اليمن.. برجوازية طفيلية وحكومات فاسدة

حجم الخط
0

يتضمن هذا المقال قراءة اولية في مظاهر التغيير الاجتماعي والقيمي، وفق فاعلية اقتصادية وسياسية من خلال ممثليها، وهم ممن لم يكتمل نموهم المدني والثقافي، بل ولم يكتمل نموهم الوطني والسياسي. فمن ينظر بهدوء وبتمعن للمشهد العام في البلاد سيجد اننا امام تجار ازمات وتجار حروب.. تجار يبيعون السلع والارض والمبادئ في آن واحد، والاصل عندهم المكاسب المالية فقط لا غير. انظرو الى ما يحدث في المدن اليمنية، العاصمة نموذجا، حيث تمتلئ العاصمة بمعارض السيارات، معظمها مهرب، وبمحلات جديدة للسلع الاستهلاكية المظهرية، وبانواع جديدة من المطاعم والمقاهي تفوق حاجة المدينة وقدرات سكانها، زد على ذلك تدفق الاف من المهاجرين من دول عدة لا حاجة لليمن بهم ولا قدرة له على استيعابهم.
فاليمن يعاني من زيادة في السكان ومعدلات عالية من الفقراء والعاطلين (بطالة سافرة ومقنعة، بما في ذلك بطالة خريجي الجامعات والمعاهد). وهنا تكون للسؤال مشروعيته، من له مصلحة الدفع بمهاجرين عرب وافارقة الى داخل اليمن؟ هل هي احزاب ام مراكز قوى تابعة للخارج، أم عملية بيزنس ذات نطاق اقليمي ودولي تجعل من اليمن ساحة لها.. من له مصلحة في تأسيس جامعات ومعاهد وكليات تغرس التطرف الديني والمذهبي؟ ومع ضعف قدرات اليمن من الكوادر المؤهلة في الجامعات كيف تستقبل اليمن طلابا من اكثر من خمسين دولة، ومن يشرف عليهم وما خطورة هؤلاء على الامن القومي للبلاد، وهل هم محل مراقبة او معرفة من قبل الجهات المختصة؟ ومن له مصلحة في ايواء جماعات ارهابية متعددة الانتماءات.
لقد تزايدت المدارس والجامعات وتزايد الغش وشراء الشهادات، حتى ان مسؤولين كبارا يشترون شهادات من اجل الوجاهة. ان صنعاء كما غيرها من المدن تظهر نوعا من التوحش تجاه مواطنيها.. فهي كغيرها من المدن تعلي من قيمة الاستهلاك، بدون النظر الى الدخل ومصادره. ولا يستطيع موظف شراء سيارة او شقة او قطعة ارض محدودة حتى لو كانت لبنتين (اللبنة قيمتها اكثر من مليون خارج العاصمة بثلاثين كم) من راتبه. هنا يكون المجال مفتوحا لانهيار القيم الاخلاقية من اجل الكسب المالي خارج القانون وخارج الاخلاق والشرع.. ولا يستطيع ايا كان ممن يمتلكون سيارات ومنازل كبيرة الا ان يكون قد جمع ماله بطرق غير قانونية.. فليس هناك وزير او وكيل او نائب او مدير الا وتفنن في ابداع وسائل وآليات تمكنه من نهب المال العام واستغلال الوظيفة العامة.
كل هذه المتغيرات نجم عنها تغييرات مماثلة في الاخلاق واهتزاز منظومة القيم الدينية والاجتماعية. المجتمع اليمني تتزايد فيه عمليات التغلغل الرأسمالية بصورتها الاستهلاكية المادية – وتنهار وفقا لها منظومة الاخلاق. ومع تزايد عمليات الفساد ونهب الثروة الوطنية والتوظيف عبر الارتباط بمراكز القوى وحلفائها يهرول الكثير نحو امتلاك المال، وهنا تكون الهرولة وفق قاعدة ومبدأ تم سنهما من مراكز القوى والحكومات، ومضمونهما انه من يريد وظيفة ومركزا كبيرا (وجاهة) أو مالا اكثر، عليه ان يتنازل اخلاقيا.. ومن هنا يكون السبب الرئيسي في مسار انهيار القيم وانتشار الجريمة الاخلاقية (تجارة الجنس) والمخدرات وانتشار السلاح والقتل وفق تصفيات خارج القانون.
ومن هنا يتم استقطاب الشباب في مهام وممارسات غير انتاجية لكنها تصب في مصلحة مراكز القوى، وهو الامر الذي شهدناه خلال العامين الماضيين، في استقطاب عدد من الشباب والدفع بهم نحو مهام متعددة ضمن مشاريع ومؤسسات تمتلكها الاحزاب ومراكز القوى، ومن هؤلاء بعض ممن تم ترشيحهم لمؤتمر الحوار وهم ما كانوا معروفين لاحد في عموم الساحات، وبعضهم كان طوال عام 2011 خارج اليمن، ونحن نرى مواقفهم نحو مراكز القوى واعتماد طروحاتهم في الحل السياسي وهنا يستوى كلا الجنسين (ذكورا واناثا)..
من يعمل جولة داخل صنعاء سيجد فيها مئات المهن الحديثة التي لا نعرف من المستفيد منها ومن يمولها او يمتلك رأسمالها، ومن يرى المولات الضخمة التي تمتلئ بسلع وملابس، لا تتصف بالجودة وهي عبارة عن بواقي المصانع الاسيوية التي يتم جمعها من قبل كبار التجار من مراكز القوى وبيعها داخل اليمن في مولات كبيرة وبعضها عبر الباعة الجائلين في الازقة والشوارع.
في بلادنا كما دول الربيع العربي صراع سياسي كبير، اهم ابعاده انه صراع اقتصادي بين مختلف مراكز القوى والمؤسسات التجارية والمالية، والجميع يسعى للحصول على حصص اقتصادية، وتبعا لذلك ظهرت مجموعات جديدة سياسية تستند الى قاعدة جهوية تستدعيها للحماية والمساندة من اجل فرض وجودها السياسي والاقتصادي. وللعلم في بلادنا ـ وعموم المنطقة العربية – تزاوج السلطة بالبيزنس وترابط وثيق بين رموز الدولة والحكومة مع رموز المؤسسات التجارية والاستثمارية، وفق انشطة مشتركة باشكال غير مباشرة حينا ومباشرة وعلنية حينا اخر، بل ان هناك ترابطا بين رموز سياسية حكومية وحزبية وتجارية محلية مع قوى اقليمية ودولية، خاصة في مجالات النفط والغاز والتوكيلات التجارية، ومن هنا ندرك صعوبة التوافق السياسي على معالجات للازمة الراهنة، وندرك مدى التجاذب بين هذه الاطراف وفاعلية لاعبين جدد هم الشباب والثوار الذين يطرحون افكارا واهدافا سياسة واقتصادية تبدو مثالية للاطراف النافذة من مراكز القوى وحلفائها.
وللعلم في بلادنا وبلدان الربيع العربي لا يمكن القول بوجود برجوازية وطنية تسهم في تحقيق التغيير والاستقرار وبناء الدولة، بقدر ما نقول ان هناك بيوتات تجارية ومؤسسات تعتمد نفسها وكلاء (كمبرادور) لمؤسسات اقليمية ودولية، الامر الذي يعني غياب برجوازية منتجه تدعم التقدم وتوطين المعرفة والتقانة العلمية، ناهيك ان مواقفها من الديمقراطية وحقوق الانسان في محل شك، لانها دوما كانت ولاتزال تعتمد منطق الصفقات مع رموز السلطة والحكومة، وتدعم ثباتهم في مواقعهم على الضد من اهداف ومطالب الشعب في التغيير السياسي الشامل .
نحن امام برجوازية طفيلية غير وطنية، عندها استعداد لجمع المال والشهرة والسلطة ولو على حساب الشعب وقيمه واخلاقه، بل انها قد تبيع الوطن كله من اجل المال، وانها من الممكن ان تدفع بالشعب للاقتتال طائفيا ومذهبيا، ناهيك عن دورها في قتل الشعب عبر السلع المغشوشة والفاسدة والعلاج منتهي الصلاحية وغير المطابق للمواصفات العالمية. كل هذا يتم في اطار رعاية كاملة من حكومات فاسدة تسرق الشعب جهارا نهارا، بل نحن امام دولة فاشلة وهي في طريقها للانهيار التام.
فوحدة ليبيا في خطر وامام مفترق طرق، وهناك عبث بوحدة مصر واستقرارها، كما في تونس، والاكيد الفوضى الشاملة في سورية، ونحن في اليمن نعيش ازمات لامحدودة في مختلف المجالات، اهم وجوهها ينطبق على دول اخرى- اننا امام برجوازية- اوبرجوازيات طفيلية ـ لا تهتم بالوطن، بل بالمال. ولا ترى الوطن الا مجالا للنهب والغنيمة وليس مجالا للانتماء والمواطنة والعمران البشري.. وامام حكومات تشرعن للفساد ونهب الثورات الوطنية ولا تقيم وزنا لاساليب الحكم وفق قيم النزاهة والمحاسبة.. ومن اجل استدامة هذا السلوك السياسي غير السوي تلعب هذه البرجوازية الطفيلية دورا مهما في تعميم ثقافة استهلاكية، والتقليل من قيم الابداع والعمل وجعل الحصول على المال، بأي طريقة، هو المحدد لطموح الشباب وتطلعاتهم. وهنا يكون النظر الى الوطن ليس من ناحية قيمته التاريخية والثقافية والحضارية وليس من زاوية الانتماء والولاء الوطني، بل من زاوية انه مجال للنهب والغنيمة والشاطر من يكون الاسرع في خطف ونهب ما يستطيع من الاموال والثروات.

‘ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ جامعة تعز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية