اليمن ما بين الانتظار والترويع ولحظة التوجس

حجم الخط
0

محيي الدين جرمةصالح الذي بقي جالسا على كرسي ‘مخزوق’ طوال 33 عاما هو الآن يلبس قميصا أزرق ويعاني حالا من الموت السريري، إذ يخضع لعملية ‘إكلينيكية’ في احد مستشفيات المملكة. ذلك هو الخبر بالطبع حسب الرواية الرسمية التي بقي تداولها حتى اللحظة، في حين تم تهديد بعض مراسلي التلفزة العربية في اليمن بالإيذاء الجسدي حد التصفية في حال لم تستوعب رسالتهم الرواية الرسمية، إثر حادثة قصف ‘مسجد الرئاسة’ التي تزامنت مع ‘جمعة الوفاء لتعز الصمود والثورة’. غير أن ضالعين في السياسة وطب اللحظات الحرجة كهذه يجزمون بأن (الرئيس المخلوع) ما يزال يخضع لعناية وقائية وصحية فائقة وتحفظ سياسي رسمي ودولي على صحته وحالته الحرجة للغاية، وفق ما يعتقد أنه ‘سيناريو أمريكي ـ سعودي’. في حين لا تستبعد قيادات سياسية وعسكرية أن يكون صالح قد قضى جراء حادث مسجد الرئاسة في الجمعة الفائتة، وأن مقتضيات سياسية ربما قد تتعلق بأجندة خاصة لا تزال بعهدة القصر، إلى غير ذلك من ترتيب ‘سامان’ العائلة، وغير ذلك من ترتيبات حساسة ومقايضات أو احتدام أوراق وتبادل تهم بين أبناء العمومة لها صلة بمن يكون المتورط من هذا الطرف أو ذاك في جرائم استهدفت قتل المعتصمين في كل ساحات التغيير والثورة في اليمن. ومن المؤكد أن كلا من السعودية والبيت الأبيض يريدان لصالح خروجا آمنا ربما حتى إلى القبر، وذلك بعد أن فشلا كليهما في تحقيق خروج آمن ومُشرف بسبب مراوغة رأس النظام المصاب بـ’الشقيقة’، وبعد إخفاق مختلف الأطراف في أربع طبعات من المبادرة الخليجية بصيغها وتنقيحاتها التي أراقت دماء كثيرة في اليمن ولا تزال يتم تكييفها اليوم لمحاولة إجهاض المرحلة الجديدة للثورة السلمية المنتصرة، على الرغم من العوائق. ويبدو أن مبادرة أخرى توازي ذات المبادرة الخليجية يتم تكييفها هذه الأيام بمباركة من قوى سياسية معروفة بفشلها وبتحالفاتها المتناقضة ونمطية خطابها السياسي الذي مله الشارع اليمني وسئم منه حد ـ الانفجار ـ ناهيك عن عدم تناغم الرؤى الايديولوجية المتقاطعة أيضا لهذه الأحزاب. وفيما تتظاهر قوى ‘المشترك’ بمساندتها للثورة الا انها تتبادل أدوارا تنظيمية تعطل الثورة من داخلها أيضا، ما يثير الارتياب لدى الثوار في الساحات وهو ما يخشى الشباب من ان تحول حلف كهذا إلى ‘شرك’ آثم يحيق بمطالب ثورتهم السلمية ويمارس كعادته عليها مزيدا من الوصاية والتعطيل لمسارها، بعد أن عجز عن حرفه لفترة 4 اشهر، رغم محاولات وارتباكات عدة. القوى السياسية في صنعاء تحديدا تبدو اليوم فاشلة كعادتها وبائسة بخطابها السياسي بنمطيته التي تريد فحسب تلك القوى أن تصنع نجومية لها حتى لو تم ذلك باسم الثورة وعلى حساب طموحات الشباب وأملهم في المستقبل والتحول المدني. لطالما فشلت الأحزاب وهي جلها شمولية الطابع حتى في طريقة تفكير جيلها الجديد من قواعدها ممن يختزل بعضهم الحداثة إلى مجرد بنطلون أو قَصة شعر. صالح على فراش حادث عرضي يسميه التوصيف الرسمي محاولة اغتيال ‘غادرة’ وترثيه الأحزاب وتدين ما تعرض له صالح. وهي نفسها الأحزاب والقوى بشخصياتها التي أراد صالح بالأمس القريب استدراجها إلى دار الرئاسة للتوقيع على ‘المبادرة’، والحقيقة أنه كان يتعشق تصفيتها فحسب. صالح اليوم كأنما يريد أن يحكم الشعب اليمني حتى من القبر. بعدما ارتكب جرائم في حق الشباب المحتجين تم تصنيفها جرائم حرب ضد الإنسانية. العملية السياسية أثبتت فشلها والقوى المتحالفة ضد الثورة تريد إجهاض إنجازات الشباب بتتويج ‘ابن هادي’ رئيسا لتصريف الحكومة التي انقرض رئيسها ووزراؤها وبرلمان قضى رئيسه أيضا في عين الحادث. لم يتبق للأحزاب سوى أن تزايد باسم الثورة وزعم تأمين المرحلة الانتقالية لكن وفق شروط ومشروعية غير آمنة. الأحزاب فقدت ماء وجهها ولم تعد حتى جل قواعدها في الساحات تثق فيها. الأحزاب أحبطت الثورة والثوار، وعطلت مسارات عدة لمستقبل الجميع. هي لا تقل عن مكابرة صالح وعنفوانه في ما لو حكمت أو زعمت أن ستسرق الثورة. لكننا نقول لها بأن الثورة ليست علبة ماكياج في دولاب الكوافير يمكن أن يتعرض للسرقة. لم تعد هناك من ثقة بالأحزاب لدى كثيرين في المجتمع اليمني، خاصة خلال فترات ومخاضات مرت بها الثورة ولا تزال في مرحلتها التالية التي لا تقبل التأجيل اليوم إلى الغد من دون تشكيل مجلس وطني انتقالي يمثل الثورة ويشير ببنان الشعب وكل المكونات الشبابية لأي طرف سياسي قد يعطلها. ويبقى أن كلا من أمريكا والمملكة السعودية مازالا حليفين حتى اللحظة فيما يتعلق برؤيتهما الجيوسياسية لليمن، بتأثير وسر عميق قد لا يعلمه سوى صالح والديوان الملكي، أو خبراء الجيوبوليتيك ‘لأن العالم اليوم يريد أن يعرف أكثر’، حسب قناة العربية، مثلما أن السعودية والبيت الأبيض أرادا ويريدا أن يتجملا مع صالح حتى آخر قطرة من دماء الشعب اليمني. وبمعزل عن أي تشف بالطبع ـ فصالح قال ‘سأدافع عن ‘الوطن’ يعني ذاته الرئاسية حتى آخر قطرة من دمي’، والضمير هنا يحيل بالطبع إلى مقولة الطاغية، وها هو ‘صالح’ تحوطه أمريكا والمملكة بكل الحنان والرعاية مثلما بقيتا ترعيانه من المهد السياسي إلى اللحد الرئاسي. وكان صالح إثر حادث قصف غامض في عقر داره بمنطقة ‘النهدين’ قد نقل إلى غرفة رئاسية طبية بعناية فائقة التركيز لخطورة ما قيل أو زعم كغطاء إعلامي وسياسي أنها ‘خدوش’ فحسب ألمت به. لكن لا يستبعد عديد من شباب الثورة العارفين بحجم مكابرة الرجل واستكباره وجبروته أن يكون صالح في الحقيقة لا يزال يرقد في مشفى العائلة بالعرضي (باب اليمن) وهو مشفى ومساج رئاسي عالي المستوى والإمكانية وتحت إشراف خاص لخبراء ألمان متخصصين بتطبيبه، فيما يتساءل مراقبون: هل ينقذ صالح هذه المرة مشرط ‘الجرمن’ من انقلاب لا يستبعد ضلوعه فيه، غير أنه ارتد إليه على خلفية خلافات وسوابق قتل مقربين، كما يقال له وعداوات مضمرة بينه وبين أشقاء له كعلي صالح الأحمر مثلا. وهل كان من يقصد ذلك أم لم يكن ربما يقصد بقدر ما أراد استهداف أعضاء مهمين في حكومته وبرلمانه الرئاسي، وعلى رأسهم يحيى الراعي وموفد صالح إلى الرياض بعد زيارة أخيرة فاشلة ربما ومتوعدة؟

هل كان صالح يعلم أن نهايته ستكون على أيدي من كان يعدهم ربما أيادي بيضاء تربطهم به رابطة الدم والأخوة من الرضاعة؟ وهل نسي صالح بسوابقه الكثيرة التي كانت له اليد الطولى فيها، خاصة فيما يقال انه وراء سحل ابن أخيه أو بالأحرى نجل على صالح الأحمر الشقيق في الحرس؟ هل كان صالح هذه المرة يدرك أن مصيره سيكون ربما شبيها بمصير عنصر ‘القاعدة’ أبو محمد الحارثي، الذي اصطادته طائرة أمريكية بدون طيار في ظهيرة لاهبة على رمال مأرب قبل سنوات؟ وسواء دبر الأمر بنهار أم بليل ‘أحمر’ ومن داخل مقاصير الدار الرئاسية أم حسب ترجيحات سيناريو أمريكي سعودي، يتوقع أنه تم بإشراف من موقع السفارة بمحاذاة ظهر حمير المدينة السياحية. وحتى لو جاء الأمر بالصدفة فانه كما يبدو خرج من عقال حسابات صالح هذه المرة وأجندة انقلاباته ومكافآته التراجيدية المعتادة في حق خصومه السياسيين والقبليين، أو حتى أولئك الذين تقاسم في حضورهم بالأمس لقمة عيش واحدة، من العليمي إلى عبد الغني، ومن مجور إلى العميد الراعي والمحافظ دويد وغيرهم وغيرهم كثير. الأمر بالطبع لم يعد مجرد مسرحية هزلية كما عكستها وتعكسها فجاجة وهشاشة وسخف الصحاّفيين في الإعلام الرسمي وقنوات تصريفه الفضائحي. مثلما لم يعد الأمر كما أراده ربما كتاب سيناريوهات ‘التيس’ ولو حتى كمحض صناعة خبر يجعل الناس مثلا مشدوهين وحائرين من حوله ما بين الانتظار والترويع ولحظة التوجس. وما بين الانتظار أيضا ومجرد توقيت وهم اللحظة التي تتوهم كونها تبقي الناس يصغون للهدوء المشوب بما قد يعقب ذلك من عواصف وقصف ومدافع لم تعد في الحقيقة خافية وجديدة في حسبان الآخرين، في اعتداءات النظام وبقايا وحداته المفككة وأذرعه العسكرية ذات التمركز العائلي والمتورطة بجرائم ارتكبت ولا تزال بحق الشعب اليمني، وهي الآن عبر عناصرها المجرمة تمارس عنجهية ما تبقى من نزع النظام الأخير في الاستهداف السافر للمعتصمين والمواطنين في شوارع ومنازل المواطنين في المدينة وبعض المديريات. لأن النظام الفاسد والكهنوتي أراد ويريد على الدوام قتل الوعي المدني لأبناء الشعب، خاصة في المحافظات الجنوبية وأبناء تعز الحالمة التي تمثل رمزية الثقافة والفكر والتنوير والانفتاح الحضاري. ‘ كاتب وصحافي وناشط بساحة التغيير ـ صنعاء ـ الناطق باسم المجلس المدني الديمقراطي (مدد) للتنسيق بين شباب الثورة السلمية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية