اليمن: المشهد السياسي والعسكري يزداد تعقيدا مع تراجع سلطة الحكومة الشرعية وتغوّل الميليشيات

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز-“القدس العربي”: أصبح المشهد السياسي والعسكري في اليمن أكثر تعقيدا من أي وقت مضى مع إطالة أمد الحرب والتي ساهمت في نشوء ميليشيات جديدة متعددة الأطراف والجغرافيا بالإضافة إلى الميليشيا الحوثية التي انقلبت على الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي، عقب سيطرتها على العاصمة صنعاء، في 21 أيلول (سبتمبر) 2014.

وكانت خمس سنوات ونصف تقريبا من الحرب في اليمن كفيلة بتدمير بقايا مقومات السلطة الشرعية، أو مكونات الدولة في البلاد، ولم يعد اليمن الذي عهدناه قبل صيف 2014 هو نفسه اليمن في صيف 2020. فلم يعد لليمن نظام واحد، كما لم تعد له حكومة واحدة، في ظل تعدد الولاءات وتشظّي الجغرافيا بين مختلف الميليشيات، التي أصبحت ميليشيا الحوثي واحدة من ثلاث على الأقل تصارع الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، التي أصبحت اسما أكثر منها واقعا إلا في نطاق ضيق.

وحتى الحكومة الشرعية ذاتها أصبحت منقسمة على نفسها ومتعددة الولاءات، حيث تعيش أسوأ صراع سياسي في تاريخ الحكومات اليمنية، تتنازع أعضاءها ولاءات متعددة محلية وإقليمية ودولية، بين الولاء للرئيس هادي، وبين الولاء للسعودية، وبين الولاء لدولة الإمارات، ناهيك عن الولاء للغرب، وهو ما أضعف مكانتها وخلخل تماسكها وجعلها عرضة للرياح العاتية التي تعصف بها من كل جهة.

وتضاعفت المشكلة الحكومية داخليا مع ما يمكن وصفها بـ”الخيانة” التي تعرضت لها من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات الذي تدخل في اليمن في 26 آذار (مارس) تحت مبرر إعادة الشرعية، لكن الأيام كشفت أن التحالف استخدم شرعية الرئيس هادي كشماعة لتدخله في اليمن لتحقيق مآربه وأهدافه ومشروعه الخاص الذي طمح إلى تحقيقه منذ زمن طويل.

ونتيجة لذلك لم تعد الحكومة الشرعية في اليمن تصارع جبهة الانقلابيين الحوثيين فحسب، بل أصبحت طرفا واحدا من بين أطراف متعددة، من بينها طرف ميليشيا الحوثي الانقلابية شمالا، وطرف ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالية جنوبا، وميليشيا العميد طارق صالح الإماراتية غربا، بالإضافة إلى طرف القوات السعودية شرقا في محافظة المهرة، وكذا القوات الإماراتية التي احتلت محافظة جزيرة سقطرى الواقعة عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر العربي، وأصبحت الشرعية مكبّلة بكل هذه القيود من الحلفاء قبل الخصوم، ولم تعد قادرة على التحرك بحرية وسلاسة، كما أن قرارها السيادي أصبح مرهونا بيد غيرها، وفي مقدمة ذلك الدولة المستضيفة لها وهي المملكة العربية السعودية وكذا دولة الإمارات العربية المتحدة التي أصبحت تجاهر بسياساتها العدائية للحكومة الشرعية وللرئيس هادي تحديدا، في حين استطاعت كسب ولاءات العديد من الوزراء وأعضاء مجلس النواب.

ولم يعد هذا الوضع المزري والمرير للحكومة الشرعية سرا، بل يتناوله ويكشفه المسؤولون الحكوميون والبرلمانيون علنا قبل غيرهم أمام الملأ، في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، وهو ما تسبب في انفجار العديد من الشخصيات المؤثرة سياسيا بإطلاق صفارة الانذار والتحذير من الوضع الذي تؤول إليه البلاد في ظل الوضع الراهن، والتي تتجه نحو الهاوية برعاية التحالف العربي، الذي أصبح هو الخصم الأكبر للحكومة في نظر العديدين لما تسببه في صناعة ميليشيات جديدة ضد الحكومة كما في نموذج المجلس الانتقالي وميليشيا طارق.

وتجاوز الأمر ذلك إلى قيام التحالف بالحيلولة دون تضييق الخناق على الانقلابيين الحوثيين وتسهيل مهمة توسعهم في أكثر من جبهة، ومنع قوات الجيش الوطني التابع للحكومة الشرعية من التقدم في العديد من جبهات المواجهة معهم وفي المقدمة جبهة سلسلة جبال نهم وجبهات محافظة الجوف والتي سقطت مؤخرا في أيدي الانقلابيين الحوثيين كإحدى نتائج سياسات التحالف العسكرية والسياسية في اليمن والذي حوّل الحرب في اليمن بينه وبين الحوثي كما أراده الحوثيون أنفسهم، في حين كانت الحكومة الشرعية تحاول في بادئ الأمر عرض صورة الحرب بأنه بين ميليشيا الحوثي الانقلابية وبين القوات حكومة.

 ونتج عن هذا التوجه العام للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن وتكبيل الحكومة بهذه القيود، تغوّل الميليشيا المتعددة في مختلف أرجاء البلاد وبسط نفوذها بكل أريحية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وكأنها تسير وفق مرسوم مخطط لها من قبل التحالف، فيما تقف الحكومة اليمنية عاجزة عن القيام بأي دور للحد من ذلك أو وقف هذا الانهيار المتسارع الذي ينهش في جسد ما تبقى من هيكل الدولة.

وفي ظل هذا الوضع لم يعد يمثل اليمن حكومة واحدة، بل ثلاث حكومات على الأقل، حكومة شرعية معترف بها خارجيا تقيم في المنفى الاختياري، في العاصمة السعودية الرياض، وحكومة انقلابية في العاصمة اليمنية صنعاء وهي حكومة الحوثيين، والتي تسيطر على العديد من موارد الدولة الاقتصادية وحتى المساعدات الإغاثية الدولية وتدير مناطق سيطرتها بالحديد والنار، وتخصص كل هذه الموارد المالية لتمويل جبهات القتال ضد الحكومة وضد دول التحالف فيما تتنصل عن مسؤولياتها في دفع رواتب موظفي القطاع العام الذين يعملون في مناطق سيطرتها وتطالب الحكومة الشرعية بالقيام بذلك، بأسلوب استفزازي لا يخلو من الغرابة.

وأصبحت جهود وتحركات جميع الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف اليمني تسير في هذا الاتجاه الذي يعزز سيطرة الميليشيا المناهضة للدولة وللحكومة الشرعية على حساب استعادة الدولة التي يطمح إليها أغلب اليمنيين، الذين وقعوا ضحايا لهذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل، وأدخلت الآلام والمآسي لكل بيت في اليمن، بمستويات مختلفة وبأشكال متعددة.

ووفقا لهذه المعطيات على الأرض، تراجعت مواقف المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث الرامية إلى وقف الحرب واستعادة الدولة، وتسايرت جهوده مع الموجات الهادرة التي دفعت بالوضع اليمني إلى شواطئ غير آمنة، قد تقوده في قادم الأيام إلى مخاطر التقسيم والتشطير وإلى ما هو أبعد من ذلك، بما فيه شرعنة الاحتلال الإماراتي لجزيرة سقطرى والتي أصبحت أعلامها ترفرف من الآن في العديد من المواقع السيادية في هذه الجزبرة النادرة الموقع والجغرافيا والبيئة الطبيعية والتي كانت تعد ضمن المحميات الطبيعية والتراث الإنساني الدولي.

وجاءت مضامين المبادرة التي يقوم مبعوث الأمم المتحدة بتسويقها حاليا على أطراف الصراع المسلح في اليمن خالية من الروح، نظرا لأنها لم تعالج الأسباب التي أدت إلى انحدار اليمن نحو الحرب ومحاولة خلق فرص أمام تحقيق سلام دائم وعادل، حيث لم تلامس مضامين مبادرته الجراح لتطبيبها بل تنكأ الجراح وتبالغ في الإيلام، وفقا للعديد من السياسيين، الذين قالوا لـ”القدس العربي” إن “مبعوث الأمم المتحدة أصبح أداة بيد التحالف العربي ووسيلة لتحقيق أهدافه بالإضافة إلى تمربر مشاريع العالم الغربي في اليمن، أما الشرعية اليمنية فلا مكان لها في مسرح هذه المعركة التي لم تعد معركته وفقا للعديد من معطيات الواقع الراهن”.

ووفقا لمشروع هذه المبادرة التي وصفها غريفيث بأنها ما زالت مجرد مقترحات قابلة للنقاش والتعديل “يوافق طرفا هذا الاتفاق على وقف فوري وشامل لإطلاق النار في كافة أنحاء اليمن لتحقيق التالي: توسيع دائرة التدابير الإنسانية والاقتصادية العاجلة لتخفيف وطأة المعاناة عن الشعب اليمني والتصدي لمخاطر الجائحة، وضمان حرية حركة المواطنات والمواطنين وإعادة فتح الطرق والمطارات وتدفق البضائع والخدمات الإنسانية والتجارية، وبناء الثقة بين الطرفين، وإيجاد بيئة مواتية لاستئناف المشاورات السياسية في اليمن”.

وأصيبت الأوساط السياسية اليمنية بصدمة من مشروع هذه المبادرة الأممية التي جاءت بعد أكثر من سنتين من الجهود المتواصلة لمبعوث الأمم المتحدة غريفيث وذلك نظرا لأنها لم تهدف إلى التوصل إلى وقف نهائي للحرب وانما لتهيئة الملعب السياسي للبدء في مشاورات السلام في اليمن، وهذا ما يعطي إيحاء بأن مشوار الحرب في البلاد ما زال في البداية وأن مؤشرات هذه المبادرة تعزز مخاوف اليمنيين بأن الحرب ما زالت طويلة، وعليهم التكيف على ذلك، وألا يرتجوا من الأمم المتحدة حلولا لمشكلتهم، بدليل ما تقوم به من هدر للجهود والوقت في كل من سوريا وليبيا وغيرها منذ نحو 9 سنوات بدون الوصول إلى أي نتائج تذكر.

وقال غريفيث في حوار مع موقع “أخبار الأمم المتحدة” نهاية الأسبوع المنصرم، إن مسودة الاتفاقيات (الثلاثة) المقترحة بشأن وقف إطلاق النار والتدابير الإنسانية واستئناف العملية السياسية، المعروضة على الأطراف منذ آذار (مارس) الماضي، مستمرة في التغير والتنقيح “وما زال النص خاضعاً للتغييرات ما دام يخضع للتفاوض”.

وكانت الحكومة الشرعية أعلنت في أيار (مايو) الماضي، موافقتها على مبادرة غريفيث الراهنة المتضمنة لهذه الاتفاقات الثلاثة، غير أن جماعة الحوثي ما زالت تتهرب حتى الآن من الموافقة عليها ربما في محاولة منها لكسب الوقت من أجل تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية على الأرض لتحسين وضعها التفاوضي، وأرجع الحوثيون والشرعية أسباب عدم التوصل إلى التوقيع على هذه الاتفاقية إلى تراخي مبعوث الأمم المتحدة في اتخاذ مواقف حازمة وحمّله الطرفان مسؤولية هذا الفشل في إدارة الملف اليمني، والذي يزيده تعقيدا كل يوم مع استمرار لغة الرصاص على الأرض.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية