اليمن غير السعيد وجريمة تمزيق العرب
د. عبد الوهاب الأفندياليمن غير السعيد وجريمة تمزيق العرب خلال الأسابيع القليلة الماضية، أخذت الأخبار المزعجة تتري من اليمن. وما أكثر الأخبار المزعجة التي تتري من كل بلد عربي، بحيث أصبح الخبر هو ألا يأتي ما يكدر النفس من أي بلد عربي. ولكن كل الأخبار المكدرة تتساوي في قدرتها علي التكدير. فلم تعد أخبار الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وتزوير الانتخابات وتحويل البلاد إلي مرتع لشركات النهب ومخابرات العدو مما يثير الانتباه، لأنها أصبحت هي القاعدة والدليل الوحيد علي وجود أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.ولكن خطاً أحمر ارتسم عندي حينما اتصلت بنا مجموعة يمنية تروج لانفصال جنوب اليمن وساقت الحجج لذلك. وتصادف هذا أن أخذنا نسمع لأول مرة بوجود نزاع مسلح اكتسب الصيغة الطائفية. فنحن هنا لأول مرة أمام ظواهر تسعي لتمزيق اليمن أفقياً وعمودياً. وحين تتزامن وتتضافر هذه العوامل، لا بد أن يتوقف المرء ويتساءل عن السر في هذه الطامة الكبري التي تهدد وحدة البلاد.وتكتسب هذه الظاهرة أهمية إضافية من كون اليمن يكاد يعتبر ظاهرة فريدة في العالم العربي، إذ أنه البلد العربي الثاني (بعد الصومال قبل محنته الحالية) الذي شهد تجربة وحدوية ناجحة. وقد تزامنت تلك التجربة مع التجربة العالمية الأنجح في هذا المضمار، وهي تجربة توحيد ألمانيا عقب انهيار سور برلين ونهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينات. قبل ذلك وبعده كانت التجارب الوحدوية في كل العالم شحيحة ونادرة، كان من أبرزها تجربة إعادة توحيد فيتنام عام 1975، ولكن تلك كانت تجربة مختلفة. ولعل الولايات المتحدة الأمريكية كانت أيضاً نموذجاً متفرداً من حيث نشأتها من اتحاد ثلاث عشرة ولاية عند الاستقلال، ثم توسعها لضم مناطق أخري قبل أن يعاد توحيدها بالقوة في الحرب الأهلية (1861 ـ 1865). أما الاتحاد الأوروبي الذي يسعي جزئياً للسير علي خطاها، فإن له شأناً آخر. الصومال الذي توحد في عام 1961 بعد أيام قليلة من إعلان استقلال شطريه يعتبر أيضاً حالة فريدة بين دول العالم من حيث تجانس شعبه الذي ينتمي إلي عرق واحد ويتحدث لغة واحدة ويدين بدين واحد، بل ويعتنق مذهباً فقهياً واحداً. ولهذا لم تكن هناك أي ذريعة للتقاتل بين أفراد هذا الشعب أو تمزيق وحدته تحت أي مسمي مما تعود عليه الناس. ولكن الكل يعرف أن الصومال الذي كان مثلاً يضرب في التجانس والتوحد، أصبح مثلاً يضرب في الشقاق والتمزق. فكيف تم اجتراح هذه المعجزة الخارقة؟ الإجابة في كلمة واحدة: الدكتاتورية. الانقلاب علي الديمقراطية الذي قاده الدكتاتور السابق سياد بري استند إلي دعامتين، الأولي هي ادعاء التوجه الاشتراكي، والثانية هي الشعور القومي الوحدوي الصومالي وشعار دولة الصومال الكبري التي حلم الصوماليون بقيامها بضم الأقاليم التي تسكنها أغلبية صومالية في إثيوبيا وكينيا. كلا الشعارين كان ينبغي أن يعمق الوحدة الصومالية ويمنع إثارة أي نعرات إقليمية أو قبلية، حتي إن كان لها ما يدعمها. فالاشتراكية هي عقيدة ذات توجه إنساني، بينما القومية الصومالية توحد ولا تفرق. ولكن ما حدث كان العكس كما هو معروف الآن. التجربة الاشتراكية في الصومال تعثرت كما حدث لمعظم التجارب الاشتراكية في العالم، كما أن مساعي خلق الصومال الكبري (والتي قادت إلي حرب الأوغادين الشهيرة في أعوام 1977 ـ 1978) تعثرت وانتهت بهزائم عسكرية ونكسات سياسية. وقد أدي ذلك بسياد بري إلي إحياء النعرات العشائرية، واتخاذ أهل الصومال شيعاً يستضعف طوائف منهم ويقرب أخري. ونتج عن هذا قيام حركات تمرد (دعمتها اثيوبيا في خطوات انتقامية) اتخذت بدورها منحي عشائرياً، في مسلسل انتهي بتفكك الصومال علي نحو ما هو معروف.التجربة الاشتراكية في اليمن الجنوبي لم تكن أيضاً أحسن حظاً. وإن كان الإخوة الأعداء في الحزب الاشتراكي اليمني لم يتورعوا في صراعاتهم الكثيرة التي سفك فيها بعضهم دماء بعض عن استغلال النعرات القبلية والجهوية، فإن بقاء اليمن الجنوبي موحداً كان من قبيل الحظ أكثر منه إنجازاً لقياداته. وفي اليمن الشمالي أيضاً كانت القبلية حاضرة منذ أيام الحرب الأهلية بين الملكيين والجمهوريين، بل قبل ذلك منذ أيام ثورة 1948 حين استنفر أنصار الإمام يحيي القبائل لتصنع بصنعاء ما صنعه المغول ببغداد. وقد اجتهدت الأنظمة العسكرية التي تعاقبت علي اليمن في توظيف العامل القبلي بصورة كادت تكتسب طابع المؤسسية. وهنا أيضاً فإن الحظ وحده هو الذي منع الطائفية من أن تتحول (حتي الآن علي الأقل) إلي عامل حاسم في الصراعات السياسية، ولم يكن هذا بسبب قلة اجتهاد القادة السياسيين في ذلك. فمن لا يتورع عن استغلال العشائرية والقبلية لن يطرف له جفن إذا احتاج الأمر لاستغلال الطائفية.هناك عدة أسباب حالت دون اشتعال صراع طائفي في اليمن. أول هذه الأسباب تنطلق من طبيعة المذهب الزيدي وصيغته العقلانية التصالحية التي تجعل من الصعب استغلاله لإذكاء النعرات الطائفية. وثاني هذه الأسباب ظهور قيادات فكرية زيدية في فجر الحداثة عززت هذا التوجه التصالحي، من أبرزها الإمام الشوكاني (ت. 1834) الذي اعتبر من قادة الاجتهاد في العصر الحديث ومن المرجعيات المقبولة عند كافة أهل السنة. أما السبب الثالث فيتمثل في احتضان السعودية لرموز وقيادات الزيدية، ودعمها المادي والمعنوي للإمامة مما منع الصراع السياسي من أن يتحول إلي صراع مذهبي، بل اكتسب في مجمله طابع الصراع بين التقليديين من جهة، وبين أنصار الحداثة من جهة أخري. السبب الرابع، وهو مرتبط بسابقه، تمثل في أن السعودية اتبعت (حتي حرب الكويت عام 1990) سياسة انفتاحية جعلت الملايين من اليمنيين يجدون فيها مأوي ميسراُ، مما أدي إلي أن كثيراً من الشباب اليمني نشأ متأثراً بالنظام التعليمي السعودي.هذا أثر بدوره في طبيعة نشأة الحركة الإسلامية الحديثة في اليمن. فقد كان هناك تعاطف قديم بين حركة الإخوان المسلمين في مصر، وبين قادة الإصلاح في المذهب الزيدي. وقد تمثل هذا في التعاطف والدعم الكبير الذي قدمته الحركة بقيادة الإمام حسن البنا لثورة عام 1948، والطبيعة المنفتحة لتلك الثورة التي ابتعدت عن التعصب المذهبي والقطري. ولكن نشأة الحركة الإسلامية الحديثة ممثلة في حركة الإخوان اكتسبت طابعاً سلفياً، بسبب التداخل مع السعودية والدعم السعودي السخي لرموز ومؤسسات الحركة، وأبرزها المعاهد الإسلامية التي أصبحت تدرس المنهج السلفي. وقد كان صعود هذه الحركة عاملاً في نشأة تيارات إحيائية زيدية تمثلت في حركة الشباب المؤمن التي كانت الحكومة تدعمها في إطار لعبة التوازنات التي تنتهجها. وقد خرجت من رحم هذه الحركة حركة الحوثي التي اتبعت توجهاً مذهبياً متشدداً ويقال انها كانت علي صلة بإيران، قبل أن تدخل في مواجهة مسلحة مع الحكومة يعتبر إقليم صعدة محورها. ومن ناحية المبدأ فإن أي حركة دينية إحيائية يجب أن تكون موضع ترحيب، ولكن التساؤل يطرح حين يتم استغلال هذه الحركات لأغراض غير ما قامت من أجله.ليس اليمن بدعاً من ظاهرة الاستقطاب تحت أي مسمي، وهي ظاهرة لايكاد قطر عربي ينجو منها للأسف. وإذا كانت هناك بلدان مثل العراق والسودان والصومال والجزائر بلغ فيها التمزق العنيف حداً تجاوز كل خط أحمر، فإن الأمر ينذر بالخطر في أكثر من بلد آخر. ومنذ فترة اطلعت علي دراسة تقول ان السعودية تواجه خطر التمزق الطائفي والجهوي، بينما استمعت إلي تحليل خلال الأسبوع الماضي يتحدث عن تصاعد مشاعر التميز في مصر عند الأقباط وأهل النوبة والصعيد وحتي سكان سيناء. بل إننا أصبحنا نسمع لأول مرة عن الهوية المنوفية والإسكندرانية وغير ذلك من أوصاف تمييز ما أنزل الله بها من سلطان. وحتي في فلسطين أصبحنا نسمع عن صراعات العشائر وحتي الأسر!وليس هناك من ضير في اعتزاز أي طائفة أو فئة بهويتها، ولكن الإشكال يتأتي حين يتحول الاعتزاز بالهوية إلي مصدر نزاع وشقاق. وهذا لا يحدث إلا عندما تتعرض الهوية المعنية إلي القهر والاستهداف، أو حين تصبح الملاذ الأخير في ظل قهر يعم الجميع. وهذا غالباً ما يحدث حين يجرم النظام وسائل التواصل الحر بين المواطنين، ويغلق القنوات التي يتم عبرها بناء الهويات الجامعة اختيارياً. الدكتاتوريات العربية حرمت المواطنين من الاختيار الحر وبناء المنظمات السياسية والمدنية التي تجمع بين المواطنين علي أساس وحدة الفكر والتوجه بغض النظر عن العرق أو الخلفية الطائفية. وكنتيجة لهذا اتجه المواطنون إما لبناء منظمات التضامن السرية، أو إلي مرجعيات التضامن الطبيعية من طائفة أو قبيلة أو عشيرة أو أسرة. ولكن هذه الانتماءات النبيلة تتحول تحت هذه الظروف إلي ما يشبه عصابات المافيا أو المؤامرات السرية، لأن أفراد كل فئة يكونون بمقام من يتآمر ضد الآخرين، مقتدين في ذلك بأهل الحكم الذين يقدمون الأسرة والعشيرة ومصالحها علي مصالح البلاد والعباد بغير وجه حق.لفترة طويلة ظل هناك شعور عند الفئات المفكرة في المجتمع العربي بأن الدكتاتورية أهون الشرين، لأن البديل عنها هو الفتنة والشقاق. وإذا كان كثير من المفكرين المحدثين ينتقدون المقولة القديمة: سلطان غشوم ولا فتنة تدوم ، ويعتبرونها تعبيرا عن فكر متخلف، فإن أقطاب التنوير المعاصر في العالم العربي (إذا قبلنا ما يصفون به أنفسهم) هم علي نفس المذهب من تأييد الدكتاتورية باعتبارها آخر خط دفاع ضد قوي التخلف. ولكن إذا كانت هناك عبرة من التاريخ فإن السلطان الغشوم هو عين الفتنة التي تدوم وبابها.الحكم الديكتاتوري هو بطبيعته مؤامرة ضد الأمة، لا يقوم إلا علي القهر والخداع والفساد والإفساد. طوائف الأمة ترد بدورها علي المؤامرة بمؤامرات مضادة، فهي تخادع الحاكم كما يخادعها، وتتربص به الدوائر، ثم ينتهي بها الأمر إلي التشرذم في شكل عصابات متناحرة. من هذا المنطلق فإن إصلاح شأن الحكم في اليمن وغيرها ليس ترفاً أو من النوافل، بل هو مطلب يتوقف عليه بقاء الأوطان. فأمام العرب اليوم في كل بلد خيار تاريخي لا محيد عنه: إما أن يتوحدوا للتخلص من ربقة الدكتاتوريات، أو يتناحروا عند أقدام الاستبداد. وبمعني آخر، إما الطريق الموريتاني إلي الحرية، أو الصومالي إلي التمزق. ولا يوجد أي خيار ثالث غير هذين.9