قدمت السينما على مدار تاريخها موضوعة «اليتيمة» بأكثر من معالجة سينمائية متباينة، حضرت فيها اليتيمة كرضيعة، طفلة، شابة، امرأة ناضجة، وامرأة متقدمة في السن. ويتسم هذا الموضوع عادة بالتعقيد، خاصة من حيث ارتباطه بالأمومة وبالتخلي عن الأطفال، وبالتاريخ السري الذي يلاحق الشخصيات حينما تنضج، وكذلك بعمقها الإنساني، حيث تحضر بقوة العواطف والمشاعر المضطربة والقسوة والغضب، والمواقف المتأرجحة والأحكام المسبقة والبعد الأخلاقي.
قدم المخرجون هذا الموضوع بقوالب فنية وإبداعية وبأنماط سردية مختلفة، يختلط فيها الاجتماعي بالوضع الاقتصادي المأزوم، وبلحظات الضعف والهروب وبالمجابهة. وأحيانا بسرد يعتمد على السير الذاتية، ويرتبط بلحظات تاريخية وسياسية معينة، عمل كثير من البلدان على تبني الأيتام وأطفال الشوارع والمتخلى عنهم وتحويلهم إلى مخبرين وشياطين بلا قلب، خدمة لأجندتها المخابراتية والأمنية.
نقدم في هذا المقال نموذجين.. كيف احتوت السينما التجارية موضوع اليتيمة وحولته إلى موضوع استهلاكي وتجاري لدغدغة العواطف. وكيف تعاملت السينما المستقلة مع هذا الموضوع بعمق فكري، ومنحته مساحة أكبر ببعد إنساني.
«المتاهة»
فيلم (October Baby) (أكتوبر بيبي) إخراج الأخوين أندرو وجون أيروين عام 2011، ويحكي قصة فتاة تبلغ من العمر 19 عاما اسمها (هانا) تنهار على خشبة مسرح الجامعة أمام أنظار المشاهدين. بعد بعض الفحوصات الطبية، يستنتج أن المشكلة مرتبطة بميلادها، لكن أسوأ شيء تكتشفه أنها متبناة بعد أن رفضتها والدتها البيولوجية. تذهب بعد الإجهاض الفاشل في رحلة غاضبة ومرتبكة، وبقليل من التوازن النفسي بحثا عن قصتها الحقيقية وعن درجات اليتم والاغتراب والغبن الذي عاشته كطفلة متبناة. لا يقدم الفيلم وعظا، ولا يواجه بين موقفين متعارضين، ولا يقدم حكما مسبقا، مقتصراً على سرد حكاية، مبنية على قضية حقيقية، حدثت في نيويورك عام 1991، بشكل مباشر ودون تعصب في دفاع عن الغفران والحب. فالحبكة تبدو أكثر أهمية من البناء السردي للفيلم، ومن هنا نلحظ الفارق الشاسع، ما بين البداية الأولية وإمكانياتها الكبيرة التي كانت متاحة أمام الفيلم.
الأمومة واليتم
يطرح فيلم (MADRES & HIJAS) (الأمهات والبنات). إخراج رودريغو غارسيا عام 2009، موضوع اليتيمة التي تشعر بالخيبة والحقد الشديد عما عاشته وقاسته. يقدم الفيلم سردا مجزءا عن ثلاث نساء يدور وجودهن حول غياب الأطفال أو البحث عنهم. تنتمي النساء الثلاث إلى مناطق ومواقف عاطفية مختلفة تماما، على الرغم من أنه في نهاية القصة تنتهي مغامراتهن معا بطريقة أو بأخرى. تلعب (أنيت بينينغ) دور المرأة الناضجة التي لديها ابنة مراهقة وكان عليها التخلي عنها للتبني. و(نعومي واتس) امرأة شابة، صارمة وحازمة وعدوانية. يتميز وجودها باختفاء والدتها البيولوجية. و(كيري واشنطن) شابة مصممة على تبني طفل بسبب استحالة حملها.

يطرح الفيلم موضوع الأمومة ببعض من خصائصها، الواقعية والخيالية، بطريقة تمزج بين الإحباط والحب والكره، وبين الفقد والوجود، فنجد هشاشة المرأة الناضجة التي أُجبرت في سن الرابعة عشرة على تقديم ابنتها المولودة للتبني. ترفض فتاة حامل أن تكون كذلك؛ القسوة والبرودة العاطفية لامرأة مدمرة تعتبر الأمومة بالنسبة لها باطلةن حيث لم يكن لديها أم، ولا تتوقع أن تكون كذلك. وهكذا يتم الكشف عن كل شخصية بخلفيتها وبظلالها الممتدة بطريقة خفية للغاية ومن خلال الأداء الدقيق والرائع للممثلات.
الجروح العميقة وعزلة الشخصيات
(أسرار وأكاذيب) (Secretos y mentiras)، فيلم مستقل من تأليف وإخراج مايك لي عام 1996. تم تصويره في لندن بميزانية 4 ملايين دولار. رشح لـ5 جوائز أوسكار. فاز بثلاث جوائز في مهرجان كان السينمائي (السعفة الذهبية، جائزة الممثلة ولجنة التحكيم). تجري الأحداث في لندن ويروي قصة أورتنسيا كومبرباتش (ماريان جان بابتيست) التي تم تبنيها عند الولادة، وبعد وفاة والدتها بالتبني، تقرر البحث عن والدتها البيولوجية. تحصل بمساعدة شركة متخصصة على وثائق ولادتها. من المعلومات التي تحتوي عليها تحديد مكان والدتها، سينتيا بيرلي (بريندا بليثين) وتتصل بها. ينغمس الفيلم في الحياة اليومية لعائلة إنكليزية تنتمي وظيفيا إلى الطبقة السفلى مع مشاكلها التواصلية والعداوات والنفور والتحيزات وسوء الفهم والأسرار والأكاذيب. الأم (سينثيا) حلوة وحنونة تشتغل عاملة يدوية في مصنع للكرتون، وهي أم عزباء أنجبت ابنتها روكسان منذ 21 عاما. كلاهما تعيشان في المنزل نفسه لكن تعايشهما صعب بسبب الاختلافات في الطباع: روكسان، تشتغل منظفة في البلدية، وتتسم شخصيتها بالصرامة وبالتحفظ. بينما يدير موريس، شقيق سينثيا، استوديو تصوير وهو متزوج من مونيكا (فيليس لوجان) التي لا تتوافق مع سينثيا وروكسان. انفصال أورتنسيا عن الأسرة يملأ روح سنيثيا بالحب الذي تحتاجه ويعطي حياتها معنى جديدا. موريس، رجل طيب بقلب كبير، يعاني لأن الشخصيات الثلاث التي أحبها، زوجته واخته وابنة اخته، في علاقات سيئة دائمة. يتميز الفيلم بسرد معتدل وبتقشف في طبيعته وينقل صورة عاطفية وصادقة لإحباطات الأشخاص المتواضعين والعاديين، وهو مأخوذ من واقع الحياة اليومية وتعقيداتها.
تؤكد الموسيقى المصنوعة من الأوتار (القيثارة والتشيلو والباس المزدوج) على عزلة الشخصيات مع المعزوفات المنفردة ذات الصدى المزدوج والقوي بتراكيب احتفالية، بحثا عن لحظات من الرضا. يبحث التصوير الفوتوغرافي عن إطارات قريبة ومتوسطة، ويستخدم مجموعة من الألوان المتنوعة مع غلبة واضحة للبياض (فستان العروس والسيارة والستائر وكراسي الشرفة والجدران…). وتطور السيناريو حبكة بسيطة للغاية، وتخلق مواقف عاطفية وأحيانا مفجعة للقلب، دون تنازلات عاطفية وبروح من الدعابة. يأتي الفيلم في إطار السينما المستقلة، معبراً بحساسية وعمق عن شخصيات مختبئة وراء الأمومة واليتم، وبجروح عميقة باحثة عن مصيرها النهائي، وبخلفية اليتيمة الفقيرة التي تبحث عن الحقيقية.
كاتب من المغرب