علي محسن حميد لا نزال في اليمن في زمن اللامعقول سلطة تشريعية تسيء استخدام سلطاتها وتحاكم كاتبا وشاعرا مبدعا معروف يمنيا وعربيا هو عبد الكريم الرازحي الوديع المسالم الذي لا يملك سوى قلمه وفكره وحبه لوطنه. مجلس النواب قرر مقاضاته ووضعه في قفص الاتهام لكتابته مقالا عن المجلس بعنوان ‘سدوا هذه البالوعة’ وقد قصد بذلك المجلس وتشبيهه بواحدة من بالوعات صنعاء العديدة. ولسان حال المجلس هو أنه من لم يتأدب في عهد الديكتاتور صالح سينبري المجلس لتأديبه وقمعه. السلطة التشريعية حامية الديمقراطية وحرية التعبير وحارسة الدستور المتوقع منها أن تكون هي رأس الحربة في محاسبة قاتلي شهداء الثورة والانحياز لمطالب الشعب بوضع صالح في قفص الاتهام تخلط الأوراق وتريد وضع الرازحي بدلا عنه. الكاتب الساخر الرازحي لم يرتكب جرما وعبر عن حقه كمواطن وككاتب مهتم بالشأن العام بوصفه مجلس النواب بأنه ‘بالوعة’. ماذا في هذا من إساءة؟ لاشيء مطلقا. الحرية لاسقف لها ولاتقف إلا عند حدود المقدسات. ولو كان المجلس يفهم حقا معنى الديمقراطية وحرية التعبير وروح الدستور أو مارس قدرا من هذه الحرية في أعماله وعبر عنها في سياساته لما فكر بمهزلة محاكمة الرازحي. مجلس النواب كان كالخاتم في يد ديكتاتور اليمن السابق ولم يعص له أمرا ولم يرد له طلبا وكان يتوقع منه بدلا من تلويحه لعصا التأديب ولسوط الإرهاب الفكري أن يوجه نشاطه ضد معيقي تنفيذ المبادرة الخليجية وإعادة هيكلة الجيش والأمن والمتواطئين مع الفاسدين الذين يصفونهم بالكفاءات الوطنية ومقلقي راحة سكان العاصمة الذين يطلقون النيران كل مساء ومن يعرقلون إصدار قانون العدالة الانتقالية كجزء لا يتجزأ من المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن ودعم المرحلة الانتقالية بالأفعال ليصنع لنفسه في الساعة الخامسة والعشرين مكانا في تاريخه الفقير كمنافح عن الحريات ومنحاز لمصالح الشعب وخاصة في مرحلة تحول يفترض أن يكون جزءا منها لا ضدها وفي طليعة من يدعمونها عوضا عن أن يكون جزا من منظومة العفن التي تخصصت في لجم الرأي الحر والقمع ومحاكمة الفكر والرأي. ولو مارس هذا المجلس الديمقراطية الحقة مرة واحدة لما قام بهذا العمل الذي يضعه في قائمة قامعي الحريات. عندما كان الكاتب محمد المقالح يحاكم ويعذب في عهد صالح بتهمة إهانة المحكمة قال أحد أعضاء هيئة رئاسة المجلس ‘يستاهل لأنه طول لسانه’. والان يؤكد المجلس أنه هو وأنه لم يتكيف بعد مع التغيير ويريد ألسنة خرساء وأقلاما قصيرة وعقولا بليدة. المجلس يتناقض مع نفسه ومع قيم عالمية يدافع عنها في الخارج عندما يشارك في مؤتمرات البرلمات العربية والدولية ويقف مع داعمي قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير والمستنكرين لقامعيها، وعندما ينفض من هذه المؤتمرات يتحول في الداخل إلى أداة قمع ومنتهك لهذه الحقوق وللدستور. المجلس بهذا الفعل اللاديمقراطي يعبر عن الثقافة السياسية القمعية التي سادت في عهد صالح وعن جهل بماذا تعنيه الثقافة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية ويؤكد أنه لا يتابع المجريات السياسية في الدول الديمقراطية وما تزخر به وسائل الإعلام من نقد لاذع للمجالس النيابية والرؤساء ورؤساء الوزارات والوزراء. ولو كان المجلس مؤسسة ديمقراطية لتقبل ما كتبه الرازحي بصدر رحب واعتبره حقا من حقوقه في التعبير والنقد ورد عليه إذا أراد بما يعزز الديمقراطية وحرية الكلمة وصورة المجلس أمام الرأي العام ونظرائه في العالم كله. المجلس بهذا السلوك يريد أن يقول بوضوح أنه لم تنشب في اليمن ثورة شبابية شعبية ضد القمع وكبت الحريات وأنه سائر على درب رئيس النظام السابق وأن الجمعة هي الجمعة والخطبة هي الخطبة. اليمن في مفترق طرق واليمنيون جميعا أمام امتحان حقيقي ولاوقت للتحزب والتمترس وراء موقف سياسي أو حزبي لأن عهد انتهاك حقوق الإنسان قد ولى أو هكذا نتصور وواجب الجميع وشباب الثورة في مقدمتهم التعبير عن تضامنهم مع الرازحي واستنكار محاكمته والمرابطة أمام مجلس النواب حتى يسحب الدعوى المرفوعة ضده ويعتذر. الرازحي الذي لايحمل بندقية ويمتهن الإبداع وحده وليس قطع الطرقات والكهرباء لو ولد في بلد غير اليمن لكان له شأن آخر.
إن البيئة المجدبة والمعادية للفكر والحرية التي يمثلها المجلس تعلي من شأن البندقية والجهل والعصبية لم تعط الرازحي حقه وهاهي اليوم تناصبه العداء وتقاضيه وحقيقي أنه لو كان الرازحي من مواليد منطقة البنادق وقطاع الطرق والكهرباء لما حدث له ماحدث. ولو كان كاتبا مرتزقا لما نفخ المجلس ريشه وارتكب هذه الحماقة. قبله انتصر المقالح وهشام باشراحيل على الجلاد وسينتصر الرازحي وغيره من ضحايا الرأي لامحالة والقمع إلى زوال ومهزوم. ليتذكر المجلس أن الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل رفض قبل سنوات زيارة اليمن ليكرمه صالح بوسام أو بالأصح ليشتري قلمه لأنه بحسب قوله الذي كرره أمام مجموعة من اليمنيين ومنهم ثلاثة نواب في بداية هذا العام لم تكن تشرفه زيارة بلد يجلد فيها الكتاب بحكم القضاء. المجلس لايزال يقرأ في نفس مقرر صالح ويفتح نفس الصفحات لأنه لم يتعلم شيئا آخر وعاجز عن تعليم الشعب ألف باء الديمقراطية وأن يكون القدوة. وإذا كان المجلس قد تجاوز حدوده فإن المعول على لجنة الحريات فيه لتنهض بواجبها بدلا عنه ولو تفعل ذلك ضد إرادة المجلس ولاخيارلها سوى القيام بواجبها وليس وبين التقاعس عن آدائه.
الدور الحقيقي لمجلس الشورى: ماقام به مجلس النواب يضاف إلى سجله غير النقي وإلى سوابقه المشينة التي لاتبيض صفحته. أليس هو نفس المجلس الذي سمح لصالح بتطويع الدستور ليلائم أجندته التوريثية ومدد فترة الرئاسة سبع سنوات بدلا من خمس، في نفس الفترة التي خفضت فيها فرنسا هذه المدة من سبع إلى خمس سنوات وهي – فرنسا – التي لم تجعل مدة الرئاسة طويلة إلا لإيجاد حالة من الاستقرار في الجمهورية الخامسة بعد هزات سياسية كان فيها متوسط عمر الوزارة سبعة أشهر وزادت هذه الفترة المضطربة على القرن ولكن البناء فيها كان سائرا على قدم وساق ولم تقطع فيها كهرباء أو يتم فيها انتهاك الحقوق. أما عندنا فكان التوريث هو الهم وليس الوطن وكان المجلس هو الأداة. للتذكير، في يناير 2011 اشترك المجلس في جريمة دستورية بتعديله المادة 112 التي حددت الفترة الرئاسية بفترتين وجعلها المجلس نزولا عند رغبة صالح مفتوحة على مصراعيها الذي بغى وطغى وكان يريد أن يحكم حتى يوافيه الأجل ثم يورث السلطة لإبنه. هذا الحاكم أفاق في 3 فبراير 2011 وقال خلاص بطلنا التوريث وفي كل مرة كان المجلس يصفق ولايدقق ولم يبد حتى استنكارا لمساعي عضو فيه لتصفير العداد وقلعه، أي تصفير الدستور ونزع روحه وجوهره وجعله ألعوبة بيد الحاكم المستبد. العالم يرقبنا ويرقب أداء المجلس ولم يعد بإمكان المجلس أن يلعب نفس الدور الذي لعبه في عهد صالح وليس أمامه سوى خيار واحد فيما تبقى له من الخدمة في المرحلة الانتقالية وهو إما أن يكون أو لايكون وإذا قرر أن يكون فعليه سحب الدعوى ضد الكاتب والشاعر القدير عبد الكريم الرازحي والإسراع بالمصادقة على نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية( صادق المجلس عليه عام 2005 ثم سحب المصادقة بعد أيام قليلة بأمر من صالح) والوقوف مع مساجين الرأي أمثال حيدر شايع والمعتقلين من شباب الثورة والمختفين قسريا الخ…. واجب وزير الإعلام: دعم حرية الرأي ليس مسؤولية النقابات أو منظمات المجتمع المدني أوالناشطين أو الكتاب فقط وإنما هو من أوجب واجبات وزير الإعلام وكل من يعمل في هذا المجال. في فترة التحول غير الملموسة كثيرا في أداء الإعلام الرسمي المطلوب من الوزير كوزير وكنائب في البرلمان أن يقف مع حرية الرأي ويدين محاكمة الرازحي ويقود بنفسه مقاومة قمع حرية التعبير ويوضح للرأي العام بأن الرازحي مارس حقه الدستوري وواجبه الوطني وأنه لم يعد هناك أصنام تقدس ولاتمس وأن من يعمل في الشأن العام سواء كان فردا أو مؤسسة عليه تقبل الرأي المعارض والناقد. والفرصة سانحة لكي يسجل الوزير سابقة في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير وترك الوظيفة التقليدية للإعلام الرسمي في الدفاع فقط عن السياسية الرسمية أو كمسوق لها وأن يقف مع حق دستوري لاينازع وبذلك نستطيع القول أن الإعلام تحرر من أغلال الماضي وسياساته التبريرية وأن تغييرا ما قد حدث.’ ديبلوماسي يمني سابق