اليمن: وعُنق الزجاجة في الحوار الوطني

حجم الخط
0

قبل أيام قليلة من النهاية المقررة المفترضة للحوار السياسي الوطني، الذي تميز به اليمن بين اقرانه من بلدان الربيع العربي، التي تتجاذبها العواصف، تلتئم ألوان الطيف السياسي من النخب اليمنية في أهم مراحل ما عُرف بالمبادرة الخليجية، التي طبعت ربيع اليمن بخصوصية يتفاخر اليمنيون بها عن غيرهم، في حال قدر لهذا الحوار أن يفضي لتوافق ومن ثم لانفراج قريب، وفي نفس الوقت ينتاب المتابع والمراقب لسير هذا الحوار شيء من القلق الطبيعي من تعثر فعاليات الحوار الوطني، فقد بدا مستحوذاً على كثير من الأطراف السياسية جراء ابتزاز البعض من عناصر الحراك لتطويع مآلات الحوار لما تشتهيه رغباتهم الأنانية، غير مدركين خطورة الوضع والمرحلة، فإذا كان النظام السابق قد عاث فسادا في حلم اليمنيين فقد شمل ذلك كل اليمن من أقصاه إلى أدناه، وإذا كان هناك ممن تعاونوا معه مستفيدين من عطاياه، فهم من كل أبناء هذا البلد شمالا وجنوبا، فنحن أبناء هذا الواقع المؤلم بكل مسائه وآماله، فلتكن كل الاطراف على مستوى المسؤولية، فالحوار وصل عنق الزجاجة، فإما نكون أو لا نكون، خصوصاً انه تزامن مع تعقيدات جديدة في المشهد الأمني، برزت إلى الواجهة في عودة التوتر وأعمال العنف في أنحاء عدة من ربوع اليمن، وعودة الهجمات الإرهابية لتنظيم القاعدة، بعدما تمكن من لملمة صفوفه، فضلاً عن الهجمات التخريبية التي تستهدف المنشآت النفطية والاقتصادية. فالقاعدة تستهدف كل اليمن سواء موحدا او منفصلا فلن يكون أحد بمنأى عن مخططها، بل بالعــكس في حال الانفصال ستكون المناورة لديهم اقوى تأثيرا مما لو كان اليمن سلطة قوية واحدة.
يتوقع الأسبوع القادم عودة من يسمون أنفسهم بالحراك الجنوبي، الذين ليسوا بالضرورة يمثلون كل الشعب، ولكن الأمر الواقع يفرض التعامل معهم، فبعد الاعتذار اصبحت إمكانية لتفاعل حكومة الوفاق مع ماعُرف بالنقاط العشرين التي قد تفضي لنجاح الحوار الوطني في اخطر واهم جزئية فيه، وهي المعضلة الجنوبية، فلا المتحاورون ولا حكومة الوفاق لها ذنب في الوضع الذي آلت اليه الأوضاع في اليمن عموما، وفي الحالة الجنوبية على وجه الخصوص. وهو الأمر نفسه في ما عرف بالنقاط الـ11 المقدمة من فريق القضية الجنوبية أنفسهم، فرغم أنها حظيت بترحيب الأوساط السياسية إلا أنها لم تكن مقنعة لقوى الحراك الجنوبي وأنصارهم في المحافظات الجنوبية، والحال نفسه مع ممثلي الحراك المشاركين في الحوار الوطني، الذين تعاطوا معها بفتور على اعتبار أنها تأخرت كثيراً ولم تعد مجدية، بعدما رفع هؤلاء سقف مطالبهم لقاء عودتهم إلى طاولة الحوار، بعد أسابيع من إعلانهم مقاطعة جلسات المؤتمر ورفض أي قرارات يخلص إليها في غيابهم. يذكرنا هذا الجدل والمماطلة بأجواء ما قبل حرب 1994 التي أفضت لحرب ظالمة بسبب تقاعس الأطراف الجنوبية حينها، التي كانت لا تفتعل العوائق فحسب وانما تزيد شروطها يوما بعد يوم، فما يصلح اليوم، قد لا يكون أساسا للتفاوض غدا، هذه الروح المتمردة غير الراغبة هي التي أفضت لتلك الحرب، ورغم اقدام النظام السابق على شن الحرب الظالمة، الا ان الأطراف الجنوبية حينها تتحمل وزر تلك التبعات، والتاريخ يعيد نفسه، ففي حال فشل المؤتمر في التوصل لاتفاق يرضي الجميع، فان كل الاحتمالات واردة بقوة حتى لو أفضت لاتفاق ظاهري شكلي يهدئ غرور وصلف البعض إلا انه قد يكون ملغما بصراع مستقبلي في حال إقرار الفيدرالية على أساس إقليمين، فتجربة العراق في الفيدراليات فشلت، وتجربة الانفصال في السودان مهددة بحروب مستقبلية، ومشكلة اليمن في عدم وجود دولة مدنية يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وتحفظ للمواطن حريته وكرامته ومصدر رزقه، وبهذا وفي حال إقرار نصف اتفاق، او ما شابه ذلك فقد يولد انفجارا لدى الشعب اليمني كله ونخبه المتنورة، وقد يفضي أيضا لحرب أقسى من تلك التي جرت في 1994 وحينها سيخسر ليــس السياسيون فحسب، ولا الشمال او الجنوب، بل سيتحول اليمن لصومال آخر وتخسر كل الأطراف.
ومن هنا يرى البعض أن إدارة ملف القضية الجنوبية وصل إلى حال من التعقيد يصعب معه التكهن بمضي مؤتمر الحوار الوطني وفق الخارطة الزمنية المقررة له، فيما يذهب آخرون إلى التأكيد على أن فشله في حلحلة هذا الملف قد يهدد ويقوض الحوار الوطني برمته، فليس من المعقول والمنطقي أن يكون الآخر خارج الحدود من غير اليمنيين أكثر حرصا على مصير مخرجات التوافقات في هذا الحوار، وبالتالي فان مصير اليمن في أكثر حلقاته تعقيدا.
واستنادا لقاعدة أن لكل فعل ردة فعل فقد بدأ اليمنيون كلهم شمالا وجنوبا يكفرون بالوحدة التي اقترنت بالظلم وحب الزعامة وتمجيد القائد الرمز، فقد كان الذي يعيشون في ما يعرف بالجمهورية اليمنية، في حال أفضل بكثير مما هم عليه اليوم، وكذلك الذين عاشوا في ما يعرف باليمن (الديمقراطية) كانوا في حالة من رغد العيش، ولاسيما في منتصف السبعينيات فترة الشهيد ابراهيم الحمدي، ومؤخراً تداعت صيحات حراك شمالي وهذا جلب رد فعل سلبيا جراء تلك الأفكار التي تحاور فقط من اجل الابتزاز، فنأمل أن يسعى الجميع ليمن موحد يعيش في ظل دولة مدنية لا تسود فيها قيادات وأحزاب الفترة الحالية ولا القبلية أو الجهوية أو المؤسسة العسكرية، ولا حتى الإسلام السياسي، فقط دولة مدنية يتساوى فيها اليمنيون في الحقوق والواجبات. وحينها ستنفرج كل قضايا اليمن الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

‘ كاتب وسياسي يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية