحدة تقوم باسم الغرب بخيانة القيم التي رفعت لواءها منذ عقود عندما تغيب الشمس في أحد نصفي الكرة الارضية تشرق في النصف الآخر كما نعلم. الآن هي آخذة في الغروب في النصفين في آن واحد ـ خلل شامل في توزيع النور. في صِراع الحضارات يكون الجميع مهزومين، وسبب الهزيمة لن يكون امتياز القوة واحتكارها وانما نقص القيم والاخلاق. من كانت قيمه أكثر ترديا فان قوته لن تسعفه شيئا. عندما تظهر الشرور من الشرق تُعلق الآمال علي الغرب. ولكن الغرب يخيب الآمال وكل ما عُلق عليه يذهب هباء. النزعة البهيمية التي تشمل العالم كله لم تترك أي مكان بعيد عن أذرعها. من يذكرون خيانة المفكرين سيئة السمعة والصيت، سيتذكرون بالتأكيد من الآن فصاعدا خيانة الغرب ـ كيف يقوم الطرف المتنور من الكرة الارضية باطفاء أنواره وكيف يطمس خط الحدود الفاصل بين النور والظلام. الي أين سيوجه الناس في أرجاء العالم أنظارهم عندما يرغبون في غد أفضل وأجمل؟ من أين سيأتيهم الغيث؟ أين يكمن المثل المحتذي؟ وفي ظل عدم وجود نموذج ملائم وجدير لا غرابة أن العالم ينفلت وأن الناس يفقدون صورتهم الانسانية ويضيعون طعم الحياة.الخائنة هي الولايات المتحدة الامريكية، التي تدعي أنها زعيمة للعالم وتسعي الي زرع قيمها فيه ـ وفي ظل عدم وجود نموذج ليست هناك زعامة. حتي قبل فترة وجيزة اعتادت الولايات المتحدة اعطاء علامات للدول حول سلوكها وتصرفها: تقرير وزارة الخارجية السنوي حول حقوق الانسان اكتسب أهمية في ذلك الحين، وحتي الدول المارقة والعفنة اكترثت لأمره أو علي الأقل أبدت الاستعداد لتحسين أساليبها. إلا أن ذلك لم يعد قائما: هذا التقرير تحول الي أضحوكة سيئة ومهزلة امريكية من الولايات المتحدة المليئة بالنواقص والتشوهات والتي فقدت قدرتها علي التنظير للآخرين.اذا كانت لدي واشنطن ادعاءات وانتقادات حول المس بالمدنيين، فسيُذكرونها فورا بعمليات القصف التي يموت فيها الأشرار والأخيار علي حد سواء. واذا أشارت امريكا الي اشخاص يُختطفون ويختفون من دون أن يُعرف مصيرهم، سيوجهونها نحو الثقوب السوداء التي تقيمها والتي تبتلع المشبوهين ـ غير المشبوهين من دون أن يعرف أحد مكانهم. واذا اشتكوا من التعذيب في التحقيق والعنف والاهانات في المعتقلات، فسيشيرون لها نحو أبو غريب وغوانتنامو، والصور الفظيعة التي ترد من هناك تعتبر بمثابة تقرير مُدين بحد ذاته. المسألة ليست فقط أن الولايات المتحدة لا تخفف قبضتها عن الجبناء الأنذال، وانما هي تقوم بتعزيز قوتهم من خلال تصرفاتها التي تضفي الشرعية علي ما يفعلون.والخسيسون يحبون انعاش ذاكرة كل من يريد وتذكيره بأن الولايات المتحدة ما تزال حتي اليوم تطبق عقوبة الإعدام من خلال الكرسي الكهربائي أو الحقن بالسم. وهم، هؤلاء الخسيسون يحبون توجيه الأنظار الدولية الي خطايا امريكا السوداء في أغلبيتها والي عشرات ملايين الفقراء في العالم الثالث الذين لا يكشف وضعهم البائس إلا عاصفة عابرة. حتي اليوم، بعد نصف سنة من كارثة نيو اورليانز، ما زال هؤلاء الفقراء لاجئين من دون مأوي ولم تبدأ عملية اعادة إسكانهم بعد.وإن كانت كل هذه الامور ليست كافية فاليكم القيمة الأكثر قداسة من غيرها: حرية التعبير. امريكا تقوم بارسال الصحافيين الي السجن لأنهم لم يستجيبوا لمطالب السلطات. والاسوأ من كل شيء يحدث في الاشهر الأخيرة: الشركات الامريكية الكبري ـ غوغل، ياهو، مايكروسوفت وسيسكو ـ قررت الخضوع تماما لإملاءات الديكتاتورية الصينية الشريرة. حكومة بكين سمحت لهذه الشركات بالدخول الي اراضيها وممارسة الاعمال التجارية شريطة أن تقوم هي بإملاء الشروط، واتخاذ القرار حول ما يُنشر في هذه المواقع وما يُحذف منها وكأنه ليس قائما. والرقابة الصينية مقبولة علي فرسان الحضارة والرقي، المهم فقط أن يسمحوا لهم بجني الأرباح. ليست رقابة فقط، وانما تسليم للصحافيين المحليين الذين يحدقون انفسهم بالخطر عندما يكتبون في المواقع بأسماء مجهولة. إلا أن الشركات الكبري الامريكية ستُمكّن السلطات الآن من وضع يدها علي معارضي النظام وسجنهم لسنوات طويلة. وهذا ليس كل شيء بعد: الشركات الامريكية ستمد السلطات بأجهزة مساعدة للرقابة والتفتيش بحيث تتمكن من خلالها من ضبط المواطنين المخالفين اذا ما عبروا عن آرائهم. في كوبنهاغن يجري صراع حول حرية التعبير التي ينادي بها العالم الحر. إلا أن هذا الصراع قد حُسم في بكين بمساعدة امريكية انهزامية.الصين هي دولة بوليسية، وشرطتها هم ايضا عملاء امريكيون. من المعتاد القول أن المال بلا رائحة، ولكن أصحاب المال تحديدا يملكون حاسة شم متطورة لتطوير تجارتهم، وهم مستعدون لبيع القيم حتي يبيعوا بضائعهم. في حرب الحضارات سيرفعون راية بيضاء فوق حواسيبهم، المهم أن يشتروها منهم.هم يدافعون عن أنفسهم قائلين أن لا مفر أمامهم: هم مضطرون في الصين للتصرف كالصينيين، والعمل وفق قوانين الدولة المستضيفة. أي حظ هذا في أن غوغل وياهو ومايكروسوفت وسيسكو لم يكونوا هنا في عام 1933؟يوسي سريديساري وعضو برلمان سابق (هآرتس) 21/2/200