اليهودية العجوز التي عرفت فريد الأطرش ربما تفهمني: انا والأفيش في محطة تل أبيب!

حجم الخط
0

صالح ذباحاستيقظت باكرا في ذلك اليوم الحار الغائم من اواخر شهر ايلول في ايام عيد العرش اليهودي مستنفرا كي استطيع انجاز مهمتي لذلك اليوم: نقل ‘الأفيش’ من تل ابيب الى حيفا! نحن الفلسطينيين في الداخل او ان شئت ترقيمنا 48 او شئت تلوين خطوطنا الحدودية بالأخضر… نحن أعني نحن! الفلسطينيون ذوو بطاقات الهوية الزرقاء الشمعدانية (أخف وطأة على القلب والعقل والبطن من قول مواطني دولة اسرائيل!) لن نعتاد على الاعياد الدينية اليهودية فلن نذكر تماما متى ليلة العيد ومتى العيد ومتى تغلق الحوانيت وتتوقف القطارات عن العمل ومتى نرشق بالبيض ومتى تمنع ‘قيادة’ السيارات داخل بلداتنا! البعض يعزو الامر الى رفضنا ونضالنا المتأصل فينا في اللاوعي والبعض يعزوه الى عدم قدرتنا على حفظ ذلك الكم الهائل من المناسبات والاعياد!اقتنيت اجمل ورقة صفراء مهلهلة في حياتي في احدى ‘جاليريات’ تل ابيب. كان قد أشار لي صديق عزيز كم اتمنى ان يقرأ هذه السطور الآن، انه رأى ‘أفيشا’ كبيرا لفريد الاطرش ومريم فخر الدين معلقا في تلك الجاليريا وهو يشاركني ذلك الحب الكبير للأفلام المصرية. مجرد ان ذهبت معه ورأيت ما تخبئ تلك الجاليريا في أدراجها من صور أصلية لافلام مصرية عدة كانت ‘أفيشات’ معلقة في المغرب في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي بيعت في مزادات باريسية الى ان وصلت الى ايدي ذلك البائع على حد قوله. لم يكن امام لعابي سوى أن يسيل بلا توقف! قلت لنفسي لن أترك المكان دون أن اشتري تلك الورقة الصفراء المهلهلة التي أذكر جيدا حال ما ابتدأ يفتحها ببطء صاحب الجاليريا طل علي منها فريد وشادية وهند رستم وكأنني اكتشف مقبرة داخل هرم مصري عتيق! كتب عليها عنوان الفيلم بالعربية والفرنسية: ‘انت حبيبي’ cest toi mon amour.لم تعد الورقة الصفراء مهلهلة. بل أردت ان أعيدها الى اقرب ما كانت عليه في اطار جميل يحييها من جديد,تنقل معي هذا الأفيش بيوتا عديدة سكنتها,كان معي في ترحالي الدائم داخل المدينة العبرية التي لا تنام!وجاء وقت نقله الى حيفا, كان لسان حاله كلسان حالي :عائد الى حيفا!ها هما ينتظراني فريد وشادية!حملت ‘الأفيش’ على كتفيّ متوجها الى محطة الباص التي سانتقل بعدها الى محطة القطار,تأمل الجنود الشبان الأفيش في المحطة كأن كائنا فضائيا هبط عليهم, ولم يشغلني في تلك اللحظة سوى التفكير بكيفية نقله لان صورة بهذا الحجم تعتبر حمولة ويمنع نقلها في الباصات.ما ان اتى الباص هممت بادخاله بطبيعية شديدة وكأنني اصطحب ريشة على ظهري,ظل السائق ذو الاصل الشرقي على ما يبدو يرقب الافيش وصاح:فريد!وامتدت ابتسامته الى ما خلف اذنيه!وانا في قلبي اقول:’شكرا للقناة التليفزيونية الحكومية الاسرائيلية التي كانت تعرض الافلام العربية لعقود طويلة-بلا ترخيص- مساء كل يوم جمعة ليتيح لي السائق نقل الافيش دون اي اعتراض!’وصلت الى محطة القطار وعيون الناس مصوبة الي باستغراب وابتسامات,ذلك هو سحر افيشات الافلام المصرية! كم كنت فخورا وسعيدا ان اجتزت مراحل ذلك اليوم للوصول الى رصيف المحطة منتظرا القطار، واذ بعائلة اسرائيلية مكونة من امرأة عجوز وابنتها وحفيدها يقفون امام الافيش متمعنين، تقول بنت العجوز : انا عرفت انه فريد الاطرش دون ان اقرا اسمه! هي ايضا من ذلك الجيل الذي شاهد الافلام العربية واعترفت لي انها لم تفوت اسبوعا دون مشاهدة الفيلم العربي، ولم يفهم الطفل ابن السبع سنوات كيف تعرفت أمه على ممثلين مرسومين على صورة كبيرة رصت عليها كتابات بالعربية,لن يستوعب ذلك ابدا! هو بالطبع من مواليد الالفية الثالثة في دولة اسرائيل. اللغة العربية رغم انها لغة رسمية في الدولة العبرية باتت مكروهة اكثر. غدونا نحن في وطننا غرباء أكثر. اعداء اكثر! اما العجوز التي تبدو كأي عجوز عربية فلم تنبس ببنت شفة. بقيت تنظر الى الصورة التي امامها وكأن رياح ذكريات وشجون عصفت بها. قد تكون جاءت الى هنا عنوة. ربما تشعر بحنين لمكان آخر.. لم أسألها. قد أكون انا الاقدر على فهمها او هي الاقدرعلى فهمي ربما! لا يهم… فقد اكتنفني الحنين.. حنين هنا وأنا واقف في مكاني هذا! كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية