تعز – «القدس العربي»: تسببت الحرب الاقتصادية في اليمن بين الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي وجماعة الحوثي الانقلابية بتدهور مستمر لسعر العملة المحلية الريال أمام العملات الصعبة، الذي وصل أمس الى أدنى مستوى له في تاريخه، بتجاوزه عتبة 800 ريال للدولار الواحد في مناطق الحكومة الشرعية. وقال مصدر مصرفي لـ»القدس العربي» أن «ما يحدث في السوق المصرفية في مناطق الحكومة الشرعية أمر لا يصدق، انهيار مستمر لسعر الريال اليمني أمام العملات الأجنبية والحكومة عاجزة عن احتواء الموقف فيما جماعة الحوثي مسيطرة على السوق المصرفي، حيث يشهد سعر الصرف في مناطقها استقراراً أكثر».
وأضاف «هذا الأمر خطير جداً، وقد أثّر على الحركة التجارية وعلى الوضع المعيشي بشكل عام في البلاد، بعد وصول قيمة الدولار الواحد الى 807 ريال يمني في مناطق الحكومة الشرعية بينما لا زال سعره مستقر منذ عدة شهور عند حاجز الـ600 ريال في العاصمة صنعاء وبقية المناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون الحوثيون».
وأرجع أسباب انهيار سعر الريال اليمني الى عدة أسباب أبرزها انتهاء الوديعة السعودية في البنك المركزي اليمني، التي أسهمت خلال الفترة الماضية في إبطاء وتيرة انهيار سعر الريال اليمني، بالاضافة الى عجز الحكومة عن إدارة الملف الاقتصادي، إثر سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة عدن والتي يقع فيها البنك المركزي اليمني.
وحسب المصدر فإن «جماعة الحوثي نجحت الى حد كبير في معركتها الاقتصادية ضد الحكومة الشرعية، عبر استخدام كل الأوراق والأدوات التي تمتلكها لممارسة الضغط على الحكومة ولي ذراعها في هذا الملف، ومن أبرز مظاهرها نهب العائدات النفطية والتنصل من التزاماتها بتوريد هذه العائدات للبنك المركزي أو دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها».
وفي إطار حربها الاقتصادية اتخذت جماعة الحوثي قراراً مطلع العام الجاري برفع رسوم التحويلات المالية من مناطق الحكومة الشرعية الى مناطق سيطرة الحوثيين الى 30 في المئة من قيمة أي حوالة مالية، أي تقريبا ثلث المبلغ يذهب للإنفاق على رسوم التحويل، بينما لا تزال رسوم التحويلات من مناطق الحوثيين إلى مناطق الحكومة لم تتغير وفي حدودها الدنيا، بالإضافة الى منع الحوثيين تداول الطبعات الجديدة من العملة المحلية في مناطق سيطرتهم، واعتبارها عملة غير شرعية لأن الحكومة الشرعية هي من طبعتها.
وفي الوقت الذي لم تعد فيه الحكومة الشرعية قادرة على احتواء الانهيار في الوضع الاقتصادي، إثر سيطرة الانفصاليين الجنوبيين بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه دولة الامارات على مفاصل الدولة في عدن، تواصل جماعة الحوثي استخدام الورقة الاقتصادية للضغط على الحكومة وتحقيق مكاسب اقتصادية يعزز وضعها السياسي ويدعم موقفها العسكري، بالحصول على تمويلات مستمرة لجبهات القتال المشتعلة ضد الحكومة.
وكانت محال الصرافة قد اضطرت امس الى إغلاق أبوابها أمام الزبائن في محافظة عدن والعديد من المحافظات الأخرى الواقعة تحت إدارة الحكومة الشرعية، إثر الارتفاع المخيف لسعر العملات الصعبة أمام سعر الريال اليمني، الذي انهار لأدنى مستوى بشكل غير منهجي، إثر انعدام السياسة المالية وغياب البنك المركزي عن التدخل لاحتواء الموقف.
وكان سعر الريال اليمني قبيل دخول اليمن أتون الحرب الراهنة ثابت لعدة سنوات عند عتبة 215 للدولار الواحد، لينهار سعره تدريجيا، في كل المحافظات اليمنية، سواء التي يسيطر عليها الحوثيون أن التي تقع تحت سلطة الحكومة الشرعية، غير أنه في الآونة مع بداية العام بدأت جماعة الحوثي اتخاذ ورقة العملة وسيلة لممارسة الحرب الاقتصادية ضد الحكومة، وهو ما تسبب في انهيار سعرها في مناطق سلطة الحكومة واستقرارها النسبي في مناطق سيطرة الحوثيين.
وتخوض الحكومة اليمنية منذ شهور حربا نفطية مع الحوثيين، إثر الصراع حول ناقلة النفط العائمة (صافر) التي ترسو في مياه البحر الأحمر قبالة ميناء رأس عيسى في شمال محافظة الحديدة، والتي يرفض الحوثيون السماح لبعثة تقنية من الأمم المتحدة للقيام بصيانتها، حيث يشترط الحوثيون تسليمهم كميات من النفط المخزون فيها مقابل السماح بذلك، فيما ترفض الحكومة هذا الطلب وتعتبره مصادرة للمال العام.
وأعلنت الحكومة اليمنية أمس حرصها على تسهيل وصول المشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة على الرغم من قيام جماعة الحوثي بخرق الآلية المتفق عليها سابقا مع مكتب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث، وذلك بقيام الجماعة بسحب ما يزيد عن 40 مليار ريال من عائدات المشتقات النفطية من الحساب الخاص في فرع البنك المركزي في الحديدة المخصص لدفع مرتبات الموظفين المدنيين في كافة ارجاء اليمن.
وأوضحت الخارجية اليمنية في بيان لها «ان الحكومة وعلى الرغم من خروقات الحوثيين ونهبهم لهذه العائدات إلا ان الحكومة عملت على ادخال عدد من السفن عبر ميناء الحديدة مؤخراً لتفادي وقوع أزمة مشتقات نفطية تفاقم معاناة اليمنيين لاسيما خلال الظروف الراهنة على الرغم من استمرار قيام الحوثيين بالسيطرة على الحساب الخاص الذي تودع فيه هذه العائدات».
وووفقا لمصادر اقتصادية تمارس جماعة الحوثي ضغوطاتها على كل شركات الصرافة والبنوك العاملة في العاصمة صنعاء لاتباع سياساتها المصرفية، واستمرار التعامل مع البنك المركزي التابع لها في صنعاء، وهو ما ساهم في كسر العزلة المصرفية للحوثيين في التعامل مع العالم الخارجي.