اليمين الصاعد واليسار المحتمل.. هل تنجز المصالحة بين الخصمين التاريخيين ؟

حجم الخط
0

اليمين الصاعد واليسار المحتمل.. هل تنجز المصالحة بين الخصمين التاريخيين؟ مروان العياصرةأحيانا أتساءل: لو وصل اليسار العربي للسلطة هل من الممكن أن يدع مجالا للإخوان المسلمين للمشاركة في الحكم وإدارة الدولة في مناصبها العليا والرئيسة.. ؟ الأنظمة الشمولية كانت تحتكر كل شيء، ومع هذا حكمتنا عقوداً كثيرة وما زالت.. لكن الفكرة هنا ليست بالدفاع عن الإخوان المسلمين وحقهم في الاحتكار السلطوي والقبض على أطراف الدولة بين أصابع يدهم الواحدة، بل الفكرة في مستوى الوعي بالتطبيق العملي للحرية والديمقراطية وشكل الممارسة الرسمية التي يجب أن تكون مختلفة تمام الإختلاف عن ممارسة الأنظمة الشمولية الرعوية التي أنتجت بلا وعيها ولا إرادتها هذا الربيع العربي الخصب في هذه اللحظة العربية الراهنى التي تكاد تكون من أكثر اللحظات العربية التاريخية قدرة على إحداث التحولات السياسية والاقتصادية وقبل هذا الفكرية لسبب مهم وهو أن البنية الفكرية العربية للآن لم تستطع أن تردم الهوة بين الأيديولوجيتين العربيتين الأبرز (اليمين العربي واليسار العربي) إذ هما الوريثان الشرعيان المحتملان للأنظمة الشمولية التي بدأت تتراخى وتفقد السيطرة بعدما فقدت أهم وأكبر معاقلها في مصر.

التحول الفكري المطلوب يجب أن يجيب على سؤال الحرية وقلق الديمقراطية، وأعني الحرية بمعناها المغاير الذي أختلف فيه مع كثير من المعرفين من الباحثين الذين يرونها (القدرة على الاختيار بين الأضداد) وإنما هي القدرة على الجمع بين الأضداد فيما يشبه حالة توافقية تركز على الطرح الفكرة الجامعة والمنهج الجمعي، والذي لا يلغي ( الضرورة ) بقدر ما يهذب ويشذب مقتضياتها، ولا يرتهن لـ ( الحتمية ) بقدر ما يقدم الاستجابة الواعية لمقاصدها.

حين أستحضر شاعر الهند وحكيمها طاغور حين قال (فكرة أن الحياة ليست شيئاً دائماً ساعدتني على تنوير ذهني، إننا لسنا سجناء إلى الأبد خلف سياج الحقائق المُتحجرة) أستجمع الشجاعة الكافية لنقض فكرة الحرية التقليدية لصالح فكرة الحرية الفلسفية بمعناها الفسيح الذي يتسع لكل الأفكار والإيديولوجيات والمنهجيات، والذي يلغي بالضرورة (الدوجماطيقية) الوثوقية التي تحيط الحقيقة بإطار وعي فردي مطلق، وما يستتبع هذا من رفض للآخر وكره للشريك المحتمل، ودخول في دوامة التعصب للصيغ الجاهزة والمعلبة والقوالب المعرفية والفكرية غير القابلة للحوار.

كيف لليمين العربي المتمثل بالإسلام السياسي الصاعد أن يتحرر من الدوجماطيقية.. ؟ ، وكيف لليسار العربي أن يعيد إنتاج أفكاره بما يتقارب ولا أقول يتناسب مع أفكار التيار الصاعد وصولاً إلى منطقة وسطى تشعر داخلها المجتمعات العربية بالإطمئنان والوثوق بمخرجات هذا الشكل من ممارسة الحرية والديمقراطية المختلف عن المعهود والمكرس بفعل الاستبداد رديف التعصب، أقول هذا لأن التعصب والوثوقية والدوغمائية هي الوجه الآخر للإستبداد.

الحرية هي المساحة الناقصة بين اليمين العربي واليسار في خطوة باتجاه تجديد المحتوى المعرفي النظري والتطبيقي لإدارة الدولة وبناء مجتمع متماسك قابل للحياة وقادر على التعاطي مع (الحرية الكلية) وليس الحرية (الذاتية)، وحسب شلنج الفيلسوف الألماني – فإن فكرة المثالية عن الحرية فكرة صورية جوفاء يجب أن تستبدل بها فكرة واقعية حية، وعلى الأطراف أن تعرف كيف تنتقل من ضيق الشروط الواقعية إلى اتساع ممكنات التقارب، من خلال إجراء مصالحة تاريخية بين الخصمين التاريخيين، والمصالحة ممكنة في حال السماح من الطرفين بإنتاج معنى الحرية الكلية القابلة للقسمة على أكثر من واحد أو اثنين. فلم تعد ثمة حاجة لخصومة أو خلاف، بل إلى اختلاف معتدل وناضج تنشأ عنه قواسم مشتركة تتقدمها الصيغة المدنية للدولة وإدارة الدولة في حال الممارسة السلطوية للإسلام السياسي الصاعد وليس الدولة الدينية، أو للقوى اليسارية محتملة الصعود أيضا.

الربيع العربي الذي وضع كل الأنظمة الشمولية على المحك، يضع أيضا الأيديولوجيات والمنهجيات الفكرية على محك الاختيار بين الشكل التقليدي للخصومة والذي كرسته عقود الاستبداد والتخلف السياسي والتبيعية السياسية، إلى شكل أنقى من الاختلاف الذي يقدم الحرية الكلية على الحرية الذاتية أو الشخصية. الحرية هنا ليست مفردة لغوية جمالية، ومعناها ليس وجدانيا، بل الحرية هي في معناها المجمل الانتقال من أكسيمولوجيا الكلمة إلى أكسيمولوجيا الخطاب، من حيث هو انتقال من قيمة الكلمة المفردة اللغوية الجامدة إلى قيمة الخطاب الجمعي.’ كاتب أردني مقيم في البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية