باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله: تتهم حكومة النيجر المجموعة الصناعية الفرنسية آريفا المتخصصة في الصناعات النووية بالوقوف وراء حركة التمرد القائمة شمال البلاد بمساعدة ليبيا، وذلك من أجل الابقاء علي سيطرتها علي مناجم اليورانيوم الكائنة في هذه المنطقة، بحسب ما يروج في فرنسا.
يتزامن هذا التشنج الذي أثر مؤخرا علي العلاقات بين فرنسا والنيجر بسبب هذا الملف الاستراتيجي للبلدين، مع انهاء سلطات نيامي لعقود من الاحتكار الفرنسي لليورانيوم النيجري، حيث أقدمت لأول مرة علي التعامل مع شركاء آخرين علي غرار الشركات الصينية والكندية والأسترالية وحتي الهندية. وطيلة عشريات كاملة، فرض الاحتكار الفرنسي لليورانيوم في النيجر، البلد الذي يعد ثالث منتج في العالم لهذه المادة، اسعارا جد منخفضة بعيدة كل البعد عن الأسعار المعمول بها في الأسواق الدولية. اذ لم تكن شركة آريفا تدفع للسلطات النيجرية مقابل الكيلوغرام الواحد من اليورانيوم أكثر من 41 يورو، بينما يقدر سعره دوليا بـ181 يورو حسب صحيفة الفيغارو الفرنسية. وتعود هذه الوضعية الي الاتفاقيات بين البلدين في مجال الدفاع الموقعة في سنة 1961 في خضم موجة الاستقلال في افريقيا. وبمقتضاها، فرضت فرنسا هذه الصيغة علي العديد من مستعمراتها الافريقية القديمة، حيث تعهدت بمساعدتها علي ضمان الأمن والاستقرار مقابل منحها الأولوية في استغلال مواردها المنجمية.
ومع الارتفاع الأخير لأسعار اليورانيوم في الأسواق الدولية، أبدت سلطات نيامي رغبة في التحرر من الاحتكار الفرنسي وأقدمت علي منح كل من الصين وكندا رخص التنقيب عن اليورانيوم واستغلاله. مبادرة لم تنظر اليها شركة آريفا بعين الارتياح، مما جعل العديد من المتتبعين لملف التعاون النيجري الفرنسي يتساءلون ان لم تكن حركة التمرد التي يشهدها شمال النيجر منذ شهر شباط (فبراير) من العام الجاري، تحت لواء حركة النيحريين من أجل العدالة، من افتعال شركة آريفا للضغط علي السلطات المركزية في نيامي حفاظا علي مصالحها. وتجدر الاشارة الي أن الدولة الفرنسية تمتلك أغلبية الأسهم في رأسمال الشركة. وتفيد تقارير اعلامية تنشر بباريس ان حكومة النيجر لا يراودها شك في ذلك، وان كانت وزارة الخارجية الفرنسية أوضحت لـ “القدس العربي” في ردها علي مثل هذه الاتهامات أنها لا تبدو مطابقة للواقع رافضة التعليق علي ما يدور في وسائل الاعلام النيجرية في هذا المجال، من جهة، وأيضا لأنه لا يمكنها الحديث باسم شركة آريفا من جهة أخري، علي حد قول مصدر مأذون من الوزارة. لكن سبق للرئيس النيجري أن صرح قائلا ان بعض العمليات (التي ينفذها المتمردون شمال النيجر) ليس فيها ما يوحي أنها استراتيجية دفاعية وانما تبدو متطابقة مع منطق الذين يقفون وراءها والذين يهدفون الي عرقلة عمليات التنقيب عن ثرواتنا المنجمية واستغلالها. تجدر الاشارة الي ان المتمردين أصبحوا ينادون برحيل شركات التنقيب الناشطة في شمال البلاد ويستثنون شركة آريفا. كما قالت صحيفة لا آش نوفيل النيجرية ان احد قادة التمرد، وقد كان ضابطا كبيرا في الجيش النظامي، ربما تلقي 80 ألف يورو من آريفا قبيل انخراطه في عملية العصيان الجارية.
