اليمن: الثورة نجحت في إسقاط سلطة صالح وفشلت في إنهاء نظامه   

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز-“القدس العربي”: “الشعب يريد إسقاط النظام” بهذه العبارة انطلقت حناجر الشباب العاطش للتغيير في 11 شباط (فبراير) من العام 2011 في شوارع العاصمة صنعاء وغيرها من المدن اليمنية، والتي ما زالت محفورة في الذاكرة، وهي الصورة الذهنية التي تبقت من مآثر الثورة الشعبية اليمنية، ضد نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، والتي قادت إلى تغيير صالح، لكنها لم تنجح في تغيير نظامه.

مثّلت الثورة الشعبية في اليمن طموح شريحة واسعة من الشعب، ما عدى أتباع نظام الراحل علي صالح، وكان الأمل معقود فيها من حيث الانتقال من حكم العسكر السلطوي الفاسد، إلى حكم الشعب المدني الشفاف والنزيه، ولكن هذا الطموح سرعان ما تبدد إثر التدخلات الإقليمية والدولية، التي بدت في ظاهرها من أجل الحفاظ على مسار الثورة، لكن أهدافها البعيدة كانت لوأد الثورة ونسفها من الأعماق حتى لا تقوم للقائمين عليها قائمة في المستقبل.

 وكانت في مقدمة تلك التدخلات، المبادرة الخليجية التي تبنتها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي تدخلت تحت مبرر الاسهام في حل الأزمة اليمنية كدول جوار، لضمان انتقال السلطة سلميا من الرئيس صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، وظهرت أبعادها ومخاطرها لاحقا، حيث تحكمت الدول الخليجية وحلفاؤها الغربيون بالمشهد اليمني برمته وأصبحت السلطة التي جاءت بها الثورة في صنعاء أداة طيّعة بيد تلك القوى لتحقيق مشاريعها التدميرية في اليمن.

كانت المؤشرات الأولية في عام الثورة تعطي انطباعا ايجابيا بأن الدول الغربية تقف إلى جانب الثورة الشعبية في اليمن، من منطلق دعم المسار الديمقراطي في البلاد، الذي تدعوا اليه تلك الدول وتعتبره من قيمها السياسية والحضارية التي تسعى إلى تحقيقها في الدول النامية، غير أن تلك المؤشرات تحولت لاحقا إلى النقيض، عبر دعم مسار المبادرة الخليجية وتأييد سياسة الدول القمعية التي تبنتها وتبنت الثورات المضادة للربيع العربي، وكانت سببا أساسيا في قمع الثورة اليمنية ووأدها في مهدها.

وعلى الرغم من تيسير دول المبادرة الخليجية لعملية نقل السلطة من علي صالح إلى نائبه هادي، إلا أن الأيام كشفت فيما بعد أن هذه المبادرة لم تكن سوى (وسيلة شيطانية) على حسب تعبير بعض الساسة، لتهدئة غضب الشارع اليمني من أجل وقف انتقال العدوى الثورية إلى الجارة السعودية وما وراءها من دول الخليج، والتي قامت تلك الدول بعدها بالعمل التدريجي ليس فقط لوأد الثورة ولكن أيضا لتدمير البلد برمته، عبر هذه الحرب الطاحنة، المشتعلة منذ أكثر من ست سنوات.

وكشفت العديد من الدلائل والمعطيات أن جماعة الحوثي التي اجتاحت العاصمة صنعاء بعد نحو سنتين ونصف من الإطاحة بالرئيس صالح وسيطرتها على مؤسسات الدولة فيها في غضون ساعات بدون تدخل قوات الجيش أو الأمن، لم تكن جماعة ذات قدرة عسكرية أو بشرية أو مالية حتى تنجح في ذلك، بقدر ما كانت أداة تنفيذية بيد المحركين الإقليميين والدوليين للوضع في اليمن، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، التي سهلت لجماعة الحوثي الوصول إلى صنعاء عبر بقايا جيش المخلوع صالح، بهدف قمع التحوّلات الجديدة التي أفرزتها الثورة الشعبية، بمبرر سيطرة الاسلاميين عليها، بينما واقع الحال بعيد عن ذلك.

العوامل المحلية والإقليمية والدولية

وإجمالا شهدت الثورة الشعبية اليمنية موجة من النجاح وموجات من الاخفاق، بفعل العوامل المحلية والإقليمية والدولية، التي جاءت جميعها ليست لصالح الثورة، وتوحدت في مجملها ضد أهدافها، عبر مصالح متشابكة وتخادمات ثنائية، بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

الباحث السياسي اليمني نبيل البكيري قال لـ”القدس العربي” إن “اليمن سجّل واحدة من أنصع الثورات الشعبية السلمية والمدنية في شعب قبلي مسلح، ولكن هذه الثورة الجميلة التي رسمت صورة عظيمة عن أروع صور الكفاح السلمي المدني في مجتمع قبلي ذكوري مسلح، تم إجهاضها قبل أن تتمكن من التحول نحو الانتقال السياسي الديمقراطي وتم وأدها سريعا، بتكالب قوى الداخل والخارج المعارضة لأي تجربة عربية ديمقراطية”.

وأضاف “رأينا كيف وقف الجميع ضدا للثورة اليمنية ككل الثورات العربية، فتحالفت الأقليات الطائفية مع دول الثورات المضادة العائلية في الخليج لؤأد هذه الثورة التي صبت في مصلح قوى الأقليات الطائفية المدعومة إيرانيا”.

وأوضح البكيري ان “حالة الحرب الدائرة اليوم في اليمن هي نتيجة طبيعية لإجهاض الثورة السلمية المدنية، وبالتالي فهذه الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس ما كان لها أن تنفجر لولا التحالف غير المعلن بين قوى الثورات المضادة محليا وإقليميا وخارجيا، وهو ما يتطلب إعادة قراءة المشهد من جديد ورسم خريطة جديدة تقف على عوامل الإعاقة وكيف يمكن تجاوزها وخلق معادلة سياسية جديدة ترتكز على إسقاط الإنقلاب أولا وإعادة بناء خريطة تحالفات وطنية جديدة لاستعادة الدولة وبنائها من جديد”.

إلى ذلك قال الكاتب السياسي ياسين التميمي لـ”القدس العربي” إن “الثورة الشبابية الشعبية السلمية في اليمن حققت مثلها مثل  معظم ثورات الربيع العربي، الأهداف الحيوية المتمثلة في إسقاط الأنظمة وتأسيس مسارات سياسية جديدة للتغيير، تقوم على مبدأ الديمقراطية والشراكة الوطنية، وتعلي من أهمية الأدوار السياسية للأحزاب والكيانات المدنية”.

وأوضح أن الذي حدث هو ان ثورة الحادي عشر من شباط (فبراير) اليمنية 2011 واجهت مؤامرة خارجية مثلتها الثورة المضادة التي تتخذ من أبو ظبي مقرا لها. وقال “اختارت الأنظمة القمعية طريقا مكلفا لحماية نفسها ينتهي إلى تدمير بلدان الربيع العربي، ليبدو الربيع مكلفا ونذير شؤم للشعوب التي ثارت ودرسا قاسيا يمنعها من العودة إلى ذات الطريق”.

واستدرك التميمي بقوله “لكن الربيع العربي شق خط التغيير ودفعت الشعوب كلفاً كبيرةً بحيث لا تستطيع ان تتحمل عودة الأنظمة القمعية وفسادها وانحطاطها”. موضحا أن “هناك حالة جديدة من المواجهة في سياق الثورة تجري في جبهات القتال ومن خلال المشاريع السياسية التي تتفاعل في أوساط النخب السياسية داخل اليمن وخارجها وكلها تقريبا تتأسس على ثورة شباط (فبراير) ومخرجاتها وتستهدف المواجهة مع التركة السيئة لنظام المخلوع صالح ومع ميليشيا الحوثي المسلحة التي جلبها إلى المشهد السياسي لتكشف عن مشروعها السياسي الطائفي المرتبط بإيران”.

من جانبه قال أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة صنعاء الدكتور عبدالباقي شمسان لـ”القدس العربي” إن أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي عموما واليمن خصوصا راجعة إلى الأزمة الحادة التي كانت سائدة في المشاركة السياسية واحتكار السلطة لصناعة القرار وتفشّي ظاهرة الفساد، وهيمنة المؤسسة العسكرية لعقود طويلة على السلطة، واحتكار الحكم بأثواب متعددة، وتم خلالها إضعاف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني من أداء دورها في المجتمع.

وأوضح شمسان أن “إسقاط رأس النظام كان أقصى طموح للشباب الثائر، ولكن لم يكن لديهم برامج ورؤية سياسية واضحة للحكم، فقد كانوا قوة احتجاج وليس قوة اقتراح، بمعنى أنهم لم يكونوا يملكوا مشاريع سياسية لما بعد الثورة”. مشيرا إلى ان الأحزاب السياسية العتيقة ركبت موجة الثورة وصادرت طموحات الشباب الثائر وسارت بها بعيدا عن تطلعاتهم.

وأضاف ان الدول الإقليمية وفي مقدمتها السعودية تدخلت في اليمن من خلال المبادرة الخليجية بشأن انتقال السلطة من علي صالح إلى نائبه عبدربه منصور هادي، والتي استخدمتها الرياض تدريجيا لوأد الثورة الشعبية في اليمن، عبر الابقاء على نصف السلطة لعلي صالح ومنحه الحصانة، وأخيرا وأد ما تبقى من السلطة عبر اتفاق الرياض. مشيرا إلى أن هذا التوجه السعودي صادف هوى لدى الدول الغربية في قمع التحولات التي جاءت بها ثورات الربيع العربي ومنها اليمن، إثر هيمنة الاسلاميين على تلك التحولات.

وأوضح أن التحولات الاجتماعية لا تتم مرة واحدة، وأن ما حدث في المنطقة سيستمر طويلا، وان كان هناك دولا تقليدية لم تشهد تحولات سيتم اخافتها بنماذج دول الربيع العربي التي حاولت التغيير وإلى أين وصلت، لاقناع تلك الشعوب هناك بأن وضعهم يعد الأفضل، ولكن الوضع في اليمن أو في غيره من دول الربيع العربي قد انطلق ولن يتوقف قطار التغيير، بل سيقود المنطقة حتى في تلك البلدان التقليدية إلى مزيد من انتشار التحولات السياسية.

وذكر أن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى انفجار ثورات الربيع العربي ما زالت قائمة وأن التحولات التي شهدتها هذه الدول لم تلب طموحات شعوبها حتى الآن، وبالتالي قد تشهد المنطقة موجة ثانية وثالثة من التحولات لتحقيق التطلعات الشعبية التي اندلعت من أجلها ثورات الربيع العربي التي دفعت الشعوب ثمنا باهضا من أجل تحقيق أهدافها.

 

اقتباس

تدخلات القوى الإقليمية أسفرت عنها الحرب الطاحنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية