تعرضت أسعار التبادل بين العملات لهزات كبيرة منذ بداية العام الحالي، خصوصا بسبب تأثير أزمة كورونا، وتداعياتها المالية التي تضمنت خططا للتحفيز الاقتصادي في كل دول العالم، أسفرت عن ارتفاع قيمة الديون العامة للدول الصناعية ومنها الولايات المتحدة، كما أدت إلى تغييرات في السياسة النقدية، وصلت إلى تحديد أسعار فائدة سلبية على الودائع لغرض تحفيز الإنفاق الاستهلاكي، وزيادة الطلب العائلي على السلع والخدمات. في هذا المناخ حقق اليوان الصيني مكاسب كبيرة، تسارعت وتيرتها خلال الأسبوع الأخير، بعد أن أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سياسة جديدة أكثر مرونة تجاه التضخم، وهو ما قاد بيوت التمويل الرئيسية في العالم إلى استنتاج أن بنوك الاحتياطي الفيدرالي ستواصل سياسة التيسير الكمي، وأسعار الفائدة الصفرية حتى لو ارتفع التضخم مؤقتا فوق معدل 2 في المئة خلال العامين المقبلين على الأقل. المستفيد الأكبر من هذا التحول في سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي كان اليوان، حيث تميز أداء العملة الصينية بالارتفاع المستقر بعيدا عن التقلبات، متمتعا بمعدل تضخم معتدل يبلغ 2.7 في المئة وأسعار فائدة أساسية موجبة تبلغ 3.85 في المئة.
وقد بلغ متوسط سعر اليوان خلال معاملات الأسبوع الأخير 6.77 مقابل الدولار مرتفعا من 6.91 خلال شهر اب/أغسطس، بنسبة زيادة 2 في المئة، وسجل في معاملات يوم الجمعة مكاسب إضافية، حيث وصل إلى 6.76 مقابل الدولار. ويتوقع تقرير أخير أصدره بنك مورغان ستانلي أن يستمر اليوان في الصعود حتى نهاية العام المقبل، ليسجل زيادة بنسبة 6 في المئة عن متوسط الأسعار الحالية. ويقدر البنك ان متوسط سعر اليوان بنهاية عام 2021 سيبلغ حوالي 6.6 للدولار الأمريكي. وتأتي هذه التقديرات متفقة مع آراء خبراء مركز بحوث التمويل الدولي في أكاديمية شنغهاي للعلوم الاجتماعية، الذين يرون أن زيادة قيمة اليوان كامنة في ضعف الدولار، حيث تعاني العملة الأمريكية من عوامل ضعف اقتصادية هيكلية، زادت من حدتها التداعيات المالية لفشل الولايات المتحدة في مواجهة وباء كورونا.
سياسة وقائية ضد الدولار
ويبدو أن هناك قدرا كبيرا من الإجماع السياسي في الصين على ضرورة تخفيف الانكشاف على أدوات تمويل الدين الفيدرالي الأمريكي، باتباع سياسة نقدية “وقائية” تجاه الدولار، وذلك لتجنب المخاطر الناجمة عن تراجع قيمة العملة الأمريكية، وتراجع العائد على أذون وسندات الخزانة، وتقليل التأثيرات السلبية للحرب الاقتصادية التجارية والتكنولوجية التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي إطار هذه السياسة النقدية الوقائية تواصل الصين بهدوء وببطء تقليل صافي حيازتها من أذون وسندات الخزانة الأمريكية. ويبلغ رصيد الحيازة في الوقت الحالي 1.07 تريليون دولار تقريبا، بعد انخفاض متواصل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة حتى نهاية تموز/يوليو. وكان صافي الرصيد القائم للحيازة في شهر ايار/مايو من العام الماضي قد بلغ 1.11 تريليون دولار، وهو ما يعني انخفاض حيازة الصين لأدوات تمويل الدين الفيدرالي الأمريكي بنحو 103 مليارات دولار منذ ذلك الوقت حتى الآن.
وتظهر إحصاءات وزارة الخزانة الأمريكية ان مشتريات الصين من أذون وسندات الدين الأمريكي قد سجلت قفزات سريعة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 وبلغت ذروتها بين عامي 2011 – 2013 لتسجل حوالي 1.3 تريليون دولار، مدفوعة بالرغبة في المساعدة في تمويل خطة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع رصيد مديونية الولايات المتحدة للصين إلى أكثر من تريليون دولار، وما يزال فوق هذه القيمة حتى الآن. لكن صافي حيازة الصين لأذون وسندات الخزانة الأمريكية، التي تستخدم في تمويل الإنفاق العام للولايات المتحدة، تراجعت على مدار السنوات الأخيرة، خصوصا مع الحرب التجارية. ومع أن القيمة المطلقة لمشاركة الصين في تمويل الدين الفيدرالي انخفضت بنسبة محدودة، إلا أن الأهم من ذلك هو أن حصتها قد انخفضت بمرور الزمن، وتبلغ حاليا 15 في المئة من حيازة الأجانب للدين الفيدرالي الأمريكي مقارنة بنسبة 26 في المئة في حزيران/يونيو 2011 وبذلك تراجعت من المركز الأول إلى المركز الثاني بعد اليابان، التي تمول الدين الفيدرالي الأمريكي حاليا بنحو 1.26 تريليون دولار بنسبة 18 في المئة من حيازة الأجانب لأدوات التمويل.
اليوان كسلاح سياسي
وتميل السياسة النقدية الصينية إلى تجنب استخدام مشترياتها من أذون وسندات الخزانة الأمريكية كسلاح في الحرب الاقتصادية الدائرة بين أكبر اقتصادين في العالم، لأنها يمكن أن تصاب بأضرار نتيجة لما قد يصيب اليوان من تقلبات سعرية. ولهذا السبب فإنها تقلل مشترياتها بهدوء، وبطريقة غير منتظمة، وذلك لتوفير قدر من الاستقرار في العلاقة بين اليوان والدولار، وتجنب تعريض أسواق الصرف لصدمات. وعلى هذا الأساس فإن هذه السياسة أسفرت حتى الآن عن تقليل ذروة رصيد الصين من أدوات تمويل الدين الأمريكي من 1.3 إلى 1.07 في تموز/يوليو من العام الحالي بانخفاض مقداره 230 مليار دولار خلال 9 سنوات تقريبا بمتوسط يبلغ 25.5 مليار دولار سنويا. ويساعد هذا التخفيض البطيء على توفير قدر كبير من الاستقرار للعلاقة السعرية بين اليوان والدولار، وما ينطوي عليه ذلك من استقرار الأداء الاقتصادي لكل من الصين والولايات المتحدة، وأن يتحقق الارتفاع المتوقع في أسعار اليوان في المستقبل ببطء وبشكل تدريجي لا يسبب اضرارا للصادرات الصينية. ويتوقع بعض خبراء التمويل في الصين أن تستمر هذه السياسية النقدية الصينية في تقليل الانكشاف على سوق تمويل الدين الأمريكي، حتى ينخفض رصيد الصين من هذه الأدوات من أكثر من تريليون دولار حاليا إلى حوالي 800 مليار دولار.
ومع أن الصين ستستمر في المحافظة على علاقتها بسوق أدوات تمويل الدين الفيدرالي للولايات المتحدة، ولن تخرج منها نهائيا كما فعلت روسيا، إلا أن ذلك سيخضع لاعتبارات السياسة النقدية الخادمة للسياسة التنموية؛ ذلك أن البنك المركزي للصين يضع في اعتباره مكانة الولايات المتحدة كشريك تجاري، وسوق مهمة للصادرات والواردات والخدمات.
ومع تخفيض انكشافها على الدولار، تتجه الصين أيضا لفتح وتوسيع أسواق جديدة حول العالم، أهمها أسواق منطقة رابطة آسيان، التي أصبحت خلال الأشهر الأخيرة شريكها التجاري الأول. ونظرا لأن البنك المركزي الصيني يستهدف تحويل اليوان إلى عملة عالمية رئيسية، فإنه يتخذ الإجراءات الكفيلة بتوسيع سوق تداول اليوان، وهو ما يتطلب استقرار قيمته عند معدلات مرتفعة نسبيا عما كانت عليه في العام الماضي. وطبقا لقراءة تقرير مورغان ستانلي الأخير عن حالة اليوان، فإن اتجاه أسعار العملة الصينية تعكس بوضوح نجاح سياسة البنك المركزي الصيني. ويتوقع مورغان ستانلي أن تتضاعف حصة اليوان في سلة الاحتياطي النقدي الدولي من 2 في المئة في الوقت الحالي، إلى ما يتراوح بين 5 إلى 6 في المئة خلال السنوات العشر المقبلة. وتظهر إحصاءات بنك الصين أن اليوان قد أصبح واحدا من العملات الرئيسية للاحتياطي النقدي الدولي لدى 70 بنكا مركزيا حول العالم بنهاية عام 2019 مقارنة بنحو 60 بنكا فقط بنهاية عام 2018.
النمو الاقتصادي
ويستمد اليوان قوته من سلامة السياسة الاقتصادية، وتحسن مؤشرات الأداء الاقتصادي على الرغم من وباء كورونا. وقد حققت الصين معدل نمو بنسبة 3.2 في المئة في الربع الثاني من العام الحالي، مقابل انكماش بنسبة 9.5 في المئة للولايات المتحدة في الفترة نفسها. ولا يعود النجاح الاقتصادي في الصين إلى سلامة السياسة الاقتصادية فقط، وإنما يستفيد أيضا من النجاح في حصار وباء كورونا والقضاء عليه تقريبا، وهو ما ساعد الاقتصاد على تخطي معدلات الأداء السابقة، وتحقيق نمو إيجابي في معظم القطاعات، بما فيها القطاعات القائدة مثل التكنولوجيا والصناعة التحويلية والتصدير. وتؤكد المؤشرات الأولية للربع الثالث من العام أن السياسة الاقتصادية للصين تتجه الآن إلى مزيد من الاعتماد على تنشيط الطلب المحلي، وفتح المزيد من الأسواق الإقليمية والتوسع فيها، والانتقال إلى مستويات أكثر تقدما عالية التكنولوجيا وإنتاج السلع ذات القيمة المضافة المرتفعة، مع تعزيز سلاسل الإنتاج والإمدادات المحلية، بقصد حماية صناعاتها بما في ذلك الصناعات التكنولوجية المختلفة من أضرار الحرب التي تشنها عليها الولايات المتحدة.
وقد توسعت الولايات المتحدة في مجالات هذه الحرب، وأصبحت تستخدم فيها سلاح العقوبات الثانوية، وفرض المقاطعة على الشركات المنتمية إلى جنسيات أخرى، إذا انتهكت هذه العقوبات، وشاركت في إمداد الشركات الصينية بمستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة. وفي سياق هذا التحول في السياسة الاقتصادية والنقدية للصين، يحتل استقرار قيمة اليوان وليس إضعافه مكانة جوهرية، لأن ذلك من شأنه أن يخفف قيود تمويل التجارة والاستثمار بالعملات الأجنبية لدى الصين وشركائها، ويساعد على توسيع نطاق اتفاقيات تسوية المدفوعات بالعملات المحلية، وتحويل اليوان إلى عملة عالمية قوية.