اليمن: المخاطر والقيود على حرية التنقل بين المناطق تعد من أكثر العذابات اليومية التي يواجهها المسافرون

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز ـ «القدس العربي»: خلقت الحرب الراهنة في اليمن أوضاعا أسوأ وأنكى من الحرب ذاته، وفي مقدمة ذلك المخاطر الكبيرة أثناء حركة السفر والقيود الشديدة على حرية التنقل بين المدن والمناطق اليمنية، تصل في كثير من الأحيان إلى حد الموت أثناء مرور بعض نقاط العبور أو نقاط التفتيش المسلحة في طريق السفر.

حالات وفاة وإصابات كثيرة شهدتها السنوات السبع الماضية من الحرب أثناء حركة السفر بين المدن والمناطق اليمنية، إما نتيجة القنص التي تستهدف المسافرين، أو نتيجة اجتياز مناطق ونقاط ممنوع الاقتراب منها، أو أحيانا القتل العمد من قبل المسلحين الذين يتمركزون في نقاط التفتيش لرصد حركة المسافرين، حيث أصبح في ظل هذا الوضع «كل مسافر متهم حتى يثبت براءته».
ولا تقتصر القيود على السفر أو المخاطر على الحياة في اليمن بين المدن البعيدة، ولكنها تصل في الكثير منها إلى حد القيود المفروضة بين المناطق والأحياء في إطار المدينة الواحدة، كما هو الحال في مدينة تعز، التي تشظت أحياؤها ومناطقها بين سيطرة ميليشيا جماعة الحوثي وسيطرة القوات الحكومية، وكذا الحال في مدينة الحديدة، التي أصبحت حاليا تحت السيطرة الحوثية الكاملة بعد أن كانت حتى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مقسمة بين الميليشيا الحوثية والقوات الحكومية، ومثلها محافظات البيضاء والضالع ومأرب وشبوة والجوف وغيرها.
لم يعد الحديث «السفر قطعة من العذاب» ينطبق على وضع السفر في اليمن حاليا، لسبب بسيط وهو أن السفر في اليمن أصبح هو «العذاب» ذاته، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث لا يخرج المسافر من بيته إلا بعد أن يكون قد جهّز وصيّته وكفنه، وودّع أهله وأحباءه وداعا حارا، لاحتمال أن يكون هذا هو الوداع النهائي، لأنه لا يضمن مطلقا العودة إلى حيث غادر سالما معافى.
وليد قاسم، شاب من محافظة تعز، موظف في صنعاء، قضى إجازة قرابة شهر، بين أهله في منطقتهم الريفية، جنوبي مدينة تعز، قال لـ«القدس العربي»: عندما «وقفت عند عتبة باب المنزل لأداء سلام الوداع على والدتي، لم تتمالك والدتي من البكاء ولم تقو على الوقوف على رجليها من الخوف والرعب على وضعي أثناء السفر، وكأنه الوداع الأخير، ولم أستطع الفكاك من ضمة حضنها إلا بصعوبة بالغة، بعد أن طمنتها كثيرا بأنه لن يجرى لي شيئا ان شاء الله، وسيكون لنا زيارات ولقاءات أخرى».
وأوضح أنه قضى يوما كاملا في رحلة شاقة ومرعبة من قريته في جبل صبر، الواقعة تحت سيطرة القوات الحكومية، إلى العاصمة صنعاء، حيث تسيطر عليها جماعة الحوثي، بعد أن كانت الرحلة لا تستغرق أكثر من خمس ساعات قبل الحرب.
وأشار إلى أنه لم يتمكن من عبور الطريق الاسفلتي الرئيسي من تعز إلى صنعاء، عند انطلاق رحلته من تعز، حيث تضطر سيارات النقل إلى المرور عبر طرق فرعية غير معبّدة، نظرا لأن الطرق الرئيسية مغلقة من قبل الحوثيين، الذين يفرضون حصارا على مدينة تعز منذ منتصف 2015.
هذا نموذج بسيط يتكرر كل يوم لكل مسافر من مدينة تعز إلى العاصمة صنعاء وإلى بقية المحافظات والمدن اليمنية، ونفس الوضع وربما أسوأ منه يتكرر كذلك في مدن ومحافظات أخرى مثل الحديدة، والضالع وشبوة ومأب والجوف، وغيرها.

السفر والطريق إلى الموت

في ايلول/سبتمبر الماضي كانت قضية مقتل الشاب اليمني عبدالملك أنور السنباني، 30 عاماً، المغترب في الولايات المتحدة الأمريكية على يد مسلحي المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة لحج، جنوبي اليمن، أثناء عودته لزيارة أسرته، من أكثر القضايا التي أثارت ضجة شعبية حينها وحوّلت الحادثة إلى قضية رأي عام.
وذكرت المصادر حينها أن الشاب السنباني الذي ينتمي إلى محافظة ذمار، شمالي اليمن، تعرض للتوقيف عند نقطة تفتيش تابعة لمسلحي المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من دولة الإمارات في منطقة طور الباحة بمحافظة لحج، جنوبي اليمن، أثناء عودته من الولايات المتحدة عبر مطار عدن الدولي الذي يعد المنفذ الوحيد للسفر الدولي، مع مطار سيئون في حضرموت.
وأوضحت ان السنباني تعرّض للتوقيف والتفتيش المكثف، من قبل نقطة التفتيش في منطقة طور الباحة أثناء سفره عبر البر بسيارة أجرة من محافظة عدن نحو منطقة أسرته في محافظة ذمار، وعندما وجد مسلحو الانتقالي الجنوبي بحوزة السنباني مبالغ نقدية بالدولارات الأمريكية هي مدخرات غربته، حاولوا سلبها منه بالقوة، فامتنع عن ذلك ودخل معهم في جدل وعراك بالأيدي وانتهى الامر بإطلاق الرصاص عليه من قبل المسلحين حتى أردوه قتيلا.
وفي كانون الثاني/ديسمبر المنصرم تعرض الشاب مازن نظام فليتة، للقتل عند محافظة الجوف الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، في طريق عودته من محافظة المهرة، شرقي اليمن، إلى العاصمة صنعاء، حيث اضطر إلى أن يسلك طريقا غير الطريق المعتاد للوصول إلى العاصمة صنعاء تفاديا للمناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية، نظرا لأنه من عائلة الناطق الرسمي لجماعة الحوثي محمد عبدالسلام فليتة، المقيم في عمان.
وحوادث قتل كثيرة ومشابهة تقع بين الحين والآخر في نقاط التفتيش التابعة لجماعة الحوثي في المحافظات الشمالية أو التابعة لقوات المجلس الانتقالي في الجنوب أو في غيرها من النقاط الخارجة عن السيطرة الحكومية. غير أن الكثير من حالات القتل التي تحدث في نقاط التفتيش الحوثية لا تجد طريقها للرأي العام نظرا للقمع الأمني هناك وعدم السماح بنشر أي معلومات عن أي حادثة، غير أن بعضها تتسرب للإعلام بشكل متواضع، مقارنة بحجم المآسي التي ترافقها وتجد طريقها للنشر بين الحين والآخر.

مخاطر الاعتقال أثناء التنقل

لا يشبه الموت أثناء حركة السفر والانتقال بين المناطق اليمنية إلا عمليات الاعتقال القسري التي تطال المسافرين من مختلف الأطراف السياسية المتحاربة، حيث تجزأت السيطرة على المناطق والمدن اليمنية بين الحكومة والحوثيين والمجلس الانتقالي، والتي أسفرت عن مآس كثيرة للمسافرين المحسوبين على هذا الطرف أو ذاك، حيث يتعرض المسافرون المناهضون للحوثيين للاعتقال الفوري عند مرورهم في أي نقطة تفتيش تابعة للحوثيين، ويتعرض كذلك المسافرون المحسوبون على الحوثيين إلى الاعتقال أو المنع من السفر في مناطق سيطرة الحكومة، وأما في مناطق سيطرة القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي فإن عمليات الاعتقال أو الاعتداء قد تطال أي مسافر من الشمال، سواء كان محسوبا على الحكومة أو على الحوثيين.
ووفقا لتقارير المنظمات الحقوقية اليمنية والدولية، كانت الحالات الأكثر وقوعا في عمليات الاعتقال للمدنيين حدثت في المنافذ ونقاط التفتيش التابعة للحوثيين في مناطق سيطرتهم، حيث شهدت الأحياء والمناطق التي تقع تحت سيطرة المسلحين الحوثيين حوادث اعتقال بالآلاف، وبالذات للنشطاء السياسيين أو الاعلاميين أو المناهضين لسياسة الحوثيين الطائفية والقمعية.
ومن أبرز وأشهر نقاط التفتيش سيئة الصيت التابعة لجماعة الحوثي في مخاطر الاعتقال أثناء التنقل هي نقطة أبوهاشم، في محافظة البيضاء، التي تعد المنفذ الوحيد للمسافرين بين العاصمة صنعاء ومحافظة مأرب والجوف وحضرموت وشبوة، والتي تمارس فيها أبشع عمليات الاعتقال بشكل يومي وبأعداد كبيرة، حيث خصصت مباني رسمية ومنشآت عامة قريبة من هذه النقطة إلى مراكز اعتقال للمسافرين، لكثرة ما يتم ممارسته من اعتقالات، قبل أن يتم ترحيلهم إلى مراكز اعتقال حوثية في محافظات ذمار والعاصمة صنعاء.
وذكر مسافرون لـ«القدس العربي» إنهم عندما يمرون بسلام من نقطة تفتيش (أبوهاشم) الحوثية في محافظة البيضاء يشعرون وكأنهم ولدوا من جديد، لكثرة الرعب الذي يواجهون من قبلها، حيث يتم الفحص الدقيق في أسماء كافة المسافرين في السيارات العامة والخاصة للتأكد من هوياتهم وخلفياتهم السياسية والفكرية ونشاطهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وبمجرد الاشتباه في أي اسم يتم اعتقاله فورا، والذي يعني أنه أصبح في عداد المفقودين، حيث من يتم اعتقاله لا يجد طريقه إلى النور مجددا إلا بعد طلوع الروح ومبالغ فدية خيالية لأنها تشبه عمليات الاختطاف من أجل الفدية، هذا إذا كان حظ المعتقل سعيدا، أما لو كان غير ذلك فإنه لن يرى النور مجددا الا بعملية تبادل أسرى من المقاتلين الحوثيين بمعتقلين مدنيين لدى الحوثي، بين الحكومة والحوثيين.

هيجة العبد ومخاطر السفر في تعز

تشهد محافظات تعز والحديدة والضالع ومأرب أكثر المخاطر أثناء عمليات السفر والانتقال من منطقة إلى أخرى نظرا لوقوع مناطقها في مناطق التماس بين القوات الحكومية وميليشيا الحوثي.
وتشهد مدينة تعز، على سبيل المثال، حصارا خانقا عليها من قبل مسلحي جماعة الحوثي منذ صيف 2015 بإغلاق كافة الطرق الرئيسية المؤدية إليها من قبل المحافظات الأخرى، والسيطرة الحوثية على الأحياء ومناطق الأطراف في الجهات الشرقية والشمالية والغربية، والتي أصبحت معزولة عن باقي الأحياء في وسط مدينة تعز التي تقع تحت سيطرة القوات الحكومية، وهو ما ضاعف من معاناة سكانها الذين انقطعت بهم السبل وأصبحوا معزولين عن الخدمات بين هذه المناطق ومقطوعين عن التواصل مع أهاليهم وأقاربهم بينها، حيث تمزقت الأسر بين سكان مناطق سيطرة الحكومة ومناطق سيطرة الحوثيين.
وتزداد مأساة السكان الواقعين في مدينة تعز التي تقع تحت سيطرة الحكومة، نظرا لعدم قدرتهم على الانتقال منها إلى محافظات عدن ولحج وغيرها من المحافظات الأخرى إلا عبر طريق فرعي ضيق غير مؤهل لحركة السفر بين المحافظات، ويمر عبر جبل شاهق، يسمى «هيجة العبد» الذي أصبح علامة للرعب للمسافرين، لمخاطر السفر عبره، والذي يتعرض بين الحين والآخر إلى الإغلاق بسبب تعثر الحركة فيه نتيجة شاحنات البضائع التي تضطر إلى المرور عبره لنقل البضائع إلى مدينة تعز المحاصرة.
وأصبح المسافر يقضي عشرات الساعات أثناء رحلته الحالية من تعز إلى العاصمة صنعاء في حين كان يسافر في غضون خمس ساعات قبل الحرب، وبتكاليف مضاعفة عدة مرات لا تقارن بما كان في السابق. وفي الوقت الذي كان الراغب في الانتقال من أحد أحياء مدينة تعز إلى منطقة الحوبان التي يسيطر عليها الحوثيون في غضون 15 دقيقة بالسيارة أصبحت عملية سفر مطولة تستغرق بين 5 إلى 6 ساعات من أجل الوصول اليها لمسافة تتجاوز 10 كيلو مترات عبر الطرق الجبلية غير الممهدة، إذا مشت الأمور بشكل طبيعي بدون إعاقات أو معوقات طارئة.
وهكذا أيضا مسار الطريق من تعز إلى العاصمة صنعاء، حيث كانت تستغرق الرحلة منها على مسافة 256 كيلو مترا نحو 5 ساعات، أصبحت تستغرق أكثر من 12 ساعة، نظرا لكثرة نقاط التفتيش فيها ولأنها تمر في طرق فرعية وجبلية غير ميهأة لمثل هذا النوع من السفر الطويل.

نداءات دولية لحل مشكلة التنقل

هذا الوضع الصعب والشاق في حركة السفر والمحفوف بالمخاطر دفع بمبعوثي الأمم المتحدة إلى اليمن مرارا إلى إطلاق دعوات لأطراف الصراع في اليمن إلى إيلاء الجانب الإنساني أولوية خاصة وتسهيل حركة السفر ورفع القيود على المسافرين.
وفي تقرير حديث أطلقه المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، مطلع الأسبوع المنصرم، أكد فيها ان ملايين اليمنيين يواجهون قيودا مفروضة على حرية التنقل في اليمن الذي يشهد حربا منذ نحو 7 سنوات.
وقال التقرير الأممي «عصف النزاع باليمن على مدى ما يزيد عن سبع سنوات، وقتل وشرد آلاف المدنيين، وتسبب في آثار مدمرة على البنية التحتية ومؤسسات الدولة والنسيج الاجتماعي والاقتصاد».
وأوضح أن «الحياة اليومية تزداد صعوبة بالنسبة لملايين اليمنيين في جميع أنحاء البلاد بسبب توقف الرواتب، وتدهور العملة، وعدم إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن القيود الشديدة المفروضة على حريتهم في التنقل».
وكشف مبعوث الأمم المتحدة في تقريره أن «القيود المفروضة على حرية التنقل، توثر على ملايين اليمنيين الذين يضطرون لاستخدام طرق أطول وغير ممهدة وخطيرة، عادة تنتشر فيها نقاط التفتيش الأمنية، والتي تديرها عناصر مسلحة من مجموعات مختلفة يرتكبون في كثير من الأحيان انتهاكات لحقوق الإنسان دون مساءلة».
واضاف أن «هذا الوضع أدى إلى زيادة متوسط وقت السفر لليمنيين بشكل كبير مقارنة بما كان عليه قبل الحرب». مشيرا إلى أن «معالجة قضية حرية التنقل في اليمن بشكل شامل أمر معقد، ويتطلب العديد من الإجراءات لمعالجة النطاق الكامل للمشكلة».
وشدد مبعوث الأمم المتحدة في تقريره على «ضرورة أن تكون الطرق داخل اليمن متاحة لاستخدام المدنيين، وخاصة الطرق الأساسية التي تعتبر حيوية للسفر والتجارة بين المحافظات وداخلها».
ودعا غروندبرغ إلى ضرورة «تأمين هذه الطرق عن طريق إزالة الألغام، والتأكد من أن نقاط التفتيش آمنة، وأن الجهات الأمنية التي تديرها خاضعة للمساءلة، على أن يترافق ذلك خفض التصعيد العسكري في جميع أنحاء البلاد».
ولم تطلق هذه الدعوات الأممية من فراغ بشأن القيود المفروضة على حرية التنقل بين المدن والمناطق اليمنية والمخاطر التي تحف حركة السفر منها وإليها، حيث أصبحت هذه المشكلة واحدة من أكثر المشاكل تعقيدا وتأثيرا على حياة اليمنيين منذ بداية الحرب نهاية العام 2014 بين الحكومة وجماعة الحوثي في الشمال أو بين الحكومة والمجلس الانتقالي في الجنوب، وتحمل في طياتها المآسي اليومية بشكل مستمر، وكل مأساة أسوأ من سابقتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية