اليمن والقمة الخليجية الـ27: الشراكة بديلاً عن الانضمام لمجلس التعاون

حجم الخط
0

عادل أمين

المشهد يتكرر ويعيد نفسه كلما انعقدت قمة خليجية نهاية كل عام، حركة دبلوماسية يمنية نشطة تسبق انعقاد القمة تحاول تحريك ملف الانضمام وتُعيد تسويق المبررات ذاتها عند كل طلب جديد، لكن النتيجة تبقي هي نفسها كالعادة، الخليجيون كانوا واضحين تماماً في موضوع انضمام اليمن الي مجلسهم حينما اعتبروا العام 2010م نهاية الاختبار للجمهورية اليمنية ـ وفقاً للخطة التأهيلية التي تقدمت بها لمؤتمر المانحين في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بدعم كامل من دول الخليج ـ وعلي ضوء نتائج تلك الخطة أو الاستراتيجية سيتقرر موضوع الانضمام من عدمه، وبالتالي لم يعد هناك مسوغ لتكرار طلب العضوية عند انعقاد كل قمة لدول لمجلس. علي الحكومة اليمنية أن تتجه بقوة صوب تنفيذ مشروعات التأهيل لتحظي بثقة المانحين ودعمهم وألا تشغل نفسها بموضوع العضوية الذي صار معلقاً بمدي نجاحها أو فشلها في خطة التأهيل العشرية 2006 ـ 2015، لقد تحدث بيان القمة الخليجية الأخيرة الـ27 قمة الشيخ جابر عن تعزيز الشراكة بين الجمهورية اليمنية ومجتمع المانحين وفي مقدمتهم دول مجلس التعاون، ولم يُشر البيان لموضوع الانضمام اليمني ولا لقضية دمج اليمن في بعض مؤسسات المجلس مثلما كان يتوقع البعض، بيد أن اعلان الشراكة ينسجم مع التوجهات اليمنية التي عادة ما كانت تطالب برفع سقف علاقاتها مع دول المجلس من الجيرة الي الشراكة، وقد تعزز هذا المفهوم بشكل واضح في مؤتمر المانحين الذي كانت نسبة مساهمة دول الخليج فيه حوالي 86% من اجمالي التعهدات المالية لليمن والتي بلغت 4.7 مليار دولار.

ردع الأخطار المحتملةلا أحد ينكر أهمية تواجد اليمن في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي وأحقيتها بعضوية هذا التكتل السياسي الجغرافي المتميز، كما أن الكل مُجمع علي أن اليمن تمثل العمق الاستراتيجي لمنطقة الخليج والمخزون البشري المتنامي الذي سيكون له الأثر الفاعل علي أوضاع المنطقة سياسياً واقتصادياً، غير أن محاولة البعض تقديم اليمن باعتبارها احدي كفتي الميزان المعادلة لدول الخليج فيه شيء من المبالغة والاجحاف، ذلك أن أهمية أي دولة ومدي تأثيرها علي الساحتين الاقليمية والدولية لا ينبعان فقط من الموقع الاستراتيجي الذي تحتله ولكن أيضاً من قوتها الاقتصادية والعسكرية التي تمكنها من فرض نفوذها وضمان مصالحها، وفي الحالة اليمنية يحاول البعض لفت الانتباه الي ما يسمي بالتأثيرات السلبية والمخاطر الأمنية المحتملة التي قد تنجم عن استمرار تأخير انضمام اليمن الي مجلس التعاون محذراً من أن ذلك التأخير قد يؤدي الي حدوث تأثيرات سلبية في تفكير بعض النخب اليمنية ربما قد تقودها الممارسات السياسية الي البحث عن بدائل أو تكتلات أخري قد لا تتفق مع مصلحة دول الجزيرة العربية، وهذا في حد ذاته ـ كما يقول أصحاب هذا التوجه ـ مدعاة للخطر الشديد بالنظر الي ما يجمع بلدان المنطقة من حدود مشتركة وما يتمتع به اليمن من كثافة بشرية يمكن تسخيرها في خدمة سلامة المنطقة وأمنها في ظل التكالب الدولي علي ثرواتها ومحاولة العبث بالخارطة الاجتماعية للدولة الوطنية في اطار سياسة التفكيك واعادة التركيب التي تروج لها بعض الأطراف الدولية، ويذهب آخرون في اتجاه التأكيد علي أن اليمن قادرة علي أن تلعب دوراً اقليمياً مهماً في مواجهة أية مخاطر مستقبلية قد تنجم عن أطماع ايرانية في المنطقة، بالاضافة الي قدرتها علي مواجهة خطر الارهاب الذي يهدد أمن المنطقة والحد من نشاطه.

وخلاصة الأمر فان هنالك من ينظر الي اليمن باعتبارها صمام أمان منطقة الخليج والجزيرة ما يحتم علي دول الجوار سرعة العمل علي الحاقها بمجلس التعاون قبل أن يتحول اليمن الي مصدر قلق وازعاج لجيرانه.

والحقيقة أن هناك من يحاول القفز علي الواقع ويتجاهل المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية القائمة علي الأرض، فدول الخليج منذ نشأتها والي اليوم لم تعول علي جيرانها ولا حتي علي نفسها في حماية أمنها ومصالحها من التهديدات المحتملة، وكون هذه المنطقة تدخل في عداد المصالح الحيوية للولايات المتحدة فقد تكفلت هذه الأخيرة بضمان حمايتها عبر اتفاقيات الحماية العسكرية طويلة الأمد، والقواعد العسكرية التي انتشرت في طول المنطقة وعرضها والتي جعلت منها مسرحاً للأساطيل الأمريكية واحدي أهم المناطق الاستراتيجية للولايات المتحدة.

هنالك ما يقارب من اثنتي عشرة قاعدة أمريكية تعمل في منطقة الخليج وسوف يلحق ذلك بناء حوالي أربع عشرة قاعدة أمريكية أخري في العراق لاستكمال حلقات السيطرة العسكرية علي كامل المنطقة، فما هو الدور الذي بمقدور اليمن أن تلعبه تجاه كل ذلك؟! كما أن منطقة باب المندب وبحر العرب وسواحل القرن الأفريقي تعج هي الأخري بحركة الأساطيل الأمريكية والأوروبية التي تملأ المكان بذريعة تشديد الخناق علي شبكة تنظيم القاعدة، وتنسق مع قوات خفر السواحل اليمنية التي تدربها خبرات من تلك الدول لمواجهة ما يسمي بخطر الارهاب العالمي، وبمعني آخر فان المنطقة ككل الجزيرة والخليج واقعه بالفعل تحت الوصاية الغربية والنفوذ الأمريكي تحديداً الذي يحاصرها من أقصي الشمال وأقصي الجنوب وهو فوق ذلك يتواجد في العمق مثلما يتواجد علي الأطراف، وبالتالي فان الحديث عن دور اقليمي يمني في الخارطة الأمنية لدول المنطقة فيه الكثير من المبالغة التي لا تنسجم مع واقع الحال، أما الحديث عن احتمالات ردع الخطر الفارسي والمطامع الايرانية في الخليج فهو ضرب من الخيال لا يستقيم والمؤهلات التي تمتلكها اليمن للقيام بهذا الدور، كما أن هذا العمل مناط فعلياً بالقوات الأمريكية المتواجدة لحماية مصالحها في المنطقة وليس بأي طرف آخر مهما كان.

أما التكتلات التي قد تلجأ اليها اليمن كبدائل وخيارات أخري في حال استمرار تأخير انضمامها لمجلس التعاون ومدي انعكاس ذلك علي الوضع الأمني في المنطقة فالواقع يقول بألا خطر علي دول المنطقة يمكن أن يترتب من جراء ذلك الا اذا كان أصحاب هذه النظرية يرون بأن تكتل دول تجمع صنعاء يدخل ضمن هذا الاطار. والحق أن التجمع لا يشكل تهديداً لأحد كما أنه لا يُعد البديل المناسب الذي تطمح اليه اليمن كتعويض عن استمرار بقائها خارج مجلس التعاون، وربما أن دول الخليج سعيدة بنجاح اليمن في تأسيس هذا التجمع المدعوم أمريكياً، فعلي الأقل ستجد اليمن البيئة المناسبة التي من خلالها تستطيع لعب الدور الاقليمي الذي لم يتسن لها أن تلعبه في المجلس.

