د. أحمد قايد الصايدي من جديد تحتفل بلادنا بعيد ثورة سبتمبر المجيدة. وهي مناسبة، يتوجب علينا التوقف عندها والتأمل فيها والخروج عن عادتنا المألوفة، في استقبال أعيادنا الوطنية، التي لم تعد تعني، كما يبدو، أكثر من إلصاق صور الرئيس ورفع الشعارات ونصب الأعلام وصرف مئات الملايين من الريالات من خزينة الدولة، دون عائد مجد، في بلد يعيش على التسول ويصنف ضمن أكثر بلاد العالم فقراً. فحتى لانستمر في استقبال أعيادنا الوطنية ونحن نردد مع أبي الطيب المتنبي (عيد بأية حال عدت ياعيد)، أحرى بنا أن نتوقف ونتأمل ونحاسب أنفسنا ونستحضر ما أنجزناه وما أخفقنا في إنجازه، خلال العام المنصرم والأعوام التي مضت من عمر ثورة سبتمبر، علنا نتبين مواطئ أقدامنا ونستوعب مانحن فيه الآن ومايجب فعله للمستقبل وفي المستقبل. فما يمر به شعبنا اليوم من معاناة، يمكن النظر إليه على أنه حصيلة لكل السياسات والممارسات السلطوية غير السوية، التي انتهجها الحكم، منذ السادس والعشرين من سبتمبر، عام 1962م، وحتى اليوم، مع استثناء لايكاد يذكر، شهدته تجربة الشهيد الحمدي، التي اغتيل صاحبها ولم يُسمح لها بأن تكتمل. لقد بدأت بعض البلدان العربية المجاورة في بناء الدولة، بعد ثورة سبتمبر بسنوات طويلة، وحققت من الإنجازات، في إطار بناء الدولة والإقتصاد والتعليم، مالم نستطع تحقيقه. ولننظر فقط إلى التجربة العمانية، التي بدأت مسيرتها التنموية بعد ثورتنا السبتمبرية، بما يقارب عقد من الزمان. ونختار هنا عمان للمقارنة، لأنها كانت أكثر تخلفاً منا، ولأوجه التشابه الكثيرة بين البلدين، في مصادر الثروة وفي البشر، ولأنها انطلقت في مسيرتها التنموية دون عنف ودون دماء، ودون أن تضطر إلى تقديم التضحيات، التي قدمها اليمن. فأين وصلت عمان، في بناء الدولة، وأين وصلنا نحن. قد لاتكون هذه العبارات مناسبة لاستقبال عيد من أعيادنا الوطنية، عزيز إلى قلوبنا. ولكننا، بحكم السن والتجربة والإنتماء إلى الثورة، ومعاصرتنا لها ومتابعتنا لتاريخها، لانستطيع أن نساير المزاج العام المصطنع، فنهلل ونكبر وننسب إليها إنجازات وهمية، أو نتحدث عن إنجازاتها الفعلية، شديدة التواضع، بمقياس الزمن وبمقياس الفعل الإنساني في هذا العصر، وهي إنجازات لاترقى، بأي حال، إلى مستوى طموحات الثورة وحجم التضحيات، التي قُُدمت قرباناً لها، وثمناً لتغيير حقيقي في حياتنا، لم يحدث بعد، وأخشى أن يكون مايزال بعيد المنال. فقد حققت معظم بلدان العالم، على مدى نصف قرن، وهو عمر ثورتنا، حققت إنجازات كبرى، تجعل الحديث عن إنجازاتنا المتواضعة الناقصة ضرباً من العبث، لاسيما وقد حققت تلك البلدان إنجازاتها دون أن تقدم تضحيات تذكر، مقارنة بتضحياتنا.علينا، في مناسبة كهذه المناسبة، أن نواجه أنفسنا بصدق، ونفتش عن أسباب الإخفاق في ذواتنا أولاً، أي في تفكيرنا وسلوكنا وسياساتنا، قبل أن نوجه اللوم للآخرين، رغم أن للآخرين أدواراً تآمرية معرقلة ومخربة لمسار الثورة والتغيير المنشود. ولكنها وهي تتآمر، فتعرقل وتخرب وتفسد وتحتوي وتجهض، إنما تخدم بذلك مصالحها. فماذا نخدم نحن، ولمصلحة من نعمل؟ ونخص بالسؤال هنا القادة منا، قادة الدولة وقادة السياسة وقادة الفكر. هل خدمنا ونخدم مصالحنا؟ وهل نعرف مصالحنا أصلاً؟ وأقصد مصالحنا الوطنية، ولاأقصد مصالحنا الشخصية والفئوية، التي عرفها وحرص عليها المهيمنون على مقاليد الأمور في بلادنا، وضحوا في سبيلها بمصالح الوطن العليا. هل نعرف مصالح اليمن وشعبه؟ هذا هو السؤال المحوري، الذي يجب أن يقودنا، في هذه المناسبة، إلى مراجعة مسيرة الثورة، منذ عام 1962م وحتى اليوم. والمراجعة مطلوبة، بل أصبحت ضرورة، ليس من أجل الماضي، بل من أجل المستقبل.وقد يرتاح البعض إلى فكرة أن الثورة قد حققت الكثير، مقارنة بالعهد الإمامي. وكأن هذا البعض يغالط نفسه، أو ليس لديه إحساس بالزمن. فالمسافة الزمنية، التي تفصلنا عن العهد الإمامي هي نصف قرن. والمقارنة العاقلة، لاتقارن مانحن فيه اليوم بعهد الإمامة، الذي ثرنا عليه، وسعينا إلى الإنعتاق منه والإنطلاق إلى العصر الحديث. بل تقارن بين ماعملناه منذ ذلك الحين وماكان بإمكاننا أن نعمله وأخفقنا في عمله، وبين ماعمله الآخرون، خلال نصف قرن من الزمان. هذه هي المقارنة السليمة، التي يمكنها أن تقودنا إلى نتائح منطقية. فلم يعد من اللائق أن نقارن واقعنا الحالي بعهد الإمامة، الذي لفظناه. رغم أن المواطن، الذي عاش في عهد الإمام، لايكاد يجد مايميز ما وصلنا إليه، في نواحي كثيرة ذات علاقة بحياته، عن ذلك العهد. إلا إذا كان الهدف من المقارنة بين عهد متخلف تجاوزه التاريخ وعهد مازلنا نعيش فصوله، هو التعتيم على قصورنا وأخطائنا، والتستر على إخفاقات حكوماتنا المتعاقبة وتزيين سياساتها الفاشلة. فالظلم وعدم المساواة والإستغلال وغيرها من مظاهر الحكم الإستبدادي غير الرشيد، ماتزال قائمة. بل إن الفساد المالي والإداري، الذي لوث حياتنا، قد فاق كثيراً ماكان عليه في عهد الإمام، وأصبح هو القاعدة، التي تحكم أداء الدولة وأجهزتها كلها، لا الإستثناء الشاذ، الذي يسهل تطويقه وإزالته. وكأن القديم مايزال ينبض بالحياة في قلب الجديد، بل ازداد تغولاً. وإن كان الجديد قد افتقر إلى الميزة الوحيدة، التي كان يتمتع بها العهد القديم، وهي هيبة الدولة، وماترتب عليها من أمن واستقرار، في جميع مناطق اليمن، التي كان يحكمها الإمام. فلنتوقف ونتأمل ونقارن واقعنا بواقع العصر، الذي نعيش فيه، وإنجازاتنا بإنجازات بلدان، لم تكن قبل نصف قرن أكثر منا تقدماً. ولننطلق من هذه المقارنات إلى دراسة المعوقات، التي اعترضت طريق التنمية وبناء الدولة الحديثة، سواءً المعوقات الذاتية الصادرة عنا نحن، حكاماً ومحكومين، أو المعوقات الموضوعية، وعلى رأسها المصالح الأجنبية، أو لنقل التآمر الخارجي الهادف إلى تحقيق هذه المصالح والحفاظ عليها، باعتبار أني أحد الموقنين بوجود المؤامرات، كواقع موضوعي، يخدش أحاسيس بعض المثقفين العرب، الذين يتبارون في إظهار سخريتهم ممن يقولون بوجود المؤامرة. وكأن التاريخ لم يكن مسرحاً للمؤامرات وحبك الدسائس والتخطيط في الخفاء، للإستيلاء على سلطة والإستحواذ على ثروة، أو لاستعباد الشعوب ونهب خيراتها والتحالف مع طغاتها. إنه التاريخ ولانستطيع أن نشيح بأنظارنا عما دوَّنه من مؤامرات عبر القرون، ولاسيما مادوَّنه في عصر الإستعمار الحديث، عصر تقسيم البلدان وتفتيت الأمم، وتقاسم ثروات الشعوب المغلوبة على أمرها. إن أفضل احتفاء يمكن أن نستقبل به عيد سبتمبر المجيد، هو وقفة صادقة مع النفس، والبحث عن مكمن العلة، تمهيداً لعلاجها وتجاوز أسبابها، والإنطلاق نحو بناء الدولة اليمنية الحديثة، دولة النظام والقانون والعدل والمواطنة المتساوية والتنمية الشاملة، الدولة التي حلمنا بها طويلاً وعجزنا عن تحقيقها حتى الآن.’ اكاديمي يمني