تعز-“القدس العربي”: كان 2018 من أشد الأعوام قساوة وقتامة على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي والإنساني في اليمن، إذ خاب أمل الناس بأن يضع حدا للحرب، بل شهد اشتداد موجات الصراع وإضاعة فرص صناعة السلام وتدهور الوضع الاقتصادي إلى أسوأ حال، وانهيار الوضع الإنساني بشكل مخيف في هذا البلد المنهك بالحرب منذ نهاية 2014.
كان اليمنيون يحلمون في أن يكون العام عام سلام، ويطمحون أن يشهدوا خلاله وضع حد للاحتراب والاقتتال بينهم، غير أنه رحل بخيبة أمل كبيرة مع فشل كل محاولات إحلال السلام ودخول البلد منعطفا جديدا، ربما يفتح الباب على مصراعيه أمام أزمات متلاحقة، يصعب التكهن بنهاياتها المؤلمة.
وقعت خلال العام أحداث كبيرة، ضاعفت الأزمة بين الفرقاء ولم تسهم في وقف الحرب، بل زادت الأمور تعقيدا، وتشكلت إثرها مسارات جديدة وتخلّقت أطوار مستحدثة للحرب وللأزمات بمختلف أشكالها العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية وغيرها، ومرشحة للتعقيد والاستمرار في ظل المعطيات الراهنة التي تشير إلى أن العام المقبل لا يحمل أي بصيص أمل يجعله أفضل حالا.
وتضاربت المواقف بل وتقاطعت المصالح المحلية والإقليمية والدولية بشأن الوضع في اليمن، وهو ما جعل كل الجهود والمساعي لاحلال السلام مجردة من المضمون الحقيقي الذي يسهم في اخماد الأزمة ويفتح الباب أمام مستقبل واعد لواقع جديد أبرز سماته السلام والاستقرار، وإغلاق ملفات الحرب والتفرغ للبناء والتنمية، ولذا انتهى العام من حيث بدأ ولم يتحقق فيه سوى المزيد من السراب والكثير من المآسي والآلام على مختلف الأصعدة، يتحمل معاناتها المواطن البسيط، بينما أمراء الحرب يجنون ثمرة إطالة أمدها بالثراء الفاحش ويتاجرون بمعاناة الناس، بما في ذلك المنظمات الدولية التي تتغنى صباح مساء بالكارثة الإنسانية في اليمن.
واختتم العام بصدور قرار مجلس الأمن 2451 حول الوضع في اليمن في 21 كانون أول (ديسمبر)، ضمن اتفاقات ستوكهولم بين الحكومة وجماعة الحوثي الانقلابية حول مدينة ومحافظة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، والآلية التنفيذية بشأن تبادل الأسرى بين الطرفين بالإضافة إلى التفاهم حول رفع حصار الحوثي عن مدينة تعز.
وفوّض مجلس الأمن الدولي الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء ونشر فريق طليعي للبدء في مراقبة ودعم وتيسير التطبيق الفوري لاتفاق ستوكهولم، لفترة أولية مدتها 30 يوما منذ اعتماد القرار.
ودعا قرار مجلس الأمن، الذي قدمت بريطانيا مشروعه، الأطراف اليمنية إلى تطبيق اتفاق ستوكهولم وفق الأطر الزمنية المحددة وإلى ضرورة أن تحترم كل الأطراف اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة، الذي دخل حيز التنفيذ في 18 كانون الأول (ديسمبر)، وإعادة نشر القوات إلى مواقع متفق عليها في غضون 21 يوما منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
الحكومة اليمنية والانقلابيون الحوثيون رحبوا بقرار مجلس الأمن مع تحفظهم على بعض المضامين، غير أنه كان في نظرهم السبيل الوحيد للتوصل إلى نقطة التقاء بين الطرفين المتحاربين، وهي الوحيدة التي تحققت خلال 2018 نحو إخراج اليمن من أزمته، رغم أن نتائج مباحثات ستوكهولم كانت هزيلة مقارنة بحجم المشكلة والمأساة الإنسانية الكبيرة التي يعاني منها اليمن.
وقال المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث في هذا الصدد إن “عام 2018 كان مروعا بالنسبة لليمن، لكنه أيضا حمل في نهايته بعد المشاورات التي جرت في السويد، أملا بإمكانية أن يكون آخر سنوات الصراع اليمني”.
وكان تغيير الأمم المتحدة مبعوثها الخاص إلى اليمن أحد الأحداث البارزة في المشهد السياسي اليمني، حيث عينت الخبير البريطاني مارتن غريفيث خلفا للدبلوماسي الموريتاني اسماعيل ولد الشيخ أحمد في شباط (فبراير) 2018، بعد تعثره في احراز أي تقدم في المشاورات بين الأطراف المتحاربة في اليمن ووصوله إلى طريق مسدود بهذا الصدد.
وبدأ غريفيث منذ آذار (مارس) الماضي مهمته الصعبة عبر جولاته المكوكية بين صنعاء وعدن ودول الخليج والدول الراعية للسلام في اليمن، حتى توصّل إلى عقد جولة جديدة من مباحثات السلام اليمنية في ستوكهولم بالسويد خلال الفترة 6-13 كانون أول (ديسمبر) الماضي هي الأولى تحت رعايته والتي خرجت باتفاق ستوكهولم الذي كان أساسا لصدور قرار مجلس الأمن 2451 الذي يعد تحديثا لقرار مجلس الأمن 2216 الصادر في 2015، واستوعب تطورات الوضع الراهن في اليمن.
ومن ضمن أبرز أحداث العام إقالة رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر وإحالته للتحقيق بتهم الفساد والتقصير في أدائه الحكومي، وتعيين الوزير الشاب معين عبدالملك خلفا له، في محاولة من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي لتعزيز وضعه السلطوي والقبض على مفاصل السلطة بيده عبر أكثر الشخصيات ولاء له وقربا من تطلعاته وتوجهاته السياسية.
وانتقل رئيس الوزراء الجديد معين عبدالملك إلى الداخل للقيام بأعمال تفقدية للمحافظات اليمنية الممكنة الوصول إليها لملامسة همومها ومحاولة الاطلاع على معاناتها عن كثب، وركز مهمته في القضايا التنموية والإنسانية بعيدا عن الجانب السياسي، على اعتبار ان الملف السياسي من مهام رئيس الجمهورية.
وشهد العام تدشين القوات الحكومية لمعركة تحرير الحديدة من الانقلابيين الحوثيين منتصف حزيران (يونيو)، والتي أصبحت محورا لكل التحركات السياسية والدبلوماسية الدولية بشأن الوضع في اليمن، وطغت على كل القضايا الرئيسية الأخرى، كقضية حصار مدينة تعز منذ صيف 2015 وحتى اليوم، وهي ما اعتبرها محللون سياسيون جاءت لانقاذ الانقلابيين الحوثيين من الانهيار، نظرا لأن موانئ الحديدة الثلاثة (ميناء الحديدة، ميناء الصليف وميناء رأس عيسى)، تعد المصدر الرئيس لتمويل جماعة الحوثي ومنافذها البحرية الرئيسية على العالم الخارجي.
كما شهد العام أكبر انهيار للعملة المحلية اليمنية (الريال) إذ وصلت قيمة الدولار أمامه إلى عتبة 800 ريال للدولار الواحد، ثم تحسن الريال قليلا بعد جهود حكومية إقليمية لاحتواء انهياره، وأسهم الحال في تدهور غير مسبوق للوضع الاقتصادي في اليمن، دفع بنحو 80 في المئة من السكان إلى حافة الفقر، بل ووصل الوضع في بعض المناطق إلى حد المجاعة. واتهمت أطراف حوثية دولة الإمارات بالوقوف وراء عملية انهيار الريال اليمني، حيث اتهمت أبو ظبي بالدفع بأدواتها في اليمن لسحب العملات الصعبة من السوق وتسفيرها إلى أبو ظبي عبر طائرات إماراتية خاصة غير خاضعة للتفتيش، تنطلق من مطار عدن الواقع تحت سيطرة القوات الإماراتية.
كما شهد العام اندلاع الصراع بين السعودية والإمارات في محافظة المهرة، شرقي اليمن، الحدودية مع سلطنة عمان، والتي اشتعلت منذ قيام الرياض بوضع حد للتمدد الإماراتي هناك، تمثل في إرسال السعودية قوات عسكرية كبيرة إلى محافظة المهرة تضم أسلحة ومدرعات وعربات مصفحة وسيارات شرطة وعربات نقل وأطقم ودبابات وحاويات ممتلئة بالذخائر في كانون الثاني (يناير)، وكان تدشينا للصراع المكشوف بين أبو ظبي والرياض حول السيطرة على مواقع النفوذ في اليمن.
وتلاحقت عملية السباق الإماراتي السعودي على مناطق النفوذ في اليمن عبر التمرد الإماراتي في جزيرة سقطرى، حيث قامت أبو ظبي بإرسال قوات لاحتلال الجزيرة مطلع أيار (مايو) الماضي، وهي تعد أكبر جزيرة يمنية، وتضم أرخبيلا من مجموعة جزر، تشكل بمجموعها محافظة سقطرى، واعترضت الحكومة اليمنية بشدة على هذا الموقف الإماراتي واعتبرته تدخلا في السيادة اليمنية، وتدخلت السعودية لحسم الخلاف بارسال قواتها إلى سقطرى وإجبار القوات الإماراتية على مغادرتها مع الإبقاء على النفوذ الإماراتي فيها.
راحلون
كان رئيس المجلس السياسي الأعلى لسلطة الانقلابيين الحوثيين صالح الصماد، أحد أبرز الراحلين في اليمن خلال 2018، حيث لقي مصرعه في 23 نيسان (إبريل) الماضي، في غارة جوية لقوات التحالف العربي، في ظروف غامضة. ودارت حول مقتله الكثير من الشكوك والاتهامات بتسريب قيادات حوثية عليا إحداثية موقعه لقوات التحالف من أجل التخلص منه ضمن التصفيات الداخلية في الجماعة بسبب الاختلافات البينية.
ورحل الشيخ محمد حسن دماج في 19 كانون الأول (ديسمبر) وكان وزيرا ومحافظا سابقا، وعضو مجلس الشورى والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح. ويعد دماج واحداً من أبرز السياسيين في اليمن ورجال الدولة الذين لعبوا أدوارا مهمة وشغلوا مواقع عدة منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وكان آخر منصب تنفيذي له محافظاً لعمران قبيل الانقلاب الحوثي على الدولة، وتم تعيينه بعدها عضواً في مجلس الشورى (مجلس الأعيان). وتعرض دماج للاختطاف من قبل ميليشيا الحوثي لما يقرب نصف عام قبل الافراج عنه في آب (أغسطس) 2015.