اليمن: عام تعطيل الحكومة وتمكين الانفصاليين على الجنوب والانقلابيين على الشمال

خالد الحمادي
حجم الخط
0

التشكيلة الحكومية الجديدة جاءت وفقا للرغبات الإماراتية والسعودية، ابتداء من تحديد شخصية رئيس الوزراء، مرورا بعدد الحقائب الوزارية الممنوحة لكل طرف وانتهاء بتسمية الوزراء الجدد.

 

 تعز-“القدس العربي”:شهد العام في اليمن تعطيلا شبه كامل للحكومة بفعل التدخل الإماراتي السعودي في شؤونها الداخلية، والتي ظلت معطلة منذ نهاية العام 2019 وحتى نهاية العام 2020 في انتظار تشكيل حكومة جديدة وفقا لاتفاق الرياض الذي رعته السعودية بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ذو التوجه الانفصالي، الذي شهد تمكينا واضحا من قبل التحالف على الجنوب، في ذات الوقت الذي شهد الشمال تمكينا للانقلابيين الحوثيين من قبل التحالف والأمم المتحدة على حد سواء.

ففي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2019 رعت الحكومة السعودية توقيع اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي بهدف معلن وهو تسوية الأوضاع العسكرية والسياسية والأمنية في عدن وفي بقية المحافظات الجنوبية، بعد سيطرة ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظات عدن ولحج والضالع، ومحاولتها السيطرة على محافظة أبين وغيرها، وشمل ذلك الاتفاق تشكيل حكومة جديدة، خلال شهر من تاريخ التوقيع على الاتفاق، يشارك فيها المجلس الانتقالي بهدف إعادة المجلس إلى حضن الدولة، بينما أفضت نتائج هذه التسوية إلى العكس من ذلك، حيث تعثر تشكيل الحكومة لأكثر من عام منذ ذلك الحين وحتى يوم إعلانها في 18 كانون أول/ديسمبر الماضي الذي عاشت فيه اليمن تعثرا أو فراغا حكوميا.

وشهد عام الفراغ الحكومي تمكينا تدريجيا للمجلس الانتقالي من قبل التحالف العربي وبالذات من دولة الإمارات العربية المتحدة، أحيانا باعطائه الضوء الأخضر للتحرك عسكريا في أكثر من اتجاه وأحيانا بتسهيل وتيسيير سيطرته على مواقع نفوذ الحكومة وسلطة الدولة في أكثر من مكان، كما حدث في محافظة أرخبيل سقطرى، التي سيطرت عليها ميليشيا المجلس الانتقالي بدعم عسكري ومادي إماراتي وتيسير لوجستي سعودي في 20 حزيران/يونيو الماضي، والتي خرجت تماما عن سيطرة الحكومة الشرعية ومن سلطتها التنفيذية ليضمها الانتقالي إلى قائمة المحافظات التي سيطر عليها وأصبحت منطقة إماراتية بامتياز، رغم أن اتفاق الرياض ينص صراحة على وقف الاستحداثات العسكرية من قبل الجانبين الحكومي والانتقالي الجنوبي.

وفي الوقت الذي كان من المقرر أن تقوم فيه السعودية بدورها في إيقاف التحركات العسكرية للانتقالي الجنوبي، سواء في محافظة عدن أو أبين أو غيرها، بحكم انها راعية اتفاق الرياض والمشرفة على تنفيذه ولديها قوات عسكرية على أرض الواقع، لعبت دور (المتواطئ) في ذلك بغض الطرف عن كل تحركات الانتقالي الجنوبي، في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطا كبيرة على الحكومة، سياسية وعسكرية واقتصادية لإجبارها على القبول بما تمليه عليه السعودية والإمارات بشأن التشكيل الحكومي والقبول بل وشرعنة وضع الانتقالي الجنوبي كسلطة أمر واقع في الجنوب.

وشهد عام التعطيل للحكومة 2020 تدهورا اقتصاديا كبيرا إثر انهيار قيمة العملة المحلية الريال أمام العملات الصعبة، بفعل قيام التحالف بعدم السماح للحكومة اليمنية من استغلال ثرواتها النفطية في الإنتاج والتصدير لتمويل ميزانيتها، والإحجام السعودي عن دعم البنك المركزي اليمني بودائع مالية بالعملة الصعبة للحفاظ على استقرار سعر العملة اليمنية في زمن الحرب، والذي استخدمته الرياض كإحدى الوسائل لممارسة الضغط على الشرعية للموافقة على التشكيل الحكومي قبل اكتمال تنفيذ الجانب العسكري والأمني في عدن وفقا لاتفاق الرياض، الذي ظل الرئيس هادي يتمسك به حتى آخر لحظة، والذي ينص على انسحاب جميع قوات المجلس الانتقالي العسكرية والأمنية من محافظة عدن قبل تشكيل الحكومة، لتستعيد الدولة سيطرتها على عاصمتها المؤقتة عدن وتعود للاستقرار فيها، وهذا ما لم يتم، وأجبرت الشرعية على تشكيل الحكومة الجديدة بمشاركة الانتقالي بخمس حقائب وزارية، فيما لا زالت ميليشياته تسيطر على محافظة عدن والمحافظات المجاورة لها بالاضافة إلى استحداثها السيطرة على محافظة سقطرى.

وكانت الحكومة السعودية أعلنت في 28 تموز/يوليو الماضي عن التوصل إلى آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض، والتي على ضوئها تم تشكيل الحكومة اليمنية مناصفة بين الشمال والجنوب ومحاصصة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والأحزاب والمكونات السياسية اليمنية واستكمال الإجراءات المتعلقة بذلك دون الالتزام ببنود اتفاق الرياض المتعلقة بالجانب العسكري والأمني، والتي كانت تعبيرا واضحا عن التوجه لشرعنة الوضع التمردي للانتقالي الجنوبي وضمّه إلى حضن الدولة ليصبح تمردا شرعيا على حساب السلطة الشرعية، وهذا ما كشفته تصريحات قيادات الانتقالي السياسية والإعلامية عقب إعلان التشكيل الحكومي، والذين أكدوا على أن مشاركتهم في الحكومة لا تعني “التنازل عن الحق في تحقيق المصير للجنوب” أي أن مساعيهم إلى انفصال الجنوب ما زالت قائمة، ولم تكن مشاركتهم في الحكومة إلا مجرد غطاء لتسوية وضعهم القانوني للخروج من العزلة السياسية والدبلوماسية التي يعانون منها، وهي على ما يبدو خطة إماراتية بغطاء سعودي.

وفي هذا الصدد كشف نائب مدير مكتب رئاسة الجمهورية، أحمد العيسي، أن أكبر المشاكل التي واجهتها الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس هادي، هي منعهم من العودة إلى عدن بعد تشكيل ميليشيا مسلحة خارجة عن إطار سلطة الدولة.

ونسبت وكالة “سبوتنيك” الروسية للأنباء إلى العيسي قبل أيام قوله إن “منع الشرعية بكافة مؤسساتها وعلى رأسها رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي من العودة إلى عدن خلال الخمس السنوات الماضية خلّف الكثير من الأزمات في العاصمة المؤقتة عدن ومحيطها، وقد تشكلت أجهزة أمنية وعسكرية ميليشياوية لا تدين بالولاء للدولة وتتلقى أوامرها من أمراء حرب وجماعات مصالح تحركها نوازع انفصالية” في اشارة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.

ولم يشهد عام 2020 اليمني إيجابية سوى نجاح عملية لتبادل الأسرى والمختطفين بين الحكومة والانقلابيين الحوثيين منتصف تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والتي شهدت إطلاق سراح نحو 1081 أسيرا ومختطفا من الجانبين، بعد مفاوضات عصيبة استمرت نحو ثلاث سنوات في كل من الأردن وسويسرا برعاية مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث، تعثرت مرارا بسبب الاختلافات حول التفاصيل وبالذات أسماء وعدد المطلوبين للتبادل من الجانبين، غير أن العملية تحققت في الأخير بعد ضغوط كبيرة من المجتمع الدولي ودول التحالف العربي على الطرفين، لما تضمنته من الإفراج عن 19 من قوات الأخير، وهم 15 أسيرا سعوديا و4 أسرى سودانيين.

وفي حين أصيب العالم بأزمات كبيرة جراء جائحة كورونا التي عصفت بكافة دول العالم اقتصاديا وصحيا ونفسيا، لم يتعرض اليمن لأي هزة جراء ذلك، لأنه لم يجد ما يفقده إثر تداعيات هذه الجائحة، والتي كانت الحرب قد سبقتها ونسفت كل مقومات الحياة، بما فيها الاقتصادية والصحية وغيرها، وبالتالي لم يأبه اليمنيون بمخاطر جائحة كورونا سواء في المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة أو الأخرى الواقعة تحت سيطرة الحوثيين والانتقالي الجنوبي، رغم التحذيرات الكبيرة من المنظمات والوكالات الدولية والتابعة للأمم المتحدة من المخاطر المحدقة التي تنتنظر اليمن مع الإعلان عن ظهور أول حالة إصابة في 10 نيسان/ابريل الماضي، وأظهرت الأيام ان انتشار لهذه الجائحة في اليمن كان محدودا، بل وأقل من انتشار الأعراض الموسمية لأي مرض أو وباء آخر، رغم عدم التزام اليمنيين بالوقاية المتبعة في ذلك، من لبس الكمامات والتباعد الاجتماعي وعمليات الإغلاق والحجر المنزلي والصحي وغيرها.

وكان التقدم العسكري للانقلابيين الحوثيين نحو محافظة مأرب، التي تعد معقل إنتاج وتكرير النفط ومقار قيادة المؤسسات العسكرية الحكومية، من أبرز الأحداث سخونة التي شهدها العام، والتي حاول الحوثيون خلالها إحداث أي اختراق في جدار الركود العسكري الذي شهدته ساحة المواجهات المسلحة بينهم والقوات الحكومية هناك. ويبدو وفقا لمصادر عسكرية ذكرت لـ”القدس العربي” أن المكاسب العسكرية والتقدم الميداني الذي أحرزه الحوثيون في الجبهات المحيطة بمحافظة مأرب، كانت بتسهيل وتيسير من قبل دول التحالف، التي سحبت معداتها العسكرية الثقيلة النوعية من تلك الجبهات وأوقفت الدعم المادي والعسكري للقوات الحكومية في جبهات القتال هناك، وذلك لممارسة الضغط على الرئيس هادي من أجل إجباره على القبول بصيغة التشكيلة الحكومية الجديدة التي جاءت أغلبها وفقا للرغبات الإماراتية والسعودية، ابتداء من تحديد شخصية رئيس الوزراء، مرورا بعدد الحقائب الوزارية الممنوحة لكل طرف وانتهاء بتسمية الوزراء الجدد الذين شملتهم الحكومة الجديدة والتي أطلق عليها النشطاء تسمية (حكومة السفير) لكثرة تدخلات السفير السعودي في كل تفاصيلها.

ولا شك أن الشخصيات البارزة التي شكلت حضورا واسعا في السياسة اليمنية وكان لها أصداء قوية خلال العام تمثلت في شخصيات وزيري النقل صالح الجبواني والداخلية أحمد الميسري ومستشار رئيس الجمهورية عضو مجلس النواب عبدالعزيز جباري، بالإضافة إلى قائد المقاومة الشعبية في تعز الشيخ القبلي حمود المخلافي، والذين كانت مواقفهم وتصريحاتهم قوية وجريئة إزاء ما يجري في اليمن من انتهاكات للسيادة من قبل دول التحالف وطالبوا صراحة أو ضمنيا الاستغناء عن خدمات التحالف في اليمن وبالذات دولة الإمارات التي أصبحت تلعب دورا مريبا مكشوفا، تم تتويجه خلال 2020 باحتلال الميليشيات التابعة لها لجزيرة سقطرى اليمنية ووضعها تحت الوصاية الإماراتية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية