نسفت التصعيدات العسكرية بين الجانبين الحوثي والحكومي جهود مبعوث الأمم المتحدة، وقد تعيد مشروع السلام إلى المربع الأول، في حال حقق أحد الطرفين تقدما عسكريا كبيرا في جبهات القتال.
تعز-»القدس العربي»: شهدت العديد من جبهات القتال في محافظات مأرب وتعز وحجة خلال الأيام القليلة الماضية تصعيدا عسكريا منقطع النظير بين ميليشيا جماعة الحوثي الانقلابية وبين القوات الحكومية، في سباق محموم بين الجانبين مع التحركات الدولية للضغط على أطراف الصراع المسلح في اليمن للجلوس إلى طاولة المفاوضات لوقف الحرب.
وفي الوقت الذي شنت فيه ميليشيا جماعة هجوما كبيرا على جبهات محافظة مأرب مطلع الشهر الماضي، في إطار تصعيدها العسكري هناك ومحاولتها السيطرة على مدينة مأرب، التي استعصت عليها منذ العام 2014 قامت القوات الحكومية منذ الأسبوع الماضي بتصعيد مماثل في جبهات جديدة بمحافظات تعز وحجة، مع التحرك العسكري الكبير لصد الهجمات المتكررة للميليشيا الحوثية على العديد من المحاور في محافظة مأرب.
ويتسابق الجانبان على إحراز تقدم وتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض، مع قرب المفاوضات المحتملة حول مشروع وقف إطلاق النار، الذي تتبناه الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث، والذي عمل على بلورته منذ منتصف العام المنصرم واستمر في تطويره وتعديله لاستيعاب الرؤى المتباينة لأطراف الصراع للخروج بمشروع يمكن أن يضمن حلولا وسطية للمشهد اليمني بكافة جوانبه العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها.
ويعكف الجانبان الحوثي والحكومي على إحراز تقدم عسكري على الأرض، استباقا لهذه المفاوضات، لرفع سقف ورقتهم التفاوضية، على الرغم أن بعض المراقبين يرون أن الوضع العسكري الراهن في اليمن الذي شهد تصعيدا غير مسبوق بين الجانبين تجاوز هدف تعزيز الورقة التفاوضية إلى جنوح كل منها نحو الحسم العسكري بعد أن يئسوا من تحقيق أي تقدم في المفاوضات المقبلة واستحالة قبول كل منهما بالتنازل للآخر من أجل الوصول إلى نقطة التقاء بينهما.
ويحاول مبعوث الأمم المتحدة استخدام كل أوراق الضغط على الجانبين في اليمن للانخراط في المفاوضات المقبلة، غير أن مشروعه لوقف إطلاق لم يحظ بالقبول لدى الجانب الحوثي كما لم يرق للجانب الحكومي وهو ما يحاول فرضه عليهم عبر الدول الراعية للسلام في اليمن وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي عينت لها مؤخرا مبعوثا خاصا إلى اليمن لأول مرة في تاريخ العلات بينهما، والذي ذكر أكثر من مرة أن دوره لدعم تحركات مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن.
ونسفت التصعيدات العسكرية الأخيرة بين الجانبين الحوثي والحكومي كل جهود مبعوث الأمم المتحدة، والتي قد تعيد مشروع السلام الذي يسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع إلى المربع الأول، في حال حقق أحد الطرفين تقدما عسكريا كبيرا في جبهات القتال وأحدث خرقا في جدار الجبهات التي لم تحرز تقدما منذ العام 2015 وبالذات في محافظة تعز وحجة ومأرب وغيرها.
واضطرت القوات الحكومية إلى التحرك العسكري بعيدا عن الحسابات السياسية وفي منأى عن الاملاءات التي يفرضها التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات وبجهود ذاتية، وفقا لما أطلقه محافظ تعز نبيل شمسان الخميس الماضي من دعوة للتبرعات مع إعلان النفير العام في محافظة تعز القائم على جهود ذاتية وبدعم مجتمعي، وكشف أنه لا يوجد دعم للمجهود العسكري في تعز سوى الدعم المجتمعي لأبناء المحافظة الذين توحدوا لتحريرها من الميليشيا الحوثية التي تسيطر على العديد من المناطق الريفية المحيطة بمدينة تعز والتي تفرض حصارا مطبقا على المدينة من جميع الطرق الرئيسية التي تؤدي إلى المدينة من كافة المحافظات الأخرى.
وجاءت هذه التحركات العسكرية في محافظة تعز عقب التصعيد العسكري الكبير في محافظة مأرب منذ أن حاولت ميليشيا الانقلابيين الحوثيين الشهر الماضي التقدم نحو مدينة مأرب والاستيلاء على منابع النفط والغاز والمصافي النفطية هناك، والتي تعد أحد أهم الموارد النفطية اليمنية، كما يعتقد البعض أن تحريك جبهات محافظة تعز من قبل القوات الحكومية للتخفيف من حدة الضغط الحوثي على محافظة مأرب، غير أن مصدرا عسكريا قال لـ»القدس العربي» إن «هذا التصعيد العسكري في تعز لم يكن وليد اللحظة، حيث كانت قوات الجيش الوطني تستعد لهذا المواجهة منذ فترة طويلة، ولكن التوقيت جاء في هذه اللحظة الفارقة بعد استكمال كافة الاستعدادات لذلك».
ويرى مراقبون أن هذه التصعيدات العسكرية بين الجانبين الحوثي والحكومي ستلعب دورا جوهريا في تحديد شكل مشروع السلام المقبل الذي سيتبناه مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، والذي قد يكون بعيدا عن كل مضامين المشروع الحالي الذي فشل في تسويقه منذ عدة شهور، لعدم قبول الجانبين بمضامينه، واستحالة تطبيقه على أرض الواقع.