اليمن: اتفاقيتا ستوكهولم والرياض تتحولان إلى سراب

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز-“القدس العربي”:تحولت اتفاقية ستوكهولم بعد عام من إبرامها بين الحكومة اليمنية وبين الانقلابيين الحوثيين وكذا اتفاق الرياض بعد شهر من توقيعه بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي إلى “سراب” فيما عملت كليهما على شرعنة وضع ميليشيا جماعة الحوثي والانتقالي الجنوبي ومنحها فرصة التحول من الوضع الميليشياوي غير الشرعي إلى وضع معترف به كسلطة أمر واقع.

وساهمت هاتان الاتفاقيتان في تعميق هوة الخلاف بين الحكومة والقوى المتحاربة معها وفي مقدمتها جماعة الحوثي في الشمال وميليشيا المجلس الانتقالي في الجنوب، واللتان تحولتا إلى كيانين قويين يناهضان الدولة فيما لعب عامل الوقت في حشر حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، الشرعية والمعترف بها دوليا، في زاوية ضيقة، حيث أصبحت المحافظات والمناطق التي تقع نظريا تحت سلطة الحكومة تتقاذفها الأمواج من كل جانب وأصبحت عمليا تحت سيطرة هذه الميليشيات المدعومة خارجيا عسكريا وسياسيا وماديا.

وكانت اتفاقية ستوكهولم، التي تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة، تتمحور حول إعادة انتشار ميليشيا جماعة الحوثي المدعومة من إيران والقوات الحكومية في مدينة الحديدة، والخروج منها إلى مسافة تحددها اللجنة العسكرية التابعة للأمم المتحدة، والتي كان التوصل إليها يعد إنجازا لحلحلة الأزمة اليمنية ومحاولة التوصل إلى أي نقاط التقاء بين الحكومة اليمنية والانقلابيين الحوثيين، كخطوة أولى نحو التوصل إلى حل شامل ووقف الحرب في اليمن، لكن أيا من هذا لم يتحقق وانتهى العام على توقيعها من دون حدوث أي خرق في جدار الأزمة اليمنية، بل وزادت الأمور تعقيدا وأفقدت اليمنيين الأمل في أي جهود تقوم بها الأمم المتحد حيال إحلال السلام في اليمن.

اتفاق الرياض

فيما كان اتفاق الرياض يتمحور حول إعادة الوضع العسكري والسياسي في محافظة عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى إلى سلطة الدولة، غير أن ميليشيا المجلس الانتقالي المدعومة ماديا وعسكريا وسياسيا من دولة الإمارات العربية المتحدة، ضربت ببنود الاتفاق عرض الحائط، وها هو البرنامج الزمني يكمل شهره الأول بدون تحقيق أي شيء يذكر لصالح الحكومة، وما تم تنفيذه من بنوده حتى الآن يصب جميعه في صالح المجلس الانتقالي، الذي يسعى إلى فصل الجنوب عن الشمال اليمني.

وكان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث علّق على اتفاقية ستوكهولم واتفاق الرياض في موقع أخبار الأمم المتحدة بقوله “أعتقد إننا خرجنا من اتفاق ستوكهولم بأمل كبير، وتلاشى بطرق عديدة، ولكن أحرزنا أيضا بعض الإنجازات الكبيرة” مؤكدا أن الأمم المتحدة لن تتخلى عن اتفاق ستوكهولم.

وفي تعليقه على تعثر اتفاق الرياض حتى الآن قال “أعتقد إن من المبكر بعض الشيء القول إن هذه الاتفاقية لا تسير على ما يرام”. وشدد على أنه “إذا انهار اتفاق الرياض، أعتقد أنها ستكون ضربة مدمرة لليمن”.

ويجمع الكثير من السياسيين اليمنيين على أن اتفاقية ستوكهولم لم تحقق أي إنجاز على أرض الواقع، إلا فيما يدور في “مخيّلة” غريفيث، الذي يذكر في كل مناسبة أن اتفاق ستوكهولم حقق تقدما وحقق إنجازات، بينما معطيات الواقع تكشف أن الوضع في محافظة الحديدة ازداد سوءا أكثر مما كان عليه قبل توقيع اتفاق ستوكهولم، والذي منح الحوثيين غطاء شرعيا تحت عباءة الأمم المتحدة، للسيطرة على مدينة الحديدة وموانئها البحرية الثلاثة.

وأما فيما يتعلق باتفاق الرياض فقد منح السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، دور الحاكم الفعلي أو “المندوب السامي” كما يحلو للكثير من اليمنيين تسميته، حيث أصبح هو المشرف على القوات العسكرية السعودية في الجنوب عموما وفي محافظة عدن بوجه خاص، والتي خلفت نظيرتها الإماراتية في عدن، بعد أن طفحت الروائح النتنة للقوات الإماراتية إثر اتهامها بارتكاب انتهاكات خطيرة في حقوق المدنيين في محافظة عدن والتي أصبحت القوات الإماراتية معرضة للملاحقة القانونية والقضائية محليا ودوليا.

الطرف الأضعف

ولم تحقق الحكومة اليمنية من اتفاقية ستوكهولم بشأن اعادة الانتشار في الحديدة ولا من اتفاق الرياض بشأن إعادة الوضع العسكري والسياسي في الجنوب، أي شيء يذكر على أرض الواضع، بل وتراجع الوضع الحكومي بشكل كبير إلى درجة أن حكومة الرئيس هادي أصبحت تعد الطرف الأضعف في المعادلة السياسية اليمنية مع بقائها منذ خمس سنوات في المنفى، حيث أصبحت تحتفظ فقط بالشرعية الدستورية والاعتراف الدولي في مقابل امتلاك خصومها للسيطرة على الأرض كسلطة أمر واقع للحوثيين في صنعاء وأغلب محافظات الشمال وسلطة أمر واقع للمجلس الانتقالي في عدن وأغلب محافظات الجنوب.

وساعد طول أمد الحرب لنحو خمس سنوات جماعة الحوثي الانقلابية على كسبها جولات الصراع، وتعزيز قدراتها العسكرية عبر التصنيع الحربي وتطوير تقنياتها العسكرية بمساعدة خبراء عسكريين إيرانيين ومن حزب الله اللبناني، كما استفاد المجلس الانتقالي الجنوبي من الدعم الإماراتي اللا محدود ماديا وعسكريا وسياسيا في بناء ميليشيا مسلحة في الجنوب مناهضة لسلطة الدولة، كما أصبحت الأطراف الإقليمية والدولية التي كانت تدعم حكومة الرئيس هادي تميل كثيرا في الوقت الراهن إلى خلق توازن قوى في اليمن، عبر تراجع حماسها عن دعم الحكومة الشرعية والتعامل معها كأحد أطراف الصراع بل وكطرف أضعف، وهو ما يدفع بالأزمة اليمنية إلى مزيد من التعقيد واستحالة تحقيق سلام قابل للديمومة في حال وضعت الحرب أوزارها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية