الياس خوري في كأنها نائمة عن الاسم والصورة والبيت

حجم الخط
0

نصر جميل شعث

ولادة ميليا: ولادة ميليا الصعبة، في 2 تموز 1923، استدعت لجوء الداية ندرة سلوم إلي يوسف، بعد أن شعرت بخطورة حالة سعدي. وضعت يدها الملوثة علي فمه، لكي لا تعطيه مجالا للنقاش وإضاعة الوقت، وأمرته بإحضار الحكيم كريم تقفور حالا، لأن الحالة جد مستعصية. أطاع وذهب شاعراً بالأذي علي فمه من يد الداية الملوثة بإفرازات المخاض. علي باب الحكيم دق يوسف طويلا دون مجيب، وقد أصيب لحظتها بالإرهاق، فجلس علي درج بيت الحكيم. لكنه، في الحال، تذكر أن زوجته تموت، فاتجه فورًا للبديل: الراهبة ميلانة السمينة التي ترتدي السواد، وظلها يسقط علي المكان والأشياء. لم يحبها في حياته، في شيطانة استعملت الهرطقات والشعوذات لمنع عملية التواصل الجنسي بينه وبين زوجته التي قال لها يوسف إن الراهبة ليست امرأة، بل رجلا متنكرا في شكل امرأة، وقال إنه يكرهها، فحجمها ليس متناسبا مع قداستها. القديسون والقديسات، قال، يمتازون في العادة بالنحول، الجسد يذوب من أجل أن تتلألأ الروح. أما المرأة، فإن جسدها الضخم يقتل روحها النحيلة، جاعلا منها أشبه برجل يمتلك صوت امرأة. (ص53). الراهبة ميلانة تمثل هرطقة المسيحية. لأجل ذلك رفضت ميليا، التي أظهرت الرواية ارتباطها فالمرأة الزرقاء، رغبة جدتها ملكة شلهوب بأن تسمي الصبي الذي في بطنها ميخائيل، علي اسم دير الراهبة ميلانة، ستسميه عيسي (ص153). أيضا، الداية ندرة التي آذت يوسف، بغير قصد، هي في مشهد الولادة علي صراع مع الراهبة، لأن الحكيم، الذي طلبت حضوره وغاب، يمثل العلم. والراهبة تمثل الهرطقة. ولكن تحضر الراهبة، لأن يوسف الذي لم يعثر علي الحكيم في بيته، توجّه لسبب يجهله للدير؛ علي الرغم من أنه يكن الكره للراهبة. وحتي لو حضر الحكيم ذاته سيغيب دوره. حادثة انكسار ساق ميليا وهي صغيرة، أظهرت أن الطبيب الذي حضر، في التو، لم يفعل شيئا، اكتفي بتقبيل يد الراهبة التي قالت له إن كل شيء علي ما يرام (ص300). وبين ميليا وأمها، التي أصبحت كالخاتم تضعه الراهبة في إصبعها، صراع. فهي مصابة بالمرض الغامض، وتقيم ساعاتها الطوال في دير ميخائيل مع ميلانة. لهذا السبب كبرت ميليا، منذ طفولتها، وأخذت دور الأم، وملأت فراغ المطبخ وأصبح ماهرة في الطبخ، وقارئة لا يفارق الكتاب يدها. بينما الأم أقبلت، بعد عطالتها، علي الأكل بشراهة. فكانت تحمل معها إلي الدير من ما تطبخه بنتها، وتأكل منه الراهبة، تغرق في الجاط، ترسم إشارة الصليب، وترندح تراتيل بيزنطية مرصعة بكلمات من السيدة العذراء ( ص138)، وتقول هيدا مش طبيخ يا سعدي هيدا تجربة، ما بقي تجيبي من أكلات بنتك، شو هالنكهة كأنه الواحد، يا ربي تنجينا (ص137). فاللذة التي تشعر بها الراهبة، بتأويلها المكبوت بالاتهام، هي لذة الخطية. لكن ميليا الصبية أثبتت أن لها تجربة مبكرة مع الأمومة وتجربة ماهرة في المطبخ، وليست عاهرة متسترة خلف أجراس الكنيسة. وبقدر ما هي علي صراع مع أمها الخاضعة لهرطقات الراهبة، بقدر ما هي بديل كفؤ يعوض عطالة أمها التي انصرفت عن دورها الاجتماعي والدنيوي. وحيث أنها بديل كفؤ يملأ فراغ الدور الدنيوي، تمتلك وعيا ناقدا لما تقوم به الراهبة ميلانة التي دأبت علي أن تعالج أمها بطريقتها. حين يحضر الحكيم كريم تقفور لا تستجيب سعدي له. ترفض أخذ الدواء، وتستجيب للراهبة، وتشفي. هذا يؤكد أن المرض الغامض هو نفسي أو وهمي أكثر منه عضوي، حيث تصدّق الراهبة والواهمة، أن الخزعبلات ولحوسة الأيقونات والرندحة بتراتيل بيزنطية مرصعة بكلمات عن السيدة العذراء هي العلاج الأمثل. كانت طلبت الراهبة من ميليا، أثناء مباشرتها العلاج، أن تخرج من الغرفة، لأن الشيطان يتمثل فيها. في حين كان أبو ميليا، الذي مات في سن الخامسة والأربعين، يسمي ميلانة الشيطانة. إذا، لغاية الآن، الأب وابنته، واحد في الموقف من المسيحية القبيحة. ولكن سوف تشبه ميليا أمها عندما تتزوج الفلسطيني منصور حوراني وتعيش في الناصرة. هناك سوف يظهر لها الراهب اللبناني طانيوس الذي طردنه الراهبات من الكنيسة، فأتي إلي الناصرة. وهو الآن يلازم ميليا المأخوذة بمدينة العذراء، حيث يقوم بدور الراهبة ميلانة. وهنا يصدق حدس يوسف الذي قال لزوجته أن الراهبة ميلانة رجل متنكر في جسد امرأة. بعد انتهاء عملية الولادة وخروج الطفل للعالم، يظهر الصراع علي الاسم. الراهبة ميلانة اختارت أو قررت إطلاق اسم ميليا علي الوليد، ورضيت به سعدي. أما يوسف فقد علق معارضا شو هالاسم ميليا.. لا أنا بدي اسميها هيلانة. وبين الشيطانة ميلانة والقديسة هيلانة جناس ناقص، وطباق. أراد يوسف لطفلته أن تكون سمية القديسة هيلانة أم الإمبراطور الروماني قسطنطين الذي اعتنق المسيحية. فكان الفضل لهيلانة في ولادة أوّل اميراطورية مسيحية في العالم، عاصمتها القسطنطينية التي سقطت علي يد العثمانيين عام 1453 م. اليد التي قتلت الإمبراطور البيزنطي علي أسورها مدافعا عنها. بعد الانتهاء من الولادة وفرض الاسم علي يوسف وبراءة الطفلة، تنتقل الرواية من ميليا الاسم إلي ميليا الصورة. فـ بعد ذلك اليوم بأربعة وعشرين عاما، سوف تقف سعدي مشدوهة أمام الصورة التي علقها موسي علي الحائط في الليوان، في المكان نفسه الذي رفعت فيه الراهبة جسد ميليا المغسول بالماء والملح وزيت الزيتون. وسوف تقول الأم لابنها أنها رأت الصورة نفسها يوم مولد ابنتها، وسوف ينظر إليها موسي بعينين حائرتين مقفلا حاجبيه كي يسكتها.. الصورة التي علقها موسي علي الحائط في الغرفة التي تعرف باسم الليوان، حيث بقيت في مكانها، ولم تسقط عن الحائط إلا عندما قرر موسي هدم البيت العتيق من أجل أن يبني علي أنقاضه بناية جديدة، البيت الذي يشبه منزلين متلاصقين، بحديقة كبيرة، ستحمله ميليا معها في يقظتها ونومها حين ترحل إلي بلاد الجليل. والصفحات الممتدة من 42 إلي 58 من الرواية تتحدث بتركيز عن الاسم والصورة والبيت، والتقسيم أو التوزيع الجغرافي العائلي. أصبح تعليق الصور علي الحيطان تذكيرًا بالمصير الجليل، وليس تعبيراً عن الحب الذي نمنحه لذوينا. ميليا لم تعرف ماذا جري لصور عرسها، بعد أن غادرت بيروت مع منصور إلي الناصرة. ومنصور لم يسأل عن الصور. لقد وضع في البيت مرايا عدة.. قال إنه يريد للبيت أن يمتلئ بصورة واحدة (حية) يراها في الصباح أمام المرآة كي يبرهن لها أن لا شيء يشعل جمال المرأة مثل الحب. استبدال منصور الصور بالمرايا، ترك حيطان البيت عارية إلا من المرايا، قال لأمه التي عاتبته مرة لأنه لا يضع صورة المرحوم والده في الصالون، مثلما يفعل جميع الناس، إنه يكره الصور. الصورة بتجمد الإنسان، وبتسويه زي الميت، أنا بحب أحتفظ بصورة الوالد زي ما هي في ذاكرتي.. فالإنسان لا يموت، نحن نميته حين نعلق صورته علي الحائط، وأن والده يعيش في ذاكرته، ولا يريد أن يقتله.(ص294). صورة ميليا التي علقها موسي علي الجدار الأبيض في الليوان، سوف تبقي في مكانها، في البيت الذي ورثه موسي عن أمه.. لقد ترك الصورة كأنها صارت جزءا من الحائط. الصورة المطبوعة علي ورقة كبيرة بيضاء، والموضوعة في إطار خشبي أسود، تظهر ملامح ميليا بشعرها الطويل وعينيها اللوزيتين العسليتين، وأنفها الصغير، وشفتيها المكتنزتين، وعنقها الطويل، وخديها الضامرين، وحاجبيها الرفيعين المقفلين. صورة نصفية صنعها المصور شريف فاخوري، الذي أدخل رأسه في علبة خشبية مغطاة بقماشة سوداء، وأوقف مليا أمام الحائط الأبيض ساعتين كاملتين، كي يختار لها الوضعية الأجمل. وبدت في الصورة كأنها تنبثق من الحائط. إمراة بيضاء وملامح سوداء، والتماعة ضوء تخرج من العينين (ص42) لحظة مخاض وولادة سعدي لميليا الاسم والصورة، هي بمثابة الخلفية والنبوءة الرئيستين معا، من خلفيات ونبوءات الرواية المخيفة. صورة ميليا التي ولدت يوم الاثنين 2 تموز (يوليو) 1923، علي سرير أبيض، وضع إلي جانب الحائط الأبيض الذي علق عليه موسي صورة شقيقته (ص44). هي الصورة التي كرهتها ميليا، لأنها نبوءة الموت متجسّدا في إجراء شقيقها عندما قصد منه التدليل علي حبه لها في الحياة. وسبب تعليقه الصورة، لأن شقيقته ستترك بيت بيروت لأجل للعيش مع زوجها منصور في فلسطين. ولكن من الحب ما قتل! وقد أكثرت ميليا من صراخها: ليش قتلتها يا موسي كلازمة. وعندما نبحث حول عام ولادتها، نجد أن في العام نفسه حدثين مرتبطين، أشد الارتباط، الأول: استقلال الجمهورية التركية، في 29 تشرين الاول (اكتوبر) من نفس ولادة ميليا. والثاني: قيام الانتداب الفرنسي البريطاني بترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين وسورية. وكان سبق الولادة انتهاء عهد الحكم التركي، وبداية عهد الانتداب الفرنسي البريطاني. في الثالثة من بعد ظهر السبت 12 كانون الثاني 1946، كان الزواج، بعد أن عاشت العروس نشوة استقلال لبنان في 22 تشرين ثاني 1943. العرس قبل النكبة، ولكنه قبيل عرس جلاء آخر جندي فرنسي من لبنان في 31 كانون أول 1946. لقد صار نوم ميليا منذ لحظة موافقتها علي الزواج يشبه السقوط في حفرة عميقة معتمة (ص42). ولأجل الحفرة ذاتها لم يتمكن منصور من عمل العرس في بلاده التي ذهبت إليها العروس لأول مرة تحديداً إلي يافا من أجل المشاركة في مأتم شقيق زوجها أمين، هناك رأت البلاد التي تسمي فلسطين. فكان استشهاد أمين علي يد الانكليز، ولادةً لفلسطين في وعي ميليا. في بيروت لم تكن تري البلاد، رغم أنها عاشت نشوة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، ولكنها لم تكن تبالي. لم تسمع بفصيل الأول وحكاية مملكته التي أسسها في دمشق وامتدت إلي بيروت إلا من زوجها منصور في فندق مسابكي. هناك أوقفها تحت صورة رجل زاحل النظرات، قيل انه ملك البلاد السورية. ويمكن رصد صراع الفصول بين زمن ولادتها في ذروة الصيف حيث شمس بيروت الرصاصية تقرع الشوارع بحبال من نار، وبين زمن زواجها في كانون أول، عندما لم يتمكن منصور من عمل العرس في بلاده، ولم تتمكن أسرته من المجيء لبيروت. خلفية العرس تشبه خلفية المأتم. ولكن الاختلاف ـ الذي هو في طبيعة الوصف لا في الغرض من الوصف ـ أن خلفية المأتم سوداء، تحيل علي زواج حسيبة أم يوسف من والده سليم شاهين في الليل.. حيث.. أصرت العروس (حسيبة) علي مطلب واحد؛ أن تتزوج سليم في الليل. وكان لها ما طلبت. خرجت من منزلها متدثرة بفستانها الأسود الطويل، محاطة بوالدها وشقيقاتها الثلاثة وأزواجهن. وكان الليل يغطي موكب العرس الجنائزي. وعلي باب الكنيسة كان سليم في انتظارها لابسا عباءة حريرية مقصبة وطربوشا أحمر. وكان وحده، مثلما طلبت العروس (ص195). أما خلفية عرس حفيدتها ميليا، فأخذت تتجلي في الطبيعة: بياض الثلج الذي كان يهطل والضباب في الطريق التي سارت فوقها السيارة الأمريكية التي قادها سائق لا اسم له، في الرواية، فسمّي بمهنته، ووصفته ميليا بالأصلع وعيناه مبرقتان. وصل الاثنان، بعد مشقة الطقس، إلي فندق مسابكي بشتورة، والذي ارتاده الملوك والرؤساء والشعراء والفنانون. إذ أصر منصور علي قضاء شهر العسل هناك. في بهو الفندق وقف منصور إلي جانب عروسه، وكانت الصور. أرادها تقف تحت صورة تجمع الشيخ بشارة الخوري رئيس جمهورية الاستقلال في لبنان، وجميل مردم بيك رئيس الحكومة السورية، شرح لها كيف يلخّص هذا الحائط المليء بالصور تاريخ سورية ولبنان وفلسطين (ص328) في غرفة الفندق الخاصة بهما، أصاب منصور من أصابه من أثر أوصاف الطبيعة أو أحداث الطقس من ثلوج وعواصف وبرد شديد، فلم يستطع أن يباشر قدرته، في ليلة الفندق الأولي، إذ عطلت الطبيعة طبيعته. والحمد لله، فلم يصب بالهبل الذي يصيب الرجال في ليلة الدخلة! أما السائق، مجهول الاسم، فقد سمع يتهامس مع إحدي الخادمتين وتحملان اسما واحدا: وديعة. ولكن الرواية لم تتحدث عن مشهد السائق في الغرفة، وعما إذا عاش بطولته مع الخادمة. واكتفت بالاهتمام بوضع منصور الصحي، وخوف ميليا عليه من الموت. شاعر من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية