اليسار العراقي والموقف من نظام بارزاني والنظام التركي..
سليم مطراليسار العراقي والموقف من نظام بارزاني والنظام التركي.. يتوجب التوضيح، ان غاية مقالنا هذا ليست الدفاع عن نظام وادانة نظام، بل من اجل تقديم مثال من الحاضر يبرر دعوة القوي العراقية وبالذات اليسارية منها، الي التخلي عن روح الجمود والتكرار ومراجعة مواقفها القديمة الموروثة والتحلي بروح التجديد والتطبع علي المتغيرات الجارية.نذكر بالضجة التي اثيرت مؤخرا حول الطروحات الاخيرة لـ(السيد مسعود بارزاني) زعيم السلطة الكردية في اربيل، ومطالبته المتكررة بالانفصال عن العراق وتهديده لتركيا وتبرير كل السياسات القومية التوسعية والاستحواذية في عموم شمال العراق وبالذات محافظة كركوك. ان الكثير من المثقفين العراقيين، وخصوصا اليساريين، وبالذات الحزب الشيوعي، لا زالوا يحملون ذلك الموقف القديم الموروث من القرن الماضي، والقائم علي الفكرة التالية:ان النظام التركي، هو نظام معاد لحقوق الانسان ولحقوق الفئات القومية التركية، كذلك هو نظام طغمة مالية عسكرية (اوليغارشية) تابعة للامبريالية العالمية.. الخ..ولهذا من الطبيعي جدا، ومن دون أي نقاش، يتوجب معاداة كل سياسات وطروحات ومشاريع الحكومة التركية فيما يخص العراق وبالذات ما يخص القوي الكردية العراقية. ان هذا الموقف اليساري، للأسف هو مثل غالبية مواقف النخب السياسية والثقافية العراقية، لا زال متحجرا وجامدا مرتاحا ومستسهلا الطروحات القديمة المعروفة والمتداولة منذ سنين طويلة. وهذا مرده الخوف وعدم امتلاك الجرأة لمراجعة المواقف القديمة ودراسة المستجدات السياسية والثقافية الجارية في العالم وفي الشرق الاوسط خصوصا. مقارنة عادلة بين النظام التركي ونظام بارزانيان الموقف اليساري العراقي المطلوب من هذه المنافسة البارزانية ـ التركية، يقتضي مراجعة موضوعية لطبيعة النظام التركي، وطبيعة السلطة القومية الكردية في اربيل وعموم منطقة بهدنان، بقيادة السيد (مسعود بارزاني). (نترك امر السيد طالباني لأنه في السنوات الاخيرة وبتأثير موقعه الرئاسي في الدولة العراقية، ربما جعله يتخذ مواقف اكثر عقلانية ووطنية عراقية)..يمكن ذكر نقاط التمايز التالية بين نظام بارزاني والنظام التركي:اولا ـ ان نظام بارزاني ( في محافظات بهدنان: اربيل ودهوك) قائم اساسا علي نظام الحزب الواحد (ممنوع تواجد حتي انصار طالباني)، مع لعبة شكلية علي الطريقة البعثية تسمح بنشاط محدود لبعض الاحزاب الصغيرة التابعة والمقيدة بشروط قاسية، يؤدي الخروج منها الي عقوبات قاسية. والدليل علي هذا، وحسب شهادات منظمات حقوق الانسان ان سجون المنطقة محشورة بالآلاف من سجناء الرأي. اما النظام التركي، فعلي الاقل في السنوات الاخيرة، قائم علي اساس الديمقراطية والتعددية والانتخابات الحرة. بالنسبة لـتأثير( القيادة العسكرية)، فإن دورها هو كرقيب علي حسن سير اللعبة الديمقراطية واحترام القوانين العلمانية. والدليل علي هذا، سيطرة حزب اسلامي علي مقاليد الحكومة رغم اختلافه الكبير عن آيديولوجية (القيادة العسكرية) الكمالية.ثانيا، ان نظام بارزاني، هو نظام شبه ديني وشبه اقطاعي، فلا ننسي ان عائلة بارزاني هي اولا وقبل كل شيء عائلة دينية (ملالي) تتزعم الطائفة الصوفية النقشبندية. وان شرعية قيادتها التاريخية للحزب وللسلطة، كانت ولا زالت قائمة علي اساس هيبتهم الدينية. وان الحلفاء الاساسيين لهذا الحزب وللسلطة هي طبقة (الاغوات) أي الشيوخ الاقطاعيون الذين بدأ ابناؤهم في السنوات الاخيرة يتحولون الي نوع من طبقة برجوازية طفيلية اغتنت من الفساد والرشاوي وسرقة ثروات مؤسسات السلطة وجماهير الاكراد.اما النظام التركي، وخصوصا بعد صعود التيار الاسلامي الحالي، فإنه اصبح اول نموذج جديد واصيل في العالم الاسلامي، بصعود حزب اسلامي تبني وطبق العلمانية والديمقراطية بصورة فائقة وباهرة اعترفت واشادت بها حتي الدول والقوي الاوروبية.ثالثا، ان نظام بارزاني، فقد تماما شرعية تمثيله لشعب مضطهد يكافح من اجل حقوقه المشروعة، بل اصبح مثل كل السلطات القومية المتعصبة ولا يختلف عن سلطة البعث العراقي، من خلال تبني شعار(كردستان الكبري) وممارسة سياسة انفصالية عنصرية توسعية للاستيلاء علي معظم شمال العراق ومنها كركوك، بالاضافة الي هضم حقوق الفئات العراقية الاخري من ابناء شمال العراق من تركمان وعرب وسريان ويزيدية وغيرها والقيام بعمليات تكريد وطرد للسكان الاصليين. علما بأن الدافع الاساسي لمثل هذه المواقف الاعلامية والاستعراضية البارزانية، ما هي بالحقيقة الا عملية مزاودة ضد منافسه (السيد جلال طالباني) ومن اجل اظهار (بارزاني) علي انه وحده الزعيم القومي المتمسك بالمشروع الانفصالي الكردي وتحقيق ذلك الحلم العنصري الساذج بـ(كردستان الكبري). اما النظام التركي، فهو منذ سنين طويلة، تخلي عمليا عن الآيديولوجية القومية العنصرية (الطورانية) الداعية الي تحقيق امبراطورية (تركستان الكبري) من اواسط آسيا حتي البلقان. تبقي المشكلة الكردية في تركيا، يقينا فيها الكثير من التعصب القومي التركي، ولكن طبيعة النظام الديمقراطي التركي اثبتت من خلال آلاف الامثلة قدرة اكراد تركيا علي نيل حقوقهم بالتدريج من خلال نضال سلمي شعبي وثقافي، بعيد عن تأثيرات الميليشيات القومية المسلحة. اما بخصوص العراق، فإن النظام التركي، منذ معاهدة عودة الموصل الي العراق، في عشرينات القرن الماضي، فإنه ابدا لم يقم بأية ممارسة تهدد امن العراق او تحاول الاستحواذ علي اراضيه (عكس نظام بارزاني). حتي الحالات المحدودة التي دخل فيها الجيش التركي الي شمال العراق كانت بالاتفاق مع الحكومة العراقية ومن اجل مكافحة الميليشيات القومية الانفصالية. بل ان موقف تركيا كان دائما ولا زال يتكرر علي لسان جميع المسؤولين، هو دعم وحدة العراق والحفاظ علي امن واستقرار شمال العراق ورفض كل السياسات العنصرية القومية بالاستيلاء علي (كركوك). حتي القوي التركمانية العراقية وعلي رأسها (الجبهة التركمانية العراقية) المدعومة من قبل تركيا، فإنها منذ سنوات عديدة قد تبنت مفهوم (الهوية العراقية) وتناضل فعليا من اجل الوحدة العراقية التي تحترم حقوق جميع الفئات العراقية ومنهم التركمان، والاصرار علي ابقاء كركوك مدينة عراقية مفتوحة لجميع ابناء الوطن.من اجل موقف وطني عادل وصريحعبر المثال (التركي ـ البارزاني) اعلاه، يتبين لنا مدي حاجة القوي العراقية ومنها قوي اليسار، ان تقوم بعملية مراجعة شاملة لمواقفها الفكرية والسياسية الموروثة.ان اليسار العراقي، مطالب بتغيير مواقفه القديمة من النظام التركي ومن نظام بارزاني، ومن عموم القوي القومية العنصرية الكردية. ليست الغاية ابدا ان نجامل النظام التركي، بل من اجل قول الحقيقة وارضاء الضمير وتوعية الناس والقوي المعنية بهذه الحقائق الجديدة. كذلك ان الموقف الرافض للطروحات القومية الانفصالية والتوسعية، هو ايضا موقف حقيقي ضميري تاريخي من صلب المعتقد اليساري القائم علي اساس الوطنية والاممية ورفض التعصب القومي وسياسة التنقية العرقية التي تمارسها السلطات القومية الكردية في شمال العراق ضد العرب والتركمان والسريان. كذلك من اجل التضامن مع كل الاكراد النزيهين والمناضلين الديمقراطيين واليساريين الذين عانوا ولا زالوا يعانون من سياسة القمع وسيادة الحزب والفكر الواحد. واخيرا وهذا هو المشروع الاكبر المطلوب تبنيه من قبل اليسار العراقي، ومنه الكردي خصوصا: دفع الاحزاب القومية الكردية، وعلي رأسها الحزب الديمقراطي، والاتحاد الوطني، بالاضافة الي باقي الاحزاب ومنها الحزب الشيوعي، من اجل استثمار الفرصة التاريخية الحالية التي ادرك فيها معظم العراقيين ومعهم اخوتهم الاكراد، بأن كل الطروحات القومية والدينية الطائفية هي سبب خراب بلادنا، وان مفاهيم الوحدة الوطنية و(الهوية العراقية) هي خلاصنا الوحيد. ولكي نوضح لكل الذين قد يتصورون او يدعون بأننا (ضد الاكراد) نذكر بطروحاتنا السابقة والحالية الداعية للاحزاب القومية الكردية ان تتخلي عن ضيق افقها القومي، وتتبني الوطنية العراقية من اجل قيادة الشعب العراقي. نعم ان اليسار العراقي له دور حاسم في دفع واقناع الاحزاب القومية الكردية الانفصالية، ان تتخلص من تعصبها القومي واحلامها البعثية الامبراطورية الساذجة، وان تتحول الي احزاب وطنية عراقية مؤهلة لقيادة العراقيين الي بناء وطن جديد يحصل فيه جميع العراقيين علي حقوقهم وادارة وطنهم بصورة سلمية عادلة وديمقراطية.ہ كاتب من العراق يقيم في جنيف8