كان الانتظار المشحون بالقلق سيد الموقف. انهم يشبهون بعضهم البعض وأول ما يلفت النظر في ملامحهم عيونهم الصغيرة الضيقة، كأن هناك عقاباً فرضته عليهم الآلهة، وفجأة صرخوا وأخذوا يحضنون بعضهم وقسم منهم أخذ يبكي. لكن الذي تميز في هذا الفرح الساطع تألق فكرة الوطن والإصرار على البقاء تحت شمس النجاح والبروز والتفوق. عشرات من المسؤولين الرياضيين اليابانيين كانوا في انتظار النتيجة، وها هي طوكيو تفوز بشرف تنظيم اولمبياد 2020 في مراسيم تصويت اللجنة الاولمبية الدولية، بعد ان تفوقت على اسطنبول ومدريد، مع العلم أن طوكيو استضافت قبل ذلك اولمبياد عام 1964 وهي اول مدينة اسيوية تستضيف الالعاب الاولمبية مرتين. الخبر قد يكون عادياً وأمرا طبيعياً لدولة استطاعت ان تخرج من تحت ركام ذل وهزيمة وانكسار الحرب العالمية الثانية الى عالم الصناعة الدقيقة والقدرة على مواجهة العصر، عبر اكتشافات واختراعات جعلت العالم ينحني لهذا الشعب الذي ذاق طعم قنبلتين ذريتين في مدينتي هيروشيما ونيغازاكي. وهو الشعب الوحيد الذي ما زال يعاني احفاده حتى اليوم من آثار الاشعاع الذري. اليابان الجريحة الكسيحة بعد الحرب العالمية الثانية تنفض الهزائم، وخلال أقل من عشرين عاماً تتحول الى دولة عظمى في مجال التكنولوجيا وتفرض وجودها في اسواق الاختراعات. وكان الراديو الترانزيستور الصغير من أوائل تلك الاختراعات التي غزت العالم بدلاً من الراديو الصندوق الكبير، الذي كان حجمه يثير العجب. أقول ما أن رأيت هؤلاء يحضنون بعضهم البعض والفرح الطاغي المفعم بالدموع ويخططون للعام 2020، حتى غرقت بالخجل والحسرة لأن هذه الشعوب تخطط للنجاح والتفوق وللسنوات القادمة، ونحن العرب لا نعرف ماذا ينتظرنا في الغد. اليوم مولود والغد مفقود، ولا يستطيع أي مواطن عربي أن يعرف ماذا يحمل له النظام الحاكم من مفاجآت، وهل سيبقى النظام أم سيرحل؟ وهل القادم أفضل من الراحل؟ وهل سنردد: ‘دعوت على عمر فمات فسرني وعاشرت أقواما بكيت على عمرو؟ وهل سيكون الواقع الجديد على قدر أحلام المواطن؟ غرقت بالخجل والحسرة وأنا ارى اليابانيين بهذا الفرح وهم يتوقون لرفع علم بلادهم عالياً، وعام 2020 في اليد وليست السنوات مجرد عصافير على الشجرة، ونحن نرى عصافير السنوات تطير من اعمارنا دون ان نسمك غصن شجرة نبني عليه عش استقرار عربي! شوال البصل ما أن تدخل مدينة أو قرية عربية حتى تجدها جالسة على فوهة بركان الانتخابات، فتصاب بالهلع والذعر حين تكتشف أننا نملك كل هذه الوجوه والطاقات والبرامج والفعاليات والشعارات والكلمات والغزل بحب البلد، ومن اجل البلد نقدم الغالي والنفيس. في ذات الوقت نشوه البلد عن طريق نشر صور الوجوه المرشحة للرئاسة والزعامة والأحرف والشعارات الملونة، ولا نترك مكاناً وجداراً وسطح بيت وشجرة وشارعاً وطريقاً الا وألصقنا فوقه..! تصبح تلك الأمكنة رهينة بأيدي هؤلاء، وقد نقبل ان تكون الامكنة الخاصة ملكاً لهم. ولكن حين يكون التعدي على الامكنة العامة نسأل أين الحرص وحب البلد؟! ونتساءل أين كان هؤلاء وقت الحاجة والضرورة، حين كانت البلد تنهار ويتفشى فيها مرض اللامبالاة والأنانية والمحسوبيات والتعيينات والعنف؟! ومدارسنا في أسواق الدلالة تباع وتشترى تحت عناوين عديدة؟ ان الذي يحب بلده يحبها في كل السنوات واللحظات، لا يضع حبه في بنك ثم يخرجه بعد اربع سنوات او خمس وتكون الفوائد كثرة الشعارات. والأدهى أن الحب اذا فشل يعود للبنك بعد الانتخابات وقد يتحول الى كره للبلد، ويغرق في الشماتة اذا فشل خصمه بل يحاول زيادة الحطب، وينسى ان البلد أكبر منه ومن خصمه! والمضحك ان كل بلدة عربية أصبحت مثل شوال البصل، ما ان يمد المواطن يده حتى يخرج رأس بيده، فكلنا رؤوس وقادة وزعماء. رحم الله جدتي عندما كانت تردد: ‘كلكم روس.. ما فيكم ولا قنارة’. شوقية عروق منصور [email protected]