اسحق ليئورمثل النكتة عن شجار أزعرين يقول أحدهما للآخر إضرب يهوديي وأضرِب يهوديك تنشب الحرب الدامية على ارض سوريا بين ايران والسعودية وقطر، وتؤثر فينا المشاهد تأثيرا شديدا (لكن يبدو أنها جزئية لأن وسائل الاعلام العربية التي هي المصدر الرئيسي للصور الفظيعة لا تُظهر اعمال الذبح في المناطق العلوية). اذا خسرت السعودية وقطر أو اذا استمرت وسائل الاعلام في اظهار المذابح فقد يتدخل الغرب برغم انه من الواضح انه لا يريد ان يبلغ الى ذلك. وليس لسوريا، بخلاف العراق وليبيا، كميات ضخمة من النفط. وليست هي ايضا هدفا استراتيجيا كالعراق الذي كان إسفينا بين السعودية وايران، والمهاجرون الافارقة لا يتدفقون من سواحلها على اوروبا كما تدفقوا من ليبيا. فنزفها يضر بالغرب أقل من إضرار انحلالها به.
في الأمد البعيد تضاف الأحداث في سوريا الى قصة النجاح الاسرائيلية وتتغير هذه المنطقة سريعا. ان غرق مصر في صراع بين العلمانيين والاصوليين يبدو خلاصة قصة النجاح هذه. فالأمم العربية الحديثة تغرق في الدين والقبلية واليأس، وقد أرادت اسرائيل سنين طويلة ان تبرهن للغرب على أنها قلعة الغرب ومُخلصه الوحيد في المنطقة، التي يتلاشى كل صلب فيها في الهواء، وعلى أن لها دورا حتى بعد سقوط الشيوعية. ولهذا ينبغي ألا يؤخذ الجولان منها (لو أمكن اعادة عجلة التاريخ الى الوراء يقول بيقين بعض خبراء الاستراتيجية لأمكن الابقاء على سيناء معنا ايضا). وفيما يتعلق بالمناطق المحتلة فان ما خططت له سياسة اوسلو، أعني التقسيم الى كانتونات، يتحقق في واقع الامر في ‘الربيع العربي’. ان الاستعمار الاسرائيلي الذي اعتمد سنين على افتراض ان الغرب سيربح في نهاية الامر من قوة اسرائيل يُهزم هزيمته الكبرى. ان بيبي لا يظهر على الصفحة الاولى من مجلة ‘تايم’ بسبب موهبة ما، بل هو يشبه بايدوين، ملك القدس الصليبي في مشهد الشرق الاوسط الجديد.
لكن الأمد البعيد هو أمد البعيدين من هنا، من أصحاب الاستراتيجيات واليوتوبيات: فواشنطن بعيدة جدا لن يصيبها أي صاروخ من داخل بعض أجزاء سوريا المنحلة. وموالاة ‘ايباك’ والانجليكانيين لاسرائيل هي خطة عمل بعيدة. والمستوطنون في بيت إيل أو في يتسهار ينتظرون مسيح عدلنا ويبدو لهم كل نزف أنه جزء من عذاب الخلاص ويصبح برهانا على ما ادعته المصادر العبرية من أن الحرب الهائلة هي بدء الخلاص. بيد أن زماننا الحقيقي هو زمان غربي، زمان حاضر، فالاستثمارات الاجنبية والسياحة والمجمعات التجارية ومبيعات نهاية الموسم وأبراج السكن والرحلات الجوية الى الخارج ومنه؛ هذه الحياة الحلوة هي شرط بقاء سياسي للسلطة من اليسار أو من اليمين. والأمد القصير هو أمد الحياة في البيت، والبيت الذي يُقصف زمنا طويلا يُهجر.
من المنطقي ان نفترض ان تهديم سوريا مثل العراق لن يفضي فقط الى هدم الفسيفساء القديمة من الأديان والطوائف والثقافات، ولن تُحرق المتاحف فقط بل سيفضي الى وجود عصابات مسلحة متوحشة كما في العراق تماما. بيد ان اولئك لم تبلغ مدافعهم الى المصانع البتروكيماوية في خليج حيفا. على منْ سترد اسرائيل بالضبط اذا انطلقت الصواريخ من سوريا؟ هل على من يزرعون القنابل في أحياء دمشق؟ أم أنها ستُوسع حدودها مرة اخرى ‘لابعاد المدافع’؟ اذا دمرت سوريا فستتغير حياتنا في الأمد القصير بالطبع، ولهذا لا تسارع الولايات المتحدة الى التدخل، فهي لا يهمها المستقبل السوري، ولا التلون الاوروبي القديم بل الخوف على مصير القلعة الاسرائيلية. وهم يبحثون عن استبداد ناجع لا عن ‘ديمقراطية عراقية’ اخرى، لكن لينزفوا في اثناء ذلك.
هآرتس 12/6/2012