إلياس خوري: الالتزام في مفهوم اللغة والثقافة

حجم الخط
0

جسد صوت وقلم الياس خوري كمثقف، على مدى أكثر من نصف قرن، الوعي الأخلاقي والجمالي والنقدي لعالم عربي مرّ ويمرّ بحروب طاحنة، وبانقسامات متجذرة وبظلم متعدد الأوجه. شكلت هذه المآسي همومه ومادة رواياته: بدءاً من النكبة الفلسطينية التي جعل من أبطالها رموزا للتشتت وللاقتلاع وللإنسانية المفجوعة. نكبة لم ير، ولا نرى لها، حتى الان، النهاية التي حلم بها وناضل من أجلها. ثم الإخفاقات المتتالية: حزيران 1967، وسنوات الحرب الأهلية اللبنانية الظلامية، التي أوهمونا أنها ولت بينما ترجع في كل مرة بماكياج مختلف، والآفاق المسدودة… كل هذه المحطات التاريخية المحورية هدمتها أعماله كونها سرديات كبرى، وبنت على الأنقاض ومن الشتات معابد بهية، ارتقت بنفسها وبكاتبها.

ماذا كان سيقول الياس خوري اليوم غير ما قاله بالأمس: نقرأ هذه السطور في رواية “باب الشمس”: “لن أقدم لك تحليلا في حرب لبنان. لكنها أرعبتني. أرعبني أن ينفجر بطن مدينة، وتخرج مصارينها، وتتحول الشوارع علامات للأشلاء الاجتماعية المفككة. كل شيء تفكك خلال سنوات الحرب الأهلية، حتى أنا، أنا نفسي انقسمت إلى عدد لا يحصى من الأشخاص”.

 كم يشبه اليوم ذلك الأمس! “كيف وصلنا إلى هنا”؟ يسأل الراوي. لاستشفاف الجواب و”البحث عن أفق” علينا أن نعيد قراءة الياس خوري. نقرأ أعماله بوصفها “أمكنة للذاكرة”، أو على شكل “إنّي أتهم” كتعبير عن موقف المثقف. وإن كان هناك من درس في التاريخ، علمنا إياه إلياس خوري، فهو أننا يجب أن ننقض القصص الثابتة والأحادية والأسطورية والمقدسة التي لم تعد صالحة لكتابة تاريخنا وفهمه، والعمل على صياغة رؤى جديدة تمهّد لكتابة نص آخر متعدد.

من الصعب أن نستعرض مشروع إلياس خوري الروائي في بضعة أسطر. والأكثر صعوبة هو تقديم موجز عن رواياته لأنه صاغها كتجلٍّ للحياة: متشابكة، متشعبة، شائكة، مفتوحة، لا ترغب أن تكتب نهايتها. لذلك سأقتصر على ذكر، أو التذكير، بالبعد الالتزامي لمفهوم اللغة والثقافة من وجهة نظره؛ اللغة والثقافة مكونان بنيويان يتقاطعان في أعماله الروائية وكتاباته النقدية، ويشكلان الطريق للعبور إلى حداثة جديدة.

قضية اللغة والثقافة تناولها الياس خوري على عدة أصعدة، سأشير إلى محورين: تجديد اللغة ودور المثقف.                        

   -تجديد اللغة:

 يقول الراوي في باب الشمس”: “حين لا يعود الكلام جديدا وطازجا، حين تتعفّن الكلمات في الفم، وتخرج هامدة وقديمة وميتة، يموت كل شيء… قلت لي إن الكلام القديم مات، ونحن في حاجة الآن إلى ثورة جديدة. اللغة القديمة ماتت، ونحن مهددون بالموت معها، لا نحارب ليس لأننا لا نملك السلاح، بل لأننا لا نملك الكلام”.

ويقول الياس خوري ان الحروب والانكسارات الداخلية التي تعصف بالمجتمعات العربية أظهرت هشاشة الخطابات – سواء كانت رومانسية أو توفيقية، أو قومية أو تقليدية – وعدم قدرتها على قراءة الواقع. لذا على الكتابة ان تعيد صياغة اللغة وأن تخضعها لحاجات الحاضر. الكلام الماضوي لم يعد يجدي نفعا. من هنا جاءت الحاجة إلى بناء لغة جديدة ونص أدبي نقدي يفهم عمق الأزمة ويحاول حلّها.

هكذا ولدت رواية الحرب اللبنانية، وما يسمى بالرواية «التجريبية»، لأنها سعت، في خضم التمزق، إلى بناء شكلها ولغتها ووعيها الخاص. رواية الياس خوري التي نضجت في زمن الحروب، تحاكي في شكلها ومضمونها الواقع وانكساراته: كتابة متشظيّة، ملؤها الشك والفراغات، تبحث عن المعنى، تواجه أسئلة الغربة والهوية، تدأب على التوثيق والتدوين والتأريخ، لكي نرى ونعي ولا نغمض عيوننا… في هذا المناخ الذي يزرع اليأس والعبثية، حافظ الياس خوري، رغم كل شيء، على إيمان لا يتزعزع بقوة الكلمة ورهبتها.

لذلك، فالشرط الأول لتحرير الأرض والمجتمعات هو أن تتحرر اللغة وتنبعث من جديد. هذا ما تخلص إليه رواية “باب الشمس”، حيث نرى خليل يحاول أن يعالج بالكلام، يونس، الفدائي العجوز الغارق في غيبوبة على سرير في مستشفى الجليل في مخيّم شاتيلا. يحكي له حكاياته وبطولاته الغابرة. ورغم كل ما بذله، لم يقم الميت ولم يتعاف. لكن خليل، من خلال سرده قصص النكبة ليونس، بدأ بمعاينة الماضي (أي يونس)، والتشكيك به، ومواجهته، ومحاسبته، ومراجعة أماكن الخلل في حكايته. في النهاية سيتمكن خليل من تحرير نفسه من هذا الميت والنهوض. فيقول: “هذه اللغة يجب أن تموت، هذا العالم المصنوع من الكلمات الميتة يجب أن يختفي”. هذه هي النهضة الحقيقية بالنسبة لالياس خوري، والعلاج الوحيد الذي يحيي.

هذه الرؤية، تخلص إليها أيضا رواية “يالو”. يالو الميليشيوي اللبناني الذي غرق في وحل الحرب الأهلية ويمثل تقهقرها، ينتهي به الأمر في السجن. الجلاد، الذي سيستعمل معه مختلف أنواع التعذيب، سيجبره من ضمن هذه الآليات، أن يكتب قصة حياته، ويعيد كتابتها مرّة تلو المرة. هذه الكتابة المغموسة بالمعاناة سوف تطهّره وتعتقه من شخص الميليشوي، لينبثق منه يالو جديد اسمه دانيال. هكذا يتشكل فعل الروي كمخاض يفضي الى وعي جديد يبشر بالقيامة.

ــ نحو مثقف جديد:

الإيمان المطلق بقوة الكلمة مرتبط عند الياس خوري بدور المثقف وقدرته على التأثير في الواقع وصياغته بشكل جديد. اللغة والثقافة منطلقان لمسار واحد. والثقافة لا تعني فقط الإنتاجات المادية أو غير المادية التي تشكل هوية التراث الثقافي. بالثقافة يذهب إلياس خوري إلى الفعل الإبداعي والواعي نفسه الذي هو منبع الانتاجات الثقافية وركيزتها. الثقافة إذا، بالنسبة له، هي قبل كل شيء، الفعل الذي يصوغ الشروط الأخلاقية والجمالية والاجتماعية والسياسية للحرية. “الثقافة حرية أو لا تكون” (“الذكرة المفقودة”). هذه الثقافة تم تهميشها حتى الآن.

من هو المثقف الجديد؟ قام الياس خوري أولا بنقد الصورة النمطية للمثقف، ومن خلاله نقد إشكالية الثقافة الحديثة. هذا بعض ما ورد في “باب الشمس”: “إنها مأساة المثقفين والفنانين. علينا أن نذهب ونتفرج وننفعل ثم ننسى”؛ “انت تعرف كيف يفكر هؤلاء المثقفون، يعتقدون أنهم يحلّون مشكلة ضمائرهم بالتماثيل أو القصائد أو الروايات”؛ “أنت تكره المثقفين، خاصة هؤلاء الذين يأتون لزيارة المقاتلين، ينظرون ويتفلسفون ثم يديرون ظهورهم عائدين إلي بيوتهم المريحة”؛ “سألته عن شعوره هو، قال إنه لم يقاتل في حياته. أنا لا أفهم كيف يكون الانسان مثقفا وكاتبا، ويترك الحرب تمرّ إلى جانبه ولا يختبرها”…

 المثقف ليس الذي يكتب ويصف ويقدم شهادات، وليس من يستسيغ لعبة السلطة. يميّز الياس خوري بين “مثقف السلطة وسلطة المثقف” (عنوان مقالة له في “القدس العربي”). في الحالتين، المثقف هو في موقع سلطة. لكن معنى السلطة ليس هو نفسه في الحالتين. سلطة المثقف ليست أداة سيطرة. بل، كما يقول، “مراجعة ومحاكمة الذات بشكل صارم” (“الذاكرة المفقودة”).

طبعا تختلط صورة المثقف مع صورة السياسي والمربي. الفن من أجل الفن ترف لا يستطيع الكاتب/المثقف القابع في ارض محاصرة بالنزاعات والتقهقر، أن يتماهى معه. بالنسبة لالياس خوري، الذي لم تقنعه هذه النظرية، يتقاطع الأدب بشكل وثيق مع السياسة، اذا تجرّد منها، انفصل عن واقعه وعن دوره. لذا يقع على عاتق الثقافة أن تؤسس لنهضة فكرية وسياسية. وشروط هذا التأسيس هي: الحرية والديموقراطية والتعددية. مما يضع المثقف في موقع مناهض للقمع وللديكتاتورية. هذه الثقافة، التي جسدها في حياته وفي كتاباته، هي أقوى من آلات الدمار وعنوان المقاومة الأجدى.

   انطلاقا من هذين المحورين: من اللغة كحرية ووعي وإنتاج فكري وإبداعي، ومن دور المثقف كأداة فاعلة في عملية الهدم البناء، يكون الياس خوري قد آلف بين شرطين، غالبا ما يكونان على نقيض: أن يكون الأدب فنا خالصا، وأن يكون في الوقت نفسه ملتزما بالكامل.

*ناقدة لبنانية تقيم في باريس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية