تعز ـ «القدس العربي»: دخلت الهدنة الإنسانية في اليمن التي ترعاها الأمم المتحدة شهرها الخامس هذا الأسبوع، إثر تجديدها لمدة شهرين إضافيين تنتهي في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، والتي حققت خلال الفترة الماضية المزيد من المكاسب للحوثيين، في مختلف الأصعدة، فيما لم تحقيق أي تقدم يذكر للحكومة الشرعية، المعترف بها دوليا، بل وأسهمت في مضاعفة التصدّع والانهيار اليومي لبنيتها الشرعية.
ووفقا لمعطيات الفترة الماضية من عمر الهدنة الإنسانية المتفق على بنودها بين الحوثيين والأطراف الأخرى، من الممثلين بالحكومة الشرعية، حققت جماعة الحوثي المتمردة الكثير من المكاسب على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، بالإضافة إلى تعزيز سلطتها على الأرض في مناطق سيطرتها.
وتحققت هذه المكاسب الحوثية على حساب مصالح الحكومة الشرعية، إثر الاستجابة الفورية منذ الأيام الأولى لكافة طلبات الحوثيين المرسومة في بنود اتفاق الهدنة من إعادة فتح مطار صنعاء أمام الرحلات الجوية التجارية، والسماح بدخول المشتقات النفطية والوقود عبر ميناء الحديدة واللذان يقعان تحت سيطرة الحوثيين، فيما لم تستجب جماعة الحوثي لتنفيذ أي من الطلبات الحكومية المذكورة في اتفاق الهدنة والتي كانت الجماعة وافقت عليها سلفا عند توقيع الاتفاق.
وكانت في مقدمة المطالب الحكومية المذكورة في اتفاق الهدنة رفع الحصار الحوثي عن مدينة تعز، وفتح الطرق الرئيسية المؤدية إليها، غير أن جماعة الحوثي أخضعت هذه المطالب الحكومية للمباحثت والتي تعني دخولها في نفق مظلم لن تخرج منه بنتيجة تذكر، والتي غالبا لا تصل مجريات المفاوضات إلى نتيجة تذكر، كما حصل في المباحثات حول الملفات الأخرى منذ بداية الحرب الراهنة المشتعلة في اليمن منذ نهاية العام 2014 بينما كان الأصل أن دخول الهدنة حيّز التنفيذ بعد مباحثات طويلة حول بنودها والتي يفترض أن يتم تنفيذها بشكل متزامن، كمقايضة بين مطالب أطراف الصراع، بحيث يتم رفع الحضر عن الطيران التجاري عبر مطار صنعاء مقابل رفع الحصار الحوثي عن مدينة تعز وإعادة فتح الطرق المؤدية إليها، وكذا السماح باستيراد الوقود عبر ميناء الحديدة مقابل دفع الحوثيين لرواتب موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتها من عائدات النفط المباع في تلك المناطق، غير أنه لم يتحقق من ذلك سوى البنود التي تأتي لصالح الحوثيين فيما لم يتم تنفيذ أي من البنود التي تصب في صالح الحكومة الشرعية.
وعلى الصعيد الاقتصادي حققت جماعة الحوثي من خلال هذه الهدنة مكاسب مهولة لم تكن تحلم بها من قبل، وكشف وزير الخارجية في الحكومة الشرعية أحمد عوض بن مبارك أن الحوثيين حققوا عائدات اقتصادية تربو عن 100 مليار ريال يمني، من الرسوم الضريبية التي فرضتها على عائدات استيراد الوقود عبر مبناء الحديدة.
وقال بن مبارك مطلع الأسبوع الماضي إن «الرسوم الجمركية والضريبية على هذه المشتقات النفطية التي تحصلتها ميليشيا الحوثي في ميناء الحديدة بلغت 105 مليار ريال يمني تكفي لتغطية الجزء الأكبر من المرتبات الشهرية لموظفي الخدمة المدنية والمتقاعدين المدنيين في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، إلا انها استمرت في جبايتها وحرمان الموظفين منها».
موضحا أن «عدد سفن المشتقات النفطية، الداخلة إلى ميناء الحديدة، بلغت حتى تاريخ 21 تموز/يوليو، 26 سفينة باجمالي أكثر من 720 ألف طن من المشتقات النفطية إضافة إلى سبع سفن أخرى تم استلام ملفاتها من مكتب المبعوث الخاص».
وأشار إلى «تسيير 20 رحلة جوية بين صنعاء وعمان ورحلتين بين صنعاء والقاهرة حتى تاريخ 22 تموز/يوليو 2022 نقلت أكثر من 10 ألف مسافر رغم العراقيل التي اختلقتها ميليشيا الحوثي».
فرصة أمام المسافرين
وبعيدا عن الجانب السياسي، لم تحقق الهدنة في جانبها الإنساني أي نتائج تذكر، إلا فيما يتعلق بإتاحة الفرصة أمام المسافرين الحوثيين بالسفر الخارجي عبر مطار صنعاء الذي يقع تحت سيطرة الحوثيين، حيث لا يستطيع أي مسافر غير موالي أو غير متماشي مع الحوثيين من السفر عبر مطار صنعاء، حيث يخشى العديد من الراغبين في السفر خارجيا من السفر عبر مطار صنعاء، نظرا لأن الحوثيين اتخذوا منه بوابة لاختطاف واعتقال من يرونهم مخالفين لهم أو غير مرضي عنهم، وتعجّ قوائم الممنوعين من السفر عبر مطار صنعاء بأسماء الكثير من النشطاء وغير المرغوب بهم، وفقا لقول مصادر ملاحية لـ«القدس العربي».
وعلى الصعيد العسكري استغل المتمردون الحوثيون الهدنة الإنسانية لمضاعفة الاستعدادات العسكرية سواء البشرية أو التقنية، بالآليات العسكرية وغيرها، وهو ما كشفه العرض العسكري الضخم الذي نظمه الحوثيون لوحدات من قواتهم المسلحة في العاصمة صنعاء، قبيل الموافقة على تمديد الهدنة الإنسانية بيوم الأسبوع الماضي، والذي كان بمثابة رسالة موجهة لمبعوث الأمم المتحدة ولأطراف النزاع المسلح مضمونها بأنهم يتفاوضون من مصدر قوة على بنود الهدنة وأنه لن يتم الموافقة على أي شيء إلا ما يمليه الحوثيون على أطراف النزاع وعلى المبعوث الأممي على حد سواء، خاصة وأن الحوثيين كانوا يصرون على إضافة بنود جديدة لصالحهم كشرط لموافقتهم على تمديد الهدنة لفترة إضافية، والتي كان مبعوث الأمم المتحدة يطمح إلى تمديدها لفترة ستة أشهر، غير أنه أخفق في اقناع الحوثيين بذلك، واضطر إلى التراجع عن هذا الطموح بالتوصل إلى حل وسط عبر تمديدها لفترة شهرين فقط بشروطها الحالية دون اجراء أي تعديل على بنودها الراهنة.
الوسط السياسي اليمني اعتبر هذا الخلل في تنفيذ بنود الهدنة الإنسانية «انهيارا جذريا» لأهدافها التي لم يتحقق منها شيئا، بغطاء وربما تواطؤ أممي، الذي لعب الدور الأكبر في برمجة وتسيير هذه الهدنة والدفع بها نحو هذه الصيرورة والمآلات التي وصلت إليها، وكأن الهدف منها تأطير شرعية الحوثيين على الأرض وتدمير ما تبقى من شرعية الحكومة المعترف بها دوليا.
وضاعف من انهيار شرعية الحكومة اليمنية التصدّعات المستمرة التي تحدث كل يوم منذ الأيام الأولى لدخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ، ابتداء من إزاحة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي عن رئاسة الدولة، كأبرز أوراق الشرعية، وتشكيل مجلس رئاسي متعارض ومتشاكس خلفا له، بشرعية مشكوك فيها، وتوالي التصدّعات اليومية للحكومة، عبر التعيينات غير الشرعية والمتعارضة مع الأسس والقواعد القانونية والدستورية، أبرزها التعديل الحكومي «المضروب» أو «غير الدستوري» مطلع الأسبوع الماضي وآخرها إجراء تغيير شامل لأجهزة ومسؤولي السلطة القضائية مساء الخميس من دون التشاور مع مجلس القضاء الأعلى، وهو ما اعتبره رئيس المحكمة المقال القاضي حمود الهتار ضربا لما تبقى من بنية السلطة القضائية.
وعلّق الهتار على القرار الجمهوري بإقالته عن قيادة المحكمة العليا وتشكيل مجلس عالي جديد للقضاء «والشكر موصول لثعلب السياسة الذي تمكن من اقناعكم» في إشارة ساخرة من هذا التغيير الشامل لأجهزة القضاء الذي نسف ما تبقى من البنية القضائية في البلد.
وكان الهتار وجّه رسالة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قبيل إقالة الأخير له بأيام يحذره فيها من مغبة اتخاذ قرارات سلطوية أحادية تعصب في خانة التدخل في شؤون السلطة القضائية التي يفترض أن تحظى بالاستقلالية وفقا للدستور والقانون.
وقال الهتار في رسالته التي نشرت على نطاق واسع الخميس في وسائط الإعلام اليمنية «فقد بلغني عزمكم على إجراء تغييرات في السلطة القضائية دون موافقة وترشيح من مجلس القضاء الأعلى والمخالفة لأحكام المواد الدستورية والقانونية والمبادئ العامة لاستقلال القضاء. وعليه أنصحكم باحترام استقلال السلطة القضائية طبقا للدستور والقانون».
وطالبه بعدم إجراء أي تعيين في قيادة مجلس القضاء الأعلى إلا من ذوي الكفاءة والنزاهة والخبرة القضائية، بالإضافة إلى عدم إصدارا قرارات تعيين في السلطة القضائية إلا بناء على ترشيح وموافقة مجلس القضاء الأعلى، التزاما بنصوص الدستور والقانون. وقال «إن أي قرار تعيين يصدر من مجلس القيادة الرئاسي، بدون ترشيح وموافقة مجلس القضاء الأعلى سيشكل انتهاما صارخا لاستقلال القضاء وسيكون معيبا بمخالفة الدستور والقانون وسيصبح عرضة للطعن بالالغاء أمام القضاء الدستوري والإداري».
وعلّق السفير مصطفى احمد نعمان على رسالة الهتار بقوله «إذا كانت رسالة القاضي حمود الهتار رئيس المحكمة العليا صحيحة فالأمر جد خطر ولا يجوز الصمت عنه. القضاء لا يجوز العبث به كما هو حادث في بقية المؤسسات ولا المحاصصة في مواقعه المختلفة تحت أي مسمى». وأضاف «معيب هذا في حق أعضاء المجلس (الرئاسي) الذين أقسموا على احترام الدستور والقوانين».
تصفية وزارات في المؤسسات الحكومية
وجاءت كافة التعيينات الحكومية الجديدة التي أصدرها مجلس القيادة الرئاسي خلال الأربعة شهور الماضية منذ تشكيله، لصالح التيار المتصالح مع الحوثيين وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي الجنوبي، ذو التوجه الانفصالي المدعوم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتصفية العديد من الوزارات والمواقع القيادية العليا في المؤسسات الحكومية من الكفاءات والمسؤولين المهنيين، بذريعة الإصلاحات السياسية التي يتبناها مجلس القيادة الرئاسي، والتي عدّها الكثير من القانونيين بأنها تفت في عضد الحكومة الشرعية وتدمّر ما تبقى من بنيتها المؤسسية.
وتباينت وجهات نظر الوسط السياسي اليمني بشأن توجهات مجلس القيادة الرئاسي في إدارة دفة الحكم، فقال الكاتب السياسي والمحافظ الأسبق لمحافظة تعز الدكتور عبدالقادر الجنيد، «إذا فشل رشاد العليمي (رئيس مجلس القيادة الرئاسي) وفشلت معه الشرعية، ستحكمنا وتستعبدنا الحركة الحوثية لقرن من الزمان.. وإذا نجح رشاد العليمي، فإنه سيكون رئيسا تاريخيا قام بإنقاذ اليمن إلى آخر الزمان».
وأوضح بأنه «يجب أن نعرف نحن كلنا بأنه إذا فشل الرئيس (العليمي) أو رحل، فلن تستطيع السعودية وأمريكا أن تعمل لنا رئيسا جديدا. ويجب أن يعرف الرئيس رشاد العليمي بأن عليه مهمة غير عادية».
وتحمل آراء الجنيد ومثله الكثير من السياسيين اليمنيين تعريضا بأن التوجه السعودي الحالي يسعى نحو انهاء الحرب في اليمن بأي ثمن، سواء كنتيجة لضغوط خارجية أو لرغبة داخلية، ولو على حساب مصالح اليمنيين، وهو ما يثير علامات استفهام كبيرة حيال الحماس الكبير للرياض وراء المشاريع والخطط الأممية لإنهاء الحرب في اليمن.
وتعد السعودية أحد الأطراف الرئيسية في هذه الحرب، بحكم تزعمها لقيادة التحالف العسكري العربي في اليمن، تحت مبرر استعادة الحكومة الشرعية إلى اليمن، فيما يعتقد أن هذه الهدنة الإنسانية التي ترعاها الأمم المتحدة، تأتي تمهيدا لتسوية الملعب السياسي لكافة أطراف الصراع اليمني للدخول في مباحثات الحلقة الأخيرة في مسلسل إغلاق ملف الحرب في اليمن، وبالتالي قدمت الرياض والحكومة الشرعية تنازلات كبيرة مقابل اقناع الحوثيين على الدخول في الهدنة، كخطوة أولى في مسار جهود احلال السلام ووقف إطلاق النار في البلاد.