وقد أدت حساسية الموضوع، بالنسبة لفرنسا التي تتمون 30 بالمئة من محطاتها النووية من اليورانيوم النيجري، وأهميته الحيوية، بالنسبة لنظام مامادو تانجه، الي بعض التشنج في العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة. فقد طردت النيجر المدير العام لشركة آريفا دومينيك بان (أحد رجال فرانسوا ميتران في الشؤون الافريقية حسب صحيفة لوموند الفرنسية)، في 25 تموز (يوليو)، ومسؤولها الأمني جيرار دونمور، اضافة الي تعليق بث اذاعة فرنسا الدولية علي التراب النيجري. الأمر الذي استدعي تبادل الزيارات في الأسابيع الماضية بين الطرفين علي مستويات عليا، بدءا بجولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الافريقية، الي التنقلات المتبادلة بين وزيرة خارجية النيجر عيشتو مينداودو ونظيرها الفرنسي بيرنارد كوشنر في اطار ما أسمته وزارة الخارجية الفرنسية في اتصال مع “القدس العربي” قبل ايام الحوار المنتظم والودي الذي ترعاه فرنسا مع النيجر منذ عودة هذا البلد الي المسار الديمقراطي قبل ثماني سنوات. وكانت آخر زيارة خفضت من درجة الضغط الذي يخيم علي علاقات البلدين تلك التي قام بها يوم 4 آب/أغسطس جان ماري بوكِيل، سكرتير الدولة الفرنسي المكلف بالتعاون والفرنكوفونية، الي نيامي حيث أجري مباحثات مع الرئيس مامادو تانجه. وقد أفضت هذه الزيارة، التي أظهرت رغبة باريس ورئيسها في التهدئة، الي تعهد شركة آريفا برفع السعر الذي تدفعه لنيامي مقابل الكيلوغرام الواحد من اليورانيوم الي 61 يورو، اضافة الي تسبيق 23 مليون يورو لنظام مامادو تانجه عن الريع المنتظر من استغلال آريفا لمناجم اليورانيوم النيجرية. كما التزمت هذه الشركة بمنح نيامي 300 طن من الـ2000 طن من اليورانيوم التي تستخرجها سنويا كي تبيعها في الأسواق الدولية. غير أن هذه الصيغة التوافقية التي تم التوصل اليها بين الطرفين تبقي، رغم كل ما سبق، بعيدة عن المعايير المعمول بها حاليا في الأسواق الدولية. وفي سياق قد يصعب فصله عن القضية، ذُكر ان المواطن الفرنسي باتريس بريكي (57 سنة) وهو رئيس منظمة غير حكومية تسعي لمساعدة النيجر، عُثر عليه مقتولا يوم الثلاثاء الماضي بطعنة خنجر في القلب بمقر سكنه عند أصدقاء نيجريين في العاصمة نيامي. حدث ذلك، علي ما يبدو، بعد عودته من مهمة في شرق البلاد. وسارعت السلطات الفرنسية الي إرسال مبعوث امني الي نيامي لمساعدة المحققين النيجريين علي كشف ملابسات هذه الجريمة. فيما اكتفت وزارة الخارجية الفرنسية بالإعلان عن تحقيق يجري للكشف عن ظروف وفاة هذا المواطن الفرنسي وان السفارة الفرنسية في نيامي علي اتصال وثيق بالسلطات القضائية وشرطة النيجر.
اما الشق الليبي في هذه القضية فيتمثل، حسب اتهامات نيامي، في تعاون طرابلس مع آريفا بدافعين اثنين: الأول ما يصفه النيجريون بالرغبة في الاستفادة من الثروات النيجرية. أما الدافع الثاني الذي يحفز ليبيا علي الدخول علي محور باريس ـ نيامي فيتمثل، حسب المتتبعين لهذا الملف، في رغبة طرابلس في مقايضة خدماتها لفرنسا مقابل دعم ساركوزي للقذافي في سعيه للخروج من العزلة الدولية المفروضة عليه، اضافة الي المكتسبات التي تم الكشف عنها في ما عرف لاحقا بقضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني.