مالك التريكي
يعود الفضل في حيوية حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية، التي تعقد دورتها الأولى الأحد، وفي جدية سجالاتها إلى رجل واحد، هو مرشح ‘جبهة اليسار’ جان ـ لوك ميلنشون. في بداية الحملة، لم تكن نسبة الناخبين الذين ينوون التصويت لميلنشون تتجاوز 3 بالمائة. لكن ما إن شارفت الحملة على الانتهاء حتى بلغت هذه النسبة ما لا يقل عن 17 بالمائة. نجاح لافت يعزز من دلالته أن معظم وسائل الإعلام قد اضطرت إلى أخذ ميلنشون مأخذ الجد رغم أنها كانت تتجاهله في البدء. فما السر في صعود نجم ميلنشون بهذه السرعة؟ إنه ‘تطابق الطرح مع الوضع’، على حد تعبيره. تطابق أجوبة طرحه السياسي مع أسئلة الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتأزم في فرنسا منذ أعوام.
ذلك أن ميلنشون هو أول مرشح رئاسي غربي يتجرأ، منذ أن اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، على النقد الراديكالي المنهجي لإيديولوجيا النيولبرالية الاقتصادية ولممارساتها الإجرامية الكارثية التي رضيت بها جميع الحكومات وجميع الطبقات السياسية في جل الدول، بل كلها، على أنها قضاء مبرم وقدر محتوم. حيث أنه ما من سياسي ‘واقعي’ اليوم في الدول الغربية، بل حتى في بلادنا العربية، إلا وهو مسلم أمره وفكره لهذه الإيديولوجيا الهدامة التي جعلت مصير الشعوب في يد البنوك… حتى أنه صار يبدو كأن خلاص الحضارة الإنسانية متوقف على شرط وحيد هو دوام الاستعداد لإنقاذ مؤسسات المضاربات من جرائر مغامراتها ومقامراتها، ولو أدى ذلك إلى إفقار الأمم وإفلاسها.
من أبرز علامات تطابق الطرح مع الوضع في برنامج ميلنشون أنه ينطلق أولا من فهم دقيق لطبيعة الأزمة الحالية التي تعصف بالرأسمالية ومن برهنة على افتقار الحلول المنتهجة رسميا إلى النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، حيث تتلخص هذه الحلول في تطبيق سياسات التقشف الصارم وإيلاء الأولوية لتحقيق التوازنات المالية الكبرى. ولهذا فإن ميلنشون يطالب البنك المركزي الأوروبي بمنح القروض للحكومات -بما فيها حكومة اليونان التي يرى أن من حقها إعلان الإفلاس والتوقف عن سداد الديون ـ بنفس نسبة الفائدة التي يتعامل بها مع البنوك (أي واحد بالمائة)، علما أن هذه البنوك، التي حصلت من البنك المركزي الأوروبي على ألف مليار يورو بهذا الشكل، تقرض الحكومات بنسب فائدة تبلغ 18 بالمائة! الأمر الثاني أن ميلنشون نجح في إحياء الثقافة السياسية اليسارية المتأصلة في فرنسا منذ ثورة 1789 والتي لم يعد الحزب الشيوعي العريق قادرا لوحده على حمل لوائها (حيث لم يحصل في انتخابات 2007 إلا على أقل من 2 بالمائة من الأصوات)، كما أن الحزب الاشتراكي (الذي انتمى إليه ميلنشون طلية ثلاثين سنة قبل الانشقاق عليه) لم يعد يمت إليها بكبير صلة منذ أن انخرط، مثل بقية أحزاب اليسار التقليدي المحافظ، في ما يسمى بـ’الإجماع الرخو’ الذي أصبح يوحد جميع الأحزاب الأوروبية على مختلف ألوانها (على نحو لا يبعد عن الوضع شبه الكاريكاتوري السائد في الولايات المتحدة). ولا شك أن السبب الأساسي لنجاح ميلنشون في إحياء الثقافة السياسية الأصيلة لما يسمى بـ’شعب اليسار’ إنما هو التزامه الثابت بقضية إعادة توزيع الثروات، وذلك عبر مقترحات عملية مفصلة في برنامجه الانتخابي. وإذا حقق ميلنشون أمل اليسار الراديكالي في انتزاع المرتبة الثالثة بدل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبين، وإذا صح أن مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند هو الذي سيفوز بالرئاسة، مثلما ترجح استطلاعات الرأي، فإن هذا سيكون أحدث دليل على أن جميع الأمم، بما فيها أمتنا العربية، هي في مسيس الحاجة إلى يسار راديكالي ملتزم بقضايا العدالة الاجتماعية ومنحاز للمحرومين والمظلومين ـ أي يسار قادر على استعادة معنى السياسة.
ويبقى أن الملمح الشخصي الطاغي الذي يميز ميلنشون عن جميع المرشحين هو عمق ثقافته التاريخية والأدبية وبراعته في البلاغة والخطابة. حيث يقول: لقد زعم أهل الابتذال اللغوي (يقصد ساركوزي) أن الشعب لا يحب الثقافة والأدب. أفلا ترون كيف أني، أنا المتيّم بسحر اللغة، أضمّن خطبي إشارات واقتباسات أدبية كثيرة وأستشهد بأبيات شعرية مطولة، فإذا بالشعب يصغي ويتذوق إلى حد الطرب؟