رياح الديمقراطية والاصلاح السياسييعتقد كثير من المراقبين بأن مجلس التعاون الخليجي لم يحقق النتائج المرجوة منه منذ الاعلان عن تأسيسه عام 1981م، بدليل فشله حتي الآن في رأب الخلافات الداخلية التي وقفت عائقاً أمام استكمال جملة مشاريع استراتيجية هامة بالنسبة لمستقبل المجلس، من ذلك علي سبيل المثال فشل المجلس في تطوير مشروع قوات درع الجزيرة، وفشله في اعلان السوق الخليجية المشتركة والتي أجلتها القمة الأخيرة الي العام 2007م، أما مشروع العملة الخليجية الموحدة فقد تم تأجيله الي العام 2010م، وحتي اليوم لم يستطع المجلس اتخاذ خطوات حاسمة وجريئة بشأن الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة من قبل ايران بالرغم من أن جميع دول المجلس تحتفظ بعلاقات طيبة مع ايران.

بل ان قضية توسيع نطاق مجلس التعاون هي من القضايا التي تؤخذ عليه لدي البعض ممن يري أن المجلس تعمد اضاعة فرصة توسيعه ليشمل العراق واليمن مُفضلاً اطاراً ضيقاً من العمل الاقليمي لا يهتم بالبعد القومي العربي، ويذهب هؤلاء الي القول بأن دول مجلس التعاون الخليجي تري في تجمعها هذا بديلاً أفضل عن جامعة الدول العربية بالنظر الي ما صاحب الجامعة وعدداً من التجمعات العربية الاقليمية من اخفاقات.

بيد أن آخرين يذهبون الي القول بأن دول مجلس التعاون قد صارت اليوم ضمن قائمة الدول الأكثر تأثيراً في محيطها الاقليمي، فبعد أن كانت تقبع في الهامش أصبحت اليوم ـ من وجهة نظرهم ـ تمثل المركز والثقل الأساسي في العالم العربي، فمن ناحية أخذت دول الخليج تقود مشوار التنمية ليس فقط علي أراضيها بل وفي الدول العربية الأخري، وبعد أن كانت متلقية لخبرات العرب صارت اليوم تصدر خبراتها اليهم، ومن ناحية أخري تميزت دول الخليج العربي عن بقية الدول العربية الأخري بالاستقرار السياسي الذي افتقدته كثير من الأنظمة العربية، فدولة جارة كاليمن مثلاً شهدت منذ توحدها عام 90م حربين أهليتين، الأولي كانت في مواجهة اعلان الانفصال عام 1994م في الجنوب، والثانية كانت في مواجهة حركة التمرد في الشمال عام 2004م و2005م، ولا تزال بقايا هذه الحركة عاملة ونشطة حتي اليوم، هذا بالاضافة الي عشرات الحروب القبلية التي شهدتها اليمن ولا تزال في مختلف مناطق الجمهورية، والي جانب النمو الاقتصادي الذي شهدته منطقة الخليج فقد تميزت المنطقة كذلك (في الآونة الأخيرة) بحراك سياسي نحو الاصلاح وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وقد تمكنت دولتان خليجيتان هما الكويت والبحرين من الحصول علي تصنيف الدولة شبة الحرة حسب تصنيفات منظمة بيت الحرية، وقد جرت مؤخراً انتخابات برلمانية حرة في كلا الدولتين حققت فيهما المعارضة نجاحات كبيرة، ولأول مرة يتم تعيين نائب رئيس وزراء شيعي في مملــــكة البحرين علي ضوء النتائج التي أفرزتها الانتخابات الأخيـــرة، وكانت دولة قطر قد شهدت هي الأخري انتخابات بلدية الي جانب المملكة السعودية، وتستعد دولة الامارات من جانبها لاجراء أول انتخابات بلدية في تأريخها بعد أن هبت رياح الديمقراطية علي منطقة الخليج العربي وصارت تتعامل مع قضايا الاصلاح بروح الانفتاح والتغيير.

الي جانب ذلك كله فان مؤشرات الفساد في دول الخليج العربية هي الأقل علي مستوي دول المنطقة وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود فساد مستشرٍ لدي هذه الأنظمة ولكن هذا الفساد لم يعمل علي اعاقة حركة التنمية التي تسير بخطي متسارعة في هذه الدول، في الوقت الذي يتسبب الفساد في دولة كاليمن في تعطيل مشاريع التنمية وهروب الاستثمارات وتدهور الوضع الاقتصادي وتصنيف اليمن ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة للانهيار والأكثر فشلاً في العالم، وفي الوقت الذي تعمل فيه دول الخليج علي توظيف عائدات الطفرة النفطية التي شهدتها أسعار النفط مؤخراً واستثمارها في خدمة شعوب دولها الي الحد الذي توزع فيه مبالغ نقدية علي مواطني تلك الدول (كالسعودية والكويت) فان ما يحدث في اليمن هو العكس تماماً حيث يتم نهب العائدات البترولية وفوارق الأسعار والتحايل عليها بواسطة ما يُسمي بالاعتماد الاضافي السنوي الذي تقدمه اليمن لمجلس النواب نهاية كل عام للمصادقة عليه بعد أن يكون قد تم صرفه في وقت سابق.

شراكة اختبار التأهيلالتطور الملموس والمتنامي الذي تشهده دول مجلس التعاون اقتصادياً وسياسياً يُعد دليلاً كافياً علي أن مسألة انضمام اليمن ـ بوضعها الحالي ـ الي المجلس لا تضيف بُعداً جديدا لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الأمنية، ولا من الناحية الاقتصادية بالتأكيد، فالمشهد السياسي الخليجي بغني عن ديمقراطية اليمن التي فندتها تقارير المراقبين الدوليين وكشفتها تجربة المعارضة في الانتخابات الأخيرة، وقد أثبتت الدول الخليجية أن بمقدورها صناعة وممارسة تجربة ديمقراطية خاصة بها دون أن يتفضل عليها أحد بتصدير تجاربه الخاصة اليها، أما التلويح بالقضايا الأمنية ومحاولة مقايضة الآخرين بها واعتبارها المدخل الأساس في بناء علاقات الجيرة والشراكة فهو أسلوب ابتزازي لا يصلح كسياسة يمكن التعويل عليها لتحقيق مكاسب مستقبلية.

أضف الي ذلك ان قضايا الأمن الاقليمي لم تعد حكراً علي دول بعينها ضمن اقليم محدد بل صارت جزءاً من نظام أمني عالمي تتداخل فيه المصالح المحلية بالعالمية، وتنشأ عن ذلك شراكات أمنية والتزامات يتعين الوفاء بها وغالباً ما تكون في صالح الأطراف الأقوي والأكثر نفوذاً وتأثيراً في المحيط العالمي.

ونخلص من ذلك الي حقيقة أن الشراكة اليمنية الخليجية لتأهيل اليمن اقتصادياً هي الأمل والطريق الوحيد أمام اليمن لتعزيز علاقته بمحيطه الخليجي والارتقاء الي مستوي المسؤولية الوطنية التي تحتم العمل بجد ومصداقية من أجل النهوض بالواقع اليمني الي مستوي التحدي الذي يفرض علي الآخرين احترامه والقبول به شريكاً علي طريق البناء تمهيداً لضمه الي ناديهم، لكن نادي الأغنياء هذا ليس مُلزماً أن يظل يمد يد المساعدة لجيرانه الي ما لا نهاية، وما لم يساعد الفقراء أنفسهم ويعرفوا كيف يعالجون مشاكلهم ويحلون أزماتهم وينهضون بواقعهم فلن تُجدي مساعدات الآخرين لهم مهما عظُمت وطالت.

اليمن اليوم في محك الاختبار وقد تعهدت دول الخليج بالوقوف الي جانبها لتخرج من أزمتها الاقتصادية الراهنة وبالتالي فعليها المراهنة علي نجاحها في هذا الجانب وحسب لتثبت أهليتها، أما المراهنات علي قضايا أخري سياسية كانت أم أمنية فالأولي أن تضعها جانباً لأنها ستزيد الأوضاع تعقيداً وستغلق الأبواب أمامها ولن يكون بمقدورها فتحها وان لوحت بكل الأوراق الخفية والمعلنة.

ہ سكرتير تحرير صحيفة العاصمة اليمنية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية