تعز-“القدس العربي”:كشف مصدر حكومي يمني رفيع أن اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي وبين المجلس الانتقالي الجنوبي، ذو التوجه الانفصالي بدعم إماراتي، لم يلب الرغبة الحكومية في استعادة سلطتها على المحافظات الجنوبية وفي مقدمتها عدن، كما لم يحقق أيضا طموحات المجلس الانتقالي في انفصال الجنوب الذي وضعه لمطالبه.
وقال لـ”القدس العربي” إن “من المقرر أن يتم التوقيع رسميا على الاتفاق بين الحكومة اليمنية الشرعية وبين المجلس الانتقالي الجنوبي، يوم الأحد أو خلال اليومين التاليين له في الرياض، وما تم تداوله إعلاميا صباح الجمعة لم يكن سوى موافقة مبدئية من قبل ممثلي الجانبين على مسودة الاتفاق ولم يكن توقيعا نهائيا على الاتفاق”.
وأضاف أن “التوقيع الرسمي لهذا الاتفاق سيكون في مراسم رسمية ستحضرها شخصيات رفيعة من السعودية ودولة الإمارات والأمم المتحدة” مؤكدا أن مسودة الاتفاق التي تم تداولها في بعض وسائل الإعلام ليست دقيقة وليست النسخة النهائية منها، وانما تتضمن المفاهيم العامة لمسودة الاتفاق”. مشيرا إلى أن هناك تكتما كبيرا على بنودها التفصيلية بنسختها النهائية حتى لا تفشل العملية التفاوضية بشأنها.
وذكر أن من أبرز معالم هذا الاتفاق دمج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في إطار وزارتي الداخلية والدفاع التابعة للدولة، وعودة الحكومة ومؤسسات الدولة إلى عدن وإشراك المجلس الانتقالي في حكومة شراكة وطنية بحقائب محدودة يتم تشكيلها عقب التوقيع على الاتفاق، ضمن حصة الجنوب التي يفترض أن تكون مناصفة مع الشمال، ويحتفظ الرئيس هادي بالحقائب الوزارية السيادية.
بنود مسودة الاتفاق
وحصلت “القدس العربي” على بعض بنود مسودة هذا الاتفاق اليمني – اليمني، برعاية السعودية ومباركة الإمارات، حيث تضمن في الجانب السياسي تشكيل حكومة كفاءات سياسية لا تتعدى 24 وزيرا يعين الرئيس هادي أعضاءها بالتشاور مع رئيس الوزراء والمكونات السياسية مع منح الجنوبيين 50 في المئة منها خلال 45 يوما “من المشهود لهم بالنزاهة وعدم الانخراط والتحريض في أعمال قتالية خلال أحداث عدن وابين وشبوة، على ان يؤدوا القسم في اليوم التالي أمام الرئيس في عدن”.
وشمل كذلك على أن يعين الرئيس محافظا لعدن ومديرا للأمن فيها خلال 15 يوما من توقيع الاتفاق كما يتم تعيين محافظ لمحافظتي ابين والضالع خلال 30 يوما، ويباشر رئيس الوزراء الحالي عمله في عدن خلال أسبوع من توقيع الاتفاق لتفعيل كافة مؤسسات الدولة، كما يعين الرئيس هادي محافظين ومدراء أمن في بقية المحافظات الجنوبية خلال ستين يوما.
وفي الجانب الأمني تضمن الاتفاق على أن تتولى قوات الشرطة والنجدة التابعة للحكومة تأمين محافظة عدن مع إعادة تنظيم قوات الحكومة والمجلس الانتقالي “وفق الاحتياج” ويتم استيعاب قوات المجلس الانتقالي في إطار قوات وزارة الداخلية وتسجيلها خلال ثلاثين يوما من التوقيع على الاتفاق.
وتضمن كذلك إعادة تنظيم القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب واختيار عناصر جديدة لها وتعيين قائد جديد لها وترقيم أفرادها خلال ثلاثين يوما في إطار مؤسسات وزارة الداخلية وتشارك قوات مكافحة الإرهاب في تأمين محافظة عدن.
وشمل كذلك إعادة تنظيم قوات حماية المنشآت خلال ثلاثين يوما ويتم الاختيار من العسكريين الحاليين أو من الكفاءات من قوات الحكومة الشرعية أو قوات المجلس الانتقالي، من جميع المحافظات الجنوبية، وتسند إليها مهمة حماية مقر الحكومة في عدن والبنك المركزي والموانئ والمطارات ومقرات الوزارات وضمها لوزارة الداخلية، وتتولى قوات حماية المنشآت خلال تسعين يوما مهام الحماية في بقية المحافظات المحررة وفي مقدمتها موانئ المكلا والضبة والمخا ومنشأة بلحاف النفطية، بالإضافة إلى توحيد وإعادة توزيع القوات الأمنية وضمها للداخلية خلال ستين يوما.
عودة القوات إلى مواقعها
وفي الجانب العسكري تضمن الاتفاق عودة جميع القوات التي تحركت إلى مواقعها ومعسكراتها الأساسية باتجاه عدن وابين وشبوة، منذ شهر آب (اغسطس) الماضي بكامل أفرادها وأسلحتها وتحل قوات الأمن محلها خلال 15 يوما.
ويتم بموجب هذا الاتفاق “تجميع ونقل الأسلحة المتوسطة والثقيلة من جميع القوات خلال 15 يوما إلى معسكرات في عدن تحددها وتشرف عليها قوات التحالف بما فيها الدبابات والمدرعات والمدفعية والكاتيوشا والهاونات وكذا الصواريخ الحرارية”.
كما يتم “نقل جميع القوات العسكرية التابعة للحكومة والتشكيلات التابعة للانتقالي إلى معسكرات خارج عدن تحددها قيادة قوات التحالف خلال 30 يوما من التوقيع على الاتفاق ويستثنى من ذلك اللواء الأول حماية رئاسية لحماية القصور الرئاسية وحماية قيادات الانتقالي، تحت إشراف قيادة التحالف” بالإضافة إلى توحيد القوات العسكرية وترقيمها في إطار مؤسسات وزارة الدفاع وتوزيعها خلال 60 يوما، وكذا إعادة تنظيم القوات العسكرية في محافظات ابين ولحج والضالع وشبوة، مثل إجراءات عدن، خلال 60 يوما، وفي بقية المحافظات الجنوبية خلال 90 يوما.
مواقف
وقوبلت المعالم العامة لهذا الاتفاق التي ترشحت حتى الآن بـ”مواقف متباينة” حيث وصفها البعض بـ”خيبة أمل كبيرة” لكلا الطرفين، فيما اعتبرها البعض الآخر بارقة أمل لحلحلة الأزمة اليمنية والسير بخطوات عملية في طريق إنهاء الحرب، ولو بتقديم التنازلات الجسيمة. معتبرين أن هذا الاتفاق سلب الحكومة أمورا سيادية فيما لم يحقق الطموحات التي كان يسعى إليها المجلس الانتقالي بفصل الجنوب عن الشمال.
وقال الكاتب الصحافي العدني عبد الرقيب الهدياني لـ”القدس العربي” حول مدى نجاح هذا الحوار بين الجانبين الحكومي والمجلس الانتقالي وتطبيق مخرجاته على أرض الواقع “أعتقد أن مخرجات هذا الحوار أو مسودة الاتفاق الذي تقدمت به السعودية لحل الإشكال بين المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية هي المخرج الوحيد لجميع الأطراف لعدة أسباب أولا، لأن المجلس الانتقالي بسيطرته على محافظة عدن وصل إلى طريق مسدود، حيث لا يستطيع ان يدير المحافظة أو محافظات لحج والضالع التي تقع تحت سيطرته أيضا بعيدا عن سلطة الحكومة الشرعية، حيث اصطدم باحتياجات الناس، بالخدمات الأساسية، هناك أزمات كثيرة ظهرت في عدن، لا يستطيع أن يقوم بها، ولم تقم دولة الإمارات، الداعم للمجلس الانتقالي بتغطية غياب الحكومة، وبالتالي وضع المجلس الانتقالي نفسه في مأزق”.
وأضاف أن الأمر الآخر هو أن انسحاب القوات الإماراتية من عدن بموجب تفاهمات مع السعودية غيّر قواعد اللعبة في عدن، حيث حلّت قوات سعودية محل القوات الإماراتية في عدن، واستلمت القوات السعودية مقر قيادة التحالف في منطقة البريقة بمحافظة عدن، واستلمت مطار عدن الدولي، وسيتم استلام جميع المواقع التي كانت تسيطر عليها القوات الإماراتية، وستصبح القوات السعودية هي التي ستدير المشهد الأمني في محافظة عدن، بما معناه أنه ليس هناك من طريق أو خيار أمام المجلس الانتقالي إلا أن يسلّم بهذا الواقع والذي يعد بمثابة (طوق النجاة) له الذي يضمن عدم الخسارة الكاملة، بحيث “إما أن يقبل بهذه المخرجات التي ستعطيه شيئا من الشراكة في الحكومة وإدماج ميليشياته وقواته في إطار مؤسستي الدولة الداخلية والجيش، وإما سيخرج من المشهد بدون أي مكاسب”.
وأرجع الهدياني مبررات هذا الطرح إلى أن المجلس الانتقالي أيقن أن مشروعه وشعاراته والمطامع التي كان يمثلها لدولة الإمارات، مع اختلاف الأهداف، جميعها سقطت اليوم، مشروع الانفصال سقط بهزيمته في شبوة وفضه في سقطرى والمهرة، وبالتالي الجنوب لم يعد يتقبل مشروع الانفصال، كذلك عدن في حالة انتفاضة كبيرة ضد مشروع الانفصال، وضد مشروع المجلس الانتقالي وضد مطامع الإمارات، حيث رصدت منظمات حقوقية قيام المجلس الانتقالي باعتقال أكثر من 400 شخص ناهضوا المجلس الانتقالي خلال الأحداث الأخيرة في آب (أغسطس) الماضي، وهذا يكشف أن المجلس الانتقالي في حالة صدام مع الشارع، وهو يوقن بأن مشروعه سقط، وبالتالي ليس أمامه سوى الشراكة ويرتب أتباعه وكوادره في إطار مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أنه متفائل من إمكانية تحقيق بنود هذا الاتفاق على أرض الواقع لأنها “السبيل الوحيد لخروج الجميع من الأزمة الراهنة ومن الخسارة الكبيرة”.
وأوضح أن المجلس الانتقالي كان عبارة عن مكون جنوبي صنعته دولة الإمارات العربية المتحدة، تخطيطا وتمويلا وتسليحا، وكان كل نشاطه في هذا الاتجاه، حيث كان عبارة عن هراوة وأداة صنعتها الإمارات لتحقيق مطامعها في اليمن ومن خلال قراءتنا لأدائه السياسي والعسكري والأمني تسير كلها في هذا الإطار، بما يخدم أجندة الإمارات وتحقيق مطامعها، واستخدمته أبو ظبي كورقة لممارسة الضغط على الحكومة اليمنية الشرعية.
نتائج
الباحث والكاتب السياسي نبيل البكيري ذكر انه يعتقد أن نتائج هذه المباحثات هي تسوية “تخصم من شرعية” الحكومة الشرعية لصالح طرف من الأطراف المتصارعة في الداخل وهو المجلس الانتقالي.
وقال البكيري لـ”القدس العربي” إن “هذه التسوية خطيرة على المستقبل اليمني، لأنها تؤسس لشرعية الانقلاب، في عدن وصنعاء على حد سواء، فضلا عن ذلك تختزل القضية الجنوبية في المجلس الانتقالي، وهو مجلس معروف بولائه وانتمائه وتمويله ودعمه من الإمارات”.
واعتبر أن هذا الاتفاق لن يضفي أي شيء في حلحلة المشهد السياسي أو العسكري والأمني في اليمن “لأنه في الأخير ليست المشكلة في الحلحلة العسكرية والأمنية بقدر ما هي في بقاء الأسباب التي ستؤدي إلى دورات عنف وأزمات متلاحقة وتالية”.
واعتبر أن المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل اشكالية خطيرة فيما يتعلق باستخدام السلاح “وهذه مقاربة خطيرة في الشأن السياسي، حيث عندما ذهب المجلس الانتقالي إلى استخدام السلاح يعني انه تحول من مكون سياسي إلى طرف ميليشياوي انقلابي وبالتالي المعالجات السياسية والأمنية والتمرد المسلح لا تجدي نفعا بقدر ما تؤدي إلى مزيد من الأزمات ومزيد من دورات العنف والعنف المضاد”.
وقال البكيري “إن التدخل السعودي والإماراتي ساهم بشكل كبير جدا في وصول المأزق اليمني إلى هذه المرحلة، بفعل أنه تم تحت غطاء دعم الحكومة الشرعية اليمنية وتحوّل إلى خلق كيانات بديلة للحكومة الشرعية كالمجلس الانتقالي الجنوبي وغيره، ليحلوا محل الحكومة الشرعية، وبالتالي ليس هناك أي أمل أو جدية في أن نصدق أن الإمارات أو السعودية تسعى إلى حلحلة الاشكال في الملف اليمني أو السعي إلى استعادة الشرعية اليمنية”.
وأضاف أن ما قامت به السعودية والإمارات حاليا هو “عمليا إدارة مرحلة طويلة من الصراع، وهذا السيناريو في اعتقادي رسم لإطالة أمد الصراع وأتى بنتائج عكسية وخطيرة فيما يتعلق بانهيار منظومة الأمن الاستراتيجي السعودي ووصول الحكومة اليمنية الشرعية مع الإمارات إلى طريق مسدود، وتحول الإمارات من حليف وشريك في معركة استعادة الشرعية اليمنية إلى عدو مثلها مثل جماعة الحوثي”.
ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق بقدر ما يتضمنه من جوانب إيجابية، أظهر اليمن “مسلوب الإرادة السياسية” وكأنه أصبح رسميا “تحت الوصاية” السعودية والإماراتية، حيث من المقرر أن تشرف الرياض على كافة الخطوات التنفيذية لهذا الاتفاق بما في ذلك المشاركة في اختيار الوزراء والمسؤولين العسكريين والأمنيين ويبقى دور الرئيس هادي البصم فقط على ما يتم تقديمه إليه.