اليمن: القوة تخسر المعركة

حجم الخط
0

الجنوح للعنف واستخدام القوة في مواجهة المتظاهرين السلميين مؤشر بالغ الدلالة على بداية الانحسار والتراجع لموجة المد الحوثي التي ضربت شواطئ الحياة السياسية والاقتصادية، وأحدثت ارتدادات عنيفة اطاحت بكل العملية السياسية في اليمن وستظل آثارها المدمرة تعمل لزمن طويل على تعميق التصدعات وتمزيق النسيج الاجتماعي المثخن بالجراح..
كان اجتياح العاصمة بقوة السلاح يوم 21 أيلول/سبتمبر بمثابة تأكيد لخيار راسخ طالما احتكم اليه اليمنيون في تسوية خلافاتهم بعيدا عن أدوات السياسة الاخرى ولغة الحوار.
غاب ذلك عن رعاة المبادرة الخليجية كما يغيب عن كثير من المراقبين ان اي تسوية سياسية لن يكتب لها النجاح ما لم تعمل باشتراطات وسياقات الحالة اليمنية التي تستدعي وجود قوة مؤثرة وفاعلة بشكل حقيقي بين اطراف الصراع ولديها القدرة والمشروعية على التدخل وفرض التسوية باي شكل كان .
بقراءة سريعة لمجرى الصراعات السياسية في اليمن يمكننا ان نؤكد ان منطق القوة كان السائد دائما والاكثر حضورا في تسوية الخلافات ولم يكن الحوار سوى مناورة لا يعول عليها الطرف الاقوى لكنه يستخدمها كورقة اخلاقية يتستر بها ويستمد منها مشروعية العنف ويقدمها لمناصريه وللخارج كدليل على غياب جميع أبواب الحل السلمي وبالتالي مشروعية ذهابه لخيارات القوة.
صالح ما كان ليقبل بترك السلطة نزولا عند رغبة الثائرين عليه لولا انشقاق الجيش ووقوف الجناح العسكري ذي الثقل القبلي لحزب الاصلاح الى جانب المطالبين برحيله، كذلك الحال بالنسبة لحزب الاصلاح فقد غادر مربع السلطة ودوائر صناعة القرار تاركا الساحة لجماعة الحوثي بعد ان جرى تدمير جناحه العسكري واجتياح معقله القبلي في عمران .
حضوره المؤثر في المشهد السياسي حتى الآن يعود بدرجة رئيسية لاحتفاظه بجزء من قواته العسكرية في محافظة مأرب..
في صيف 94 غدر صالح بشركائه في تحقيق الوحدة بعد أن تخلوا عن سلاحهم واستخدم الدبابات للانقلاب عليهم وعلى كل الاتفاقيات والمبادرات الاقليمية.
كان صالح يملك القوة بينما الطرف الآخر يملك الحجة، وانتصرت غطرسة القوة على عدالة الحجة وتلك هي طبيعة الاشياء .. قبل ذلك في شتاء كانون الثاني/يناير 1986 في جنوب اليمن احتكمت القبائل الماركسية لفوهات البنادق لتسوية خلافاتها رغم خطاب طويل وعبثي ظلت تردده عن تجاوزها لعقلية الشيخ والقبيلة..
الشيء المؤكد ان القوة آمن بها وسلم لها جميع اليمنيين قبل ثورة 2011
وكانت دائما هي السبيل الوحيد للطرف الاقوى لفرض ارادته وتسوية خلافاته مع الاطراف الاخرى عندما يستعر النزاع ويشتد الصراع…
يتساءل الكثيرون كيف يمكن ان تصبح ابعد الاحتمالات حقائق ماثلة على الارض في زمن قياسي، كيف وصل الحوثيون من تفاصيل المشهد الى قلب الصورة؟
في هذا البلد لا تخضع الأحداث والتطورات السياسية في تفجرها وجريانها للمعايير والمقاييس المتعارف عليها في العمل السياسي ولا حتى لمنطق العقل والتاريخ لذلك يستعصي المشهد اليمني على الفهم والقراءة.
الحوثيون انطلقوا من مرجعية ثقافية تاريخية تمجد الثأر والقوة وترى في من يختلف معها ولايسلم لها عدوا وعميلا للخارج ..
تعاطف معهم الجميع عندما شن عليهم نظام صالح ست حروب عبثية والتف حولهم آلاف الهاربين من جحيم الفقر والفساد عندما رفعوا رايات المظلومية لكنهم خدعوا الجميع وانقلبوا على كل المبادئ.
.كانت اكذوبة الدولة التي روج لها صالح تتهاوى يوم غادر الحوثيون خنادق صعدة ولم يكن لهم اي رصيد سياسي عندما وجدوا ان الطريق سالك لاسقاط العاصمة فدخلوها دخول الفاتحين مدججين بالسلاح والصرخات ..اعتقدوا ان المعارك تنتهي بفتح العواصم والثغور كما قالت لهم كتب التاريخ، فإذا بهم يطالبون بتقديم مشاريع ورؤى لبناء الدولة وتوفير البديل اذا ما ارادوا ان يقبل بهم الاخرون ويعترف بهم العالم والحقيقة انهم لم يكونوا يمتلكون سوى العنف والرصاص ومشروع هيمنة مفصل على مقاسات طائفية ورغبات مذهبية تتماهى مع تمدد النفوذ الشيعي في بقية العواصم العربية. أفاقت دول الخليج من هول الصدمة فبدأت تعيد حساباتها وترتب صفوفها بعد ان خسرت جميع اوراق اللعبة فوضعت جماعة الحوثي في لوائح الارهاب وأوقفت عن اليمن كل اشكال الدعم والمساعدة.
كان الاقتصاد اليمني يترنح فسارع الحوثيون لاستكمال مشروعهم التوسعي وفرض اجندتهم تحت غطاء شرعية هادي وحكومة الكفاءات قبل ان تطالهم اثار العقوبات …..
عجز الرئيس هادي وغياب اطراف العملية السياسية وتشتتهم وعدم قدرتهم على تقديم مشروع وطني وفر لجماعة الحوثي كل الحجج والاسباب لينطلقوا نحو الفصل الاخير من فصول جنون القوة وقاموا بخطف مدير مكتب الرئيس ووضعوا الحكومة تحت الاقامة الجبرية في سابقة هي الاولى من نوعها في تاريخ اليمن. رمى هادي بآخر اوراقه وقدم استقالته واستقالة الحكومة. ووجد الحوثيون انفسهم في العراء دون اي مشروع او شرعية ودون رؤية لبناء الدولة يمكن ان يقبل بها الناس ويعترف بها العالم كانت المشاهد الاخيرة من حكايات القوة والدم تتوالى وجمهورية صالح الورقية تتداعى وبدأت الاصوات ترتفع من جديد والاحتجاجات تتسع وجماعة الحوثي يبحثون عن غطاء شرعي وواجهة يقفون خلفها .

سفير سعيد الشعبي – كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية