داود البوريني هكذا الميكادو قد علّمناأن نرى الاوطان أماً وأباهذا البيت الجميل للشاعر حافظ ابراهيم هو اول ما علق في ذهني من هذه القصيدة الانسانية الرائعة التي ودّع فيها الشاعر صديقته اليابانية التي انطلقت إلى بلادها عند سماعها باندلاع الحرب اليابانية الروسية سنة 1905. كان هذا في اواخر خمسينيات القرن الماضي ونحن ما زلنا في المرحلة الابتدائية، في تلك الايام أيضا بدأنا نتعرف على اليابان بطريقة سلبية عن طريق الافلام الامريكية عن الحرب العالمية الثانية والتي قدمت الياباني كإنسان في غاية القسوة، ولا تنسَ أيضا قصة إرنست همينغواي ‘جسر على نهر كواي’ والتي لم تقترب كثيرا من الياباني حتى تقدمه بطريقه لائقة بأن تقوم بالتمييز بين الانسان العادي والانسان الجندي الذي ينفذ أوامر تصدر له في أقسى ظروف يوجد فيها انسان تحت النار، بين الموت والحياة أو النصر والهزيمة، قطعا فالحرب غالبا ما تظهر أسوأ ما في البشر من صفات. وأنا شخصيا مع احترامي لأكاذيب هوليوود شبه المتقنة لا أعتقد بأن الجندي الامريكي كان افضل حالا من الجندي الياباني في تلك الحرب فقد رأيناه على حقيقته قاسيا ومتوحشا في اليابان نفسها في هيروشيما وناغازاكي وكوريا وفيتنام والدومنيكان والعراق، ثم بدأنا نرى الياباني من خلال صناعاته التي بدأت ترد إلى بلادنا في تلك الفترة والتي عانت كثيراً من المنافسة الاوروبية الشديدة والنقد الاوروبي اللاذع والذي لم يكن له من الحقيقة أي شيء فقد برهنت الصناعة اليابانية أنها تتفوق نوعا على مثيلاتها الاوروبية إن لم تتساوَ معها ولكن بنصف السعر تقريبا، ولا زلت أذكر تعليق السويسري السيد جوزيه جوليتا نائب المدير العام في شركة نجار في ثمانينيات القرن الماضي عن الانتاج الياباني حين علّق قائلا بأن العامل الياباني يتقاضى أقل من نصف أجر العامل السويسري لكنه يعطي ضعف إنتاجيته وهذا قطعا ما صنع الفرق. كان الصف أمام ضابط الجوازات في مطار ناريتا طويلا في تلك الظهيرة من أيار ( مايو) 1986 في زيارتنا الاولى لليابان وبناء على دعوة مميزة من الشركة لنا ومعنا نحو 700 مدعو آخر، كان الصف طويلاً، وهو طويل جداً لمن وصل بعد 20 ساعة طيران متواصلة من باريس عبر لندن إلى طوكيو عن طريق الاسكا في الولايات المتحدة، لكن صبرنا لم يطل إطلاقاً فقد كان انجاز العمل سريعاً جداً وأول ما رأينا من اليابان كان الابتسامة المشرقة لضابط الجوازات والاستقبال الطيب. كان كل شيء قد تم إعداده اعتباراًمن باريس، لم نهتم للحقائب التي وجدناها في غرفتنا في الفندق ومعها هدية جميلة لكل واحد منا.. انا قليلا ما اشاهد اطفالي الثلاثة وزوجتي، أسرّ صديقي السيد تاشبكاوا. وعندما سألته ان كانوا يقيمون خارج طوكيو أجاب بأن لا، نحن نعيش معا وكذلك يعيش معي والداي وكلاهما في الخامسة والثمانين ولكن والدي ضرير وحركته بطيئة جداً وحسب التقاليد اليابانية فوالداي يعيشان معنا في نفس الشقة البالغة 68 متراً مربعاً وتقوم زوجتي على خدمتهما أيضا. أنا أغادر البيت في الساعة السادسة صباحاً للذهاب إلى العمل وأبنائي نيام وعندما أعود بعد العاشرة مساءً يكونون نياما أيضا فلا يبقى لي سوى أيام السبت والاحد لكن كما تعلم فأنا أعمل في التصدير وأسافر كثيراً خارج اليابان وهذا السفر غالبا ما يكون يوم السبت أو الاحد.. انا آسف يا صديقي. لن أستطيع لقاءك غدا لأنه يتوجب عليّ أخذ أبنائي إلى المدرسة وعندما سألته كيف يكون هذا وغدا هو السبت؟ أجاب أن السبت هو لدروس التقوية فالانسان الياباني حتى يحصل على عمل مميز يجب أن يتخرج من جامعة مميزة والتي تتطلب معدلات عالية جدا وامتحانات حقيقية وهذا لن يكون دون تخرج كفؤ من الثانوية العامة ودون تركيز على تعليم الطفل ابتداء من مرحلة الروضة في عمر الثالثة، هذه اليابان يا صديقي والتنافس العادل على أشده، كان هذا ما قاله زميلي السيد كوباياشي في ذلك المساء الرائع في روبونجي.
لقد زرت اليابان الجميلة مرات عديدة آخرها كان سنة 1999 في تموز تلك السنة توفي والدي رحمه الله، في شهر آب ( أغسطس) حضر أحد مدراء الشركة اليابانية من هولندا إلى عمان في زيارة لمدة يومين فقط وكانت معه دعوة لي ولزوجتي لزيارة اليابان، الدعوة في اليابان يعني تذكرة السفر أولا وثمانية أيام بسبعة ليال يتواضع أمامها كرم حاتم الطائي، في كل مرة كنت أزور اليابان كنت أكتشف أشياء وأشياء، مثلاً هل تعلم بأن لدى اليابان احصائية عن انتاج البلاد من الارز لثلاث آلاف سنة ماضية؟ وهل تعلم أنها ترفض استيراد الارز من الخارج حتى بنصف تكلفة انتاجه؟ في اليابان أيضا عندما تدخل إلى بيت ياباني في الريف سوف تجد لائحة بأسماء مختلفة، هذه ليست شجرة العائلة بل أسماء الأشخاص الذين ساعدوا صاحب البيت في بناء منزله (عونه) وذلك حتى يقوم هو لاحقا أو احفاده بالقيام بالواجب تجاه من ساعدوه في بناء البيت، أكثر من ذلك في زيارات تسعة إلى مدينة طوكيو شاهدت رجال الشرطة مرات قليلة جداً، رأيت شرطيا في كابينة الشرطة Police Box في الطريق من جينزا إلى اكاسوكا لكن إياك أن تعتقد بأن البلد فلتانة ففي ذات منتصف ليلة حصلت مشكلة في جينزا وفي أقل من خمس دقائق، كانت هناك أكثر من عشر سيارات نجدة في المكان، شرطة لا تراهم إلا عندما تحتاجهم، طبعا نسيت أن أقول أنه في تلك الايام وربما إلى الآن لم اشاهد يابانيا واحدا بلباس الجينز وغالبا ما يكون مرتديا ربطة العنق صيفا وشتاءً. أنا أعمل وأتعامل مع يابانيين منذ نحو أربعـين عاماً لم يكذب فيها علي أو يحاول خداعي واحد منهم، لم يخلف أي منهم موعداً ولم يخن امانة، أنا على يقين أن كل انسان في هذا العالم مدين لليابان بصورة أو بأخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر فقد ساهمت اليابان بشكل فعال في معظم الاختراعات التي تهتم بصحة الانسان وبرفاهيته وبجعل حياته أكثر سهولة ومتعة، كما انها لم تتخلف عن تقديم المساعدات التقنية والمادية للعديد من شعوب الارض التي احتاجت لمثل هذه المساعدات. اليابانيون في أغلبيتهم الساحقة أي نحو 97 % هم بوذيون واتباع ديانة الشنتو أيضاً، يذهبون إلى المعابد المنتشرة مرات قليلة طيلة حياتهم ولكنهم من الناحية الجوهرية الانسانية في تعاملهم واخلاصهم لا يقلون عن اتباع الكتب السماوية الحقيقيين صدقاً وأمانة.
في الرحلة الاخيرة إلى اليابان بعد أن ارتفعت الطائرة ما يكفي عن مطار اوساكا الممتدة بعيدا في المحيط في أعجوبة هندسية وكان اتجاهنا إلى شمال غرب اوروبا في طريقنا إلى لندن، بدأت تتراءى في ذلك الطقس الصافي القرى والبلدات اليابانية الرابضة على سواحل المحيط، بلدات تمتد على شريط ساحلي ضيق، المحيط الجبار من امامها والجبال العملاقة الشديدة الانحدار من خلفها، جبال مكسوة بالغابات لا يساعد انحدارها على أي زراعة جيدة او ربما حتى بناء، في هذه البلدات الوادعة يعيش قسم كبير من أبناء الشعب الياباني الشجاع الذكي، هذه هي البلدات التي ربما شاء قدرها أن تتلقى تلك اللطمة الجبارة من قبضة التسونامي، قبضة هائلة بارتفاع عشرة أمتار وعمق مئات الكيلومترات على عرض كيلومترات كثيرة أيضاً، بعد ذلك الزلزال المدّمر والتسونامي المرعب أصيب اليابانيون بذهول للحظات ولكن ما كاد وقع الصدمة ينتهي حتى بدأوا جميعاً واولهم حكومتهم بالعمل بأقصى سرعة وأعلى درجات الشجاعة لتجاوز آثار غضبة الطبيعة القاسية. لقد مرّ نحو العشرة أيام الآن على هذه الكارثة الانسانية الهائلة وأنت ترى فيها اليابانيين بهدوء وكبرياء وعزيمة يواجهون آثارها المدمرة. لقد فاجأ اليابانيون العالم مرّه أخرى بهدوئهم وصبرهم وعزيمتهم وشجاعتهم، شجاعة الكاميكازي وكبرياء الهاراكيري، دأب السلاحف وحكمة الرهبان لن تهزم امام الصعاب والكوارث ابداً، بلاد عوضها الله عن الثروة الطبيعية بالذكاء والحكمة والقدرة الهائلة على التنظيم والعمل الجماعي والصبر على الشجاعة سوف تنتصر.
كان الرجل الياباني الشجاع يقف امام حطام منزله منتظرا فرق الانقاذ قائلا: ‘لقد نجوت أنا من الموت لكن والدي العجوز ميت تحت الانقاض وانا لا استطيع أن أقوم بأي شيء قبل دفن والدي.’ دموع كبرياء مختفية ووفاء عزّ نظيره وقوة إرادة لا تنكسر هذا ما أراه في اليابان واشعر به واعيشه.
مثل معظم هذا العالم، هزتني الكارثة الطبيعية التي ضربت اليابان مؤخرا وقد اعتصرت امواج التسونامي قلبي وكافة مشاعري إلى النهاية، كان صعباً جدا عليّ مشاهدة الناس الذين وفي دقائق قليلة فقدوا كل ما يملكون أو معظم ما يملكون ولكن الاهم فقدوا أحبتهم الذين لا سبيل لتعويضهم. ادعو الله أن يساعد اليابان على تجاوز هذه المحنة وأن يخفف عن المصابين ويسارع من شفائهم، اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.