اليمنيون بين مطرقة الحوثي في الشمال وسندان الانتقالي في الجنوب والحكومة في وضع المتفرج

خالد الحمادي
حجم الخط
0

لم يعد اليمن بلدا آمنا لأبنائه، ليس بآلات الحرب المدمرة فحسب، جوا من مقاتلات التحالف العربي، وبرا من ميليشيا الحوثي والانتقالي الجنوبي، ولكن أيضا من الممارسات التعسفية اليومية التي تعصف بهم.

 

تعز-“القدس العربي”:السنوات الخمس الأخيرة من الحرب في اليمن كانت كفيلة بتدمير كل شيء في البلاد من خدمات عامة ومصادر معيشة وبنية تحتية وخدمات صحية وتعليمية وغيرها، لكن الأكثر إيلاما والأكثر تدميرا من آلة الحرب هي الإجراءات التعسفية ضد السكان، التي يقوم بها الانقلابيون الحوثيون في الشمال والانفصاليون الانتقاليون في الجنوب، والتي تصل حدا أسوأ من آثار الحرب ذاتها.

الانقلابيون الحوثيون منذ الوهلة الأولى لسيطرتهم على العاصمة صنعاء في أيلول (سبتمبر) 2014 والاستيلاء على كافة مؤسسات الدولة ارتكبوا اسوأ أنواع الإجراءات التعسفية ضد السكان، سواء كانوا من سياسيين أو إعلاميين أو أكاديميين أو تجار أو حتى مواطنين عاديين، طالت سلامة الناس ولقمة عيشهم، بالاعتقالات التعسفية والطرد من الأعمال والتضييق على مصادر دخلهم.

فيما جاء المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيا، في 2017 ليس للسير على خطى الحوثيين فحسب، بل ليرتكب تعسفات وممارسات أسوأ مما ارتكبته جماعة الحوثي، وأحكم قبضته الحديدية على محافظة عدن وبعض محافظات الجنوب في آب (أغسطس) 2017 ليصبح صاحب سلطة الأمر الواقع هناك يعبث بمقدرات الدولة كيف يشاء، في حين تقف الدولة عاجزة عن القيام بأي إجراءات رادعة له، في ظل تماهي التحالف العربي في اليمن مع توجهات المجلس الانتقالي وبالذات الإمارات والسعودية، حيث تدعمه الأولى وتموله منذ الوهلة الأولى، في حين تقوم الثانية بغض الطرف عن ممارساته التعصفية بحق الدولة وبحق السكان.

أبرز الممارسات التعسفية التي يرتكبها الحوثيون والمجلس الانتقالي ضد السكان تتمثل في الاختطافات والاعتقالات، والتعذيب في مراكز الاعتقال السرية، والتهجير القسري، والتضييق على التجار والنشاط التجاري، والتلاعب بالعملة المحلية والصعبة، والابتزاز المالي بفرض الأتاوات الموسمية، ومداهمة المنازل والمحال التجارية للمخالفين لهم وقبل هذا كله مصادرة الأموال الخاصة والعامة، تحت مبررات قيامهم بدور الدولة كسلطة أمر واقع.

وأصبح اليمنيون بشكل عام يعيشون وضعا صعبا، بين “فكي كماشة” بين مطرقة الحوثي وسندان الانتقالي الجنوبي، وأصبح الهاربون من مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال إلى مناطق سيطرة المجلس الانتقالي في الجنوب كالمستجير من الرمضاء بالنار، من شدة الإجراءات التعسفية لدى الطرفين وكأنهما نسخة مكررة لبعض، وخريجون من مدرسة واحدة.

لم يعد اليمن بلدا آمنا لأبنائه، ولا مريحا لسكانه، ليس بآلات الحرب المدمرة فحسب، جوا من مقاتلات التحالف العربي، وبرا من ميليشيا الحوثي والانتقالي الجنوبي، ولكن أيضا من الممارسات التعسفية اليومية التي تعصف باليمنيين كل يوم، وتعكر عليه مزاجهم وتصادر عليهم حياتهم اجمالا، والتي انعكست سلبا على كل مظاهر ومقومات الحياة اليومية، من الغلاء الفاحش للأسعار وانعدام الخدمات العامة والنقص الحاد في السلع والمواد الأساسية وفي مقدمتها الأدوية والخدمات الطبية.

الأسبوع المنصرم قامت ميليشيا الانتقالي الجنوبي بحملة اعتقالات واسعة لأبناء المحافظات الشمالية العاملين في محافظة عدن، وتحديدا في مدينة الشيخ عثمان، تمهيدا لترحيلهم إلى خارج حدود المحافظات الجنوبية، ليس لها من مبرر سوى الابتزاز والتعسف ومحاولة التطهير العرقي للمحافظات الجنوبي، من سكانها من أبناء المحافظات الشمالية.

ولم تكن هذه الحالة المرة الأولى، بل تكررت مرارا خلال السنتين الماضيين التي طالت المئات إذا لم يكن الآلاف من السكان الشماليين في الجنوب، فيما اضطر البقية مغادرة الجنوب خوفا على سلامتهم من تعسفات الانتقالي الجنوبي، بعد أن كانت المحافظات الجنوبية ملجأ وملاذا آمنا لأبناء المحافظات الشمالية من جور وتعسفات ميليشيا الحوثي في الشمال، قبل تأسيس دولة الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي أسفرت تعسفاته عن هجرة عكسية لأبناء المحافظات الجنوبية إلى العاصمة صنعاء رغم صعوبة الحياة الآمنة فيها في ظل القبضة الحديدية لميليشيا جماعة الحوثي عليها.

وأصبح الأمن والأمان عزيزا وأكثر أهمية للمواطن اليمني من لقمة العيش ومن احتياجاته الأساسية، وبالذات السياسيين والإعلاميين والنشطاء غير المرغوب بهم لدى الحوثي أو الانتقالي الجنوبي، حيث أجبرهم انعدام الأمان إلى التشرد داخليا وخارجيا، واستمرار التنقل من مكان الى آخر، وفقدانهم وظائفهم ومصادر دخلهم وربما فقدان تجارتهم ومساكنهم وممتلكاتهم الخاصة.

وأقل ما يوصف به الحال في اليمن في الوقت الراهن بأنه قطعة من الجحيم، في ظل هذه الأوضاع الصعبة، التي اعتاد فيه الناس لهيب الحرب وأزيز الطائرات وقذائف المدافع، لكن يعانون الأمرّين من الممارسات التعسفية لصناع الفتنة وأمراء الحرب والذين يعيثون في الأرض فسادا دون حسيب أو رقيب، لانعدام الاحساس بالمسؤولية وعدم الالتزام ولو بالحدود الدنيا من القوانين المحلية أو بقانون الحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إثر غياب الرقابة الأممية على مجريات الأحداث في اليمن، رغم وجود مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن ولكن الأيام كشفت أنه يتماهى مع ما يجري على الأرض، ويكرس جهوده للاستمرار في وظيفته أطول فترة ممكنة بغض النظر عن تحقيق مكتسبات لجهوده من عدمها